أ.د عبد العزيز بايندر
يقول الله تعالى:
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: 40-41]
العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل يتمثّل في الإيمان بالكتاب الجديد الذي يصدّق ما بأيديهم، أي القرآن الكريم، واتباعه:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي، قَالُوا أَقْرَرْنَا، قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 81-82]
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ، فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]
وقد كان بنو إسرائيل على علمٍ تام بأن الرسول الخاتم هو محمد ﷺ، إلا أنهم لم يقبلوه لأنه ليس من نسلهم كما توضحه الية التالية:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ، وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ، قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 89-91]
وقد جاء في التوراة النص التالي:
أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلّمهم بكل ما أوصيه به. ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أُحاسبه» (سفر التثنية 18: 18–19).
إن الصفات التي تجعل محمدا “نبياً مثل موسى” كثيرة أبرزها الهجرة وقيادة الأمة وتخليصها من حقبة مظلمة[1].
الأرض الموعودة
بحسب الآيات 81-82 من سورة آل عمران فإن ما وُعِد به بنو إسرائيل، وهو الاستخلاف في الأرض، مشروط باتباعهم للقرآن، ويؤكد هذا الآية التالية:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]
ولذلك بعد أن ذكر الله تعالى إفسادي بني إسرائيل قال معقبا:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9]
أي أن اتباع القرآن يقود حتما إلى الحق، وبذلك ينجو المؤمن به من الأخطاء التي توجب عليه العذاب في الدنيا والآخرة.
وجاء في الزبور، الذي يسمّونه “المزامير”:
»الصدِّيقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد» (المزامير 37: 29).
وقد ورد في التوراة:
»إن سمعتَ لصوت الرب إلهك، وحرصتَ أن تعمل بجميع وصاياه التي أنا أوصيك بها اليوم، يجعلك الرب إلهك مستعليًا على جميع قبائل الأرض» (سفر التثنية 28: 1).
وفي الإنجيل:
»طوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض» (متى 5: 5).
وبعد أن بيّن الله تعالى أن اليهود والنصارى قد وقعوا في الشرك، وسعوا إلى إطفاء نور الله ومنع ظهور هيمنة القرآن (التوبة 9: 30–32)، قال سبحانه:
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: 8-9]
وقد رُوي عن نبينا محمد ﷺ أنه قال:
»ليبلغنَّ هذا الدِّين ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله هذا الدين، بعزِّ عزيزٍ أو بذلِّ ذليل؛ عزًّا يعزّ الله به الإسلام، وذلًّا يذلّ به الكفر» (رواه أحمد بن حنبل، 4/103).
الأحكام الواردة في التوراة بشأن بني إسرائيل صدقتها الآيات التالية من سورة الإسراء:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾ [الإسراء: 4-7]
الهزيمة الأولى كانت في عهد الملك يهوياقيم، حيث دخل ملك بابل نبوخذ نصر (بختنصر) إلى القدس، فأخضع الملك لسلطانه، وأخذ معه عددًا كبيرًا من الناس، إضافةً إلى نفائس المعبد. وبعد ثلاث سنوات، حين تمرّد الملك، دخل نبوخذ نصر القدس مرةً ثانية سنة 597 قبل الميلاد، فحمل ما تبقّى من مقتنيات المعبد، وأخذ الملك الجديد يهوياكين إلى بابل، وولّى مكانه صدقيا ملكًا. وبعد عشر سنوات، وفي عهد صدقيا، عاد نبوخذ نصر للمرة الثالثة، فحاصر المدينة، وانتشرت مجاعة شديدة، ثم استولى على القدس، وأُحرِق المعبد والقصر ومعظم المدينة، وهُدمت الأسوار، وسُبي قسم من السكان. (دائرة المعارف الإسلامية – مادة القدس).
وفي سنة 70م، حاصر القائد الروماني تيطس مدينة القدس، فأحرق معظمها، بما في ذلك بيت المقدس. غير أن بني إسرائيل في ذلك الوقت كانوا خاضعين للسلطة الرومانية، ولم تكن لديهم قوة عسكرية تمكّنهم من المقاومة؛ ولذلك فإن هذه الهزيمة لا تنطبق – وفق هذا الطرح – على الهزيمة المذكورة في الآية السابعة من سورة الإسراء، إذ لو كانت كذلك لذُكر تحققها صراحة.
وفي العصر الحاضر، تتكوّن أوروبا وأمريكا – إلى حدٍّ كبير – من يهود ونصارى يؤمنون بالتوراة، وقد بلغوا مستوىً غير مسبوق من القوة الاقتصادية والعسكرية مقارنةً بسائر مراحل التاريخ. وفي الحرب التي شنتها إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 للسيطرة على غزة، وقفت هذه القوى إلى جانبها، كما تفعل دائما، وأظهرت – بحسب هذا التصور – تجاهلها لمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان التي تزعم الإيمان بها، مما عُدَّ بلوغًا لذروة الانحراف.
وبناءً على ذلك، يترجح لدينا أن وقت الوعيد الثاني قد حان، وأن عبادًا من عباد الله سيُسلَّطون عليهم، فيغلبونهم ويدمّرون قوتهم، وعندئذٍ يتحقق ما ورد في التوراة من وعيد:
»ويكون إن لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه التي أنا أوصيك بها اليوم، أن تأتي عليك جميع هذه اللعنات وتدركك: ملعونًا تكون في المدينة وملعونًا تكون في الحقل» (سفر التثنية 28: 15–16).
كما تتضمن أسفار التوراة، ولا سيما في سفر التثنية (28: 15–68؛ 33: 4)، وسفر إشعياء (5: 24–30)، وسفر إرميا (2: 28؛ 18: 6–19)، تفصيلاتٍ موسّعةً حول ما قد يصيب بني إسرائيل من عقوبات نتيجة انحرافهم ومخالفتهم للأوامر الإلهية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر مقالة ودات يلماز: حجر الزاوية المنتظر: أحمد خاتم النبيين


أضف تعليقا