السؤال:
السلام عليكم أحبتي في الله.. سبق أن أخبرتكم من قبل أني أجتمع مع بعض المعارف والمقرببن لأحدثهم وأعلّمهم مما تعلمت هنا على موقعكم الكريم بهدف الرجوع لكتاب الله تعالى، ولكن أحيانا يكون هناك أسئلة لا أعرف إجابتها، يعني مثلًا بخصوص الآيات: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 71-72]
هذه الآيات بالنسبة لمن يؤمنون بكتب التراث يرونها دليلًا على أن الصراط المستقيم هو الذي يكون فوق جهنم، وهذا لا أصل له. وأيضا يقولون أنها دليل على عذاب القبر، وأيضا دليل أن هناك فئة من الناس يخرجهم الله تعالى من جهنم بعدما يعذبوا على ما فعلوا من ذنوب ثم يدخلهم الجنة، بصراحة الآيات توحي بهذه المعاني ولكني كنت قرأت على موقعكم الكريم أن لا شيء اسمه طريق رفيع فوق النار ليمر الناس فوقه ولا عذاب قبر ولا حتى دخول النار مدة زمنية لقضاء عقوبة ثم بعدها يدخل الجنة. ولكني لم أستطع الرد عليهم بالدليل والحجة المقنعة فبرجاء توضيح ذلك، وشكرًا جزيلًا مقدمًا.
الجواب:
وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، نسأل الله لكِ السداد في القول والعمل، وأن يلهمكِ الحجة والبيان في تبليغ كتابه وتجلية حقائقه. والشكر و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
إن الآيات (71-72) من سورة مريم تكتسب دلالاتها الحقيقية عند تجريد النص القرآني من تأثير المرويات التي حادت به عن سياقه الأصلي، لتجعله دليلاً على أساطير الصراط أو عذاب القبر أو الخروج من النار بعد دخولها، وهي معانٍ لا يصدقها منطوق النص ولا سياق الكتاب.
أولاً: دحض الربط بعذاب القبر والعبور فوق الصراط
إن الاستشهاد بهذه الآيات على عذاب القبر هو ابتعاد شاسع عن السياق؛ فلفظ القبور ليس غريباً على المعجم القرآني، ولو أراده الله لذكره. أما السياق هنا فهو سياق حشري، حيث تسبق الآياتِ مقدمةٌ حاسمة: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68] فالمشهد يتعلق بالحشر والمحضر المهيب حول جهنم، لا ببرزخ ولا بصراط مجهول فوقها.
ثانياً: الورود والفرز الإلهي (لا خروج بعد دخول)
تؤكد الآيات عملية فرز إلهي لحظة الورود، وليس عملية تطهير مؤقت! وهنا يبرز سؤال جوهري يطرح نفسه: لو قيل أن الورود على النار يشمل الجميع بما فيهم (المتقين) بالمعنى المادي أي (الدخول أو المرور فوقها)، فهل سيشمل هذا الخطاب الرسل والأنبياء أيضاً؟ فالنص لم يستثنِ أحدًا من المتقين، فهل يمر الرسل فوق النار وهم في أول صفوف أولئك المتقين؟
فالحق إن من يزعم أن المتقين سيدخلون النار ثم يخرجون أو يمرون عليها يصطدم بالحقائق التالية:
- ثنائية أم ثلاثية المصير؟ فلم يذكر القرآن فريقاً ثالثاً يقف في مرحلة (البين بين) وإنما هم:
- ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7]
- ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: 20] في مقابل ﴿أصحاب النار﴾
- ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: 105].
- استحالة إنقاذ من حق عليه العذاب: فقد وجه الله تعالى لرسوله سؤالاً مباشرًا لا يحتمل التأويل، يؤكد فيه أن النبي لن يُخرج أحدًا من النار: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر: 19]
- تفنيد دعوى الأيام المعدودة: لقد ردّ القرآن على معتقد أهل الكتاب (ومن سار نهجهم) الذين قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ فجاء الرد قاطعاً: ﴿بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 80-81].
- النفي الصريح للخروج بتأكيد الخلود الأبدي: حيث جاء في كثير من الآيات تنفي هذا الخروج وتؤكد الخلود:
- ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: 22].
- ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167].
- ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 65].
ثالثاً: تفاوت الجزاء في الدار الآخرة
وإن قيل، ماذا عن المؤمنين الذين ارتكبوا بعض الذنوب والسيئات، هل سيخلدون في النار مثل الكافرين؟ الحل القرآني يكمن في أنه كما للجنة درجات، يتفاوت فيها النعيم كالفردوس الأعلى الذي هو جزاء المذكورين في سورة المؤمنون: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 11]
كذلك فإن للنار دركات يتفاوت فيها العذاب كحال المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145] فالعذاب يتناسب مع الجرم، لكن المكان واحد والخلود فيه لا خروج منه.
أما المؤمنون الذين خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا، فهؤلاء مرجون لأمر الله فقد يغفر تعالى لهم بفضله ورحمه فلا يدخلونها أصلاً مصداقًا لقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 102] أما فكرة (دخول ثم خروج) التي جاءت بها المرويات فلا أصل لها في كتاب الله تعالى.
رابعاً: مفهوم الورود لغوياً وقرآنياً
إن الورود لا يعني الدخول أو الاستقرار؛ بدليل:
- اللغة: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 23] أي وصل إليه ولكنه لم يدخل في أعماقه.
- الإشراف للنجاة: الورود هو الإشراف أو القرب لرؤية هول ما نجاهم الله تعالى منه، والنجاة لا تعني أنهم عُذبوا ثم خرجوا، أو أنهم مروا من فوقها، وإنما تكون برؤية العذاب عن قرب دون التعرض له، مما يزيد في غبطتهم.
ومثل ذلك ما رءاه الرسلُ السابقون والمؤمنون معهم من عذاب أقوامهم المكذبين دون أن يمسهم سوء: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: 18]
- رؤية من خلف السور: إن ما جاء في سورة الأعراف حول الحجاب والأعراف (الآيات 44-50) وما جاء في سورة الحديد: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: 13] يؤكد وجود رؤية ومخاطبة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار دون تلامس أو عذاب للمؤمنين بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101]
خامساً: تحليل خطاب: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾
1- المخاطبون بالورود: بيَّنهم الله تعالى بيانًا شافيًا من بداية السياق، وقد رتَّبهم النص القرآني كالتالي:
- فبدأهم بمنكري البعث والحساب: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: 66]
- مرورًا بشياطين الإنس والجن المحشورين معهم: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68]
- صعودًا إلى زعمائهم وسادتهم في الضلال: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69]
- وصولًا إلى كل من عَلِم اللهُ تعالى استحقاقهم لصليّ نارها: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: 70]
- وختم بالجزاء الوفاق لهؤلاء عبر التفاف الخطاب إليهم مباشرة ليكون أوقع في نفوسهم: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]
فكما نرى، فإن الذين سيردونها حتمًا هم المجرمون والظالمون والعتاة من شياطين الجن والإنس.
2- حال المتقين: وتأتي نتيجة المتقين في الآية التالية مباشرة: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72] فالمتقون هم المستثنون هنا دون أن يمسهم العذاب.
3- المقارنة الحاسمة في السورة ذاتها (التكريم مقابل السّوْق) حيث يظهر الفرق الشاسع في التكريم والتشريف جلياً في نفس السورة؛ حيث يتبين الفارق حتى على مستوى اللفظ بين الفريقين:
- ففي حق المتقين قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: 85] والوفد لا يكون إلا مُكرماً مُعززاً في ضيافة الرحمن.
- بينما في حق المجرمين قال: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 86] فاستخدم لفظ “السوق” ولفظ “الورد” تأكيداً على ذلهم ودخولهم النار في خزي وهوان.
- مما يثبت أن “الواردين” في آية مريم (71) هم هؤلاء المجرمون المسوقون إليها، وليسوا المتقين.
4- أدلة قرآنية قاطعة على حصر “الورود” في أصحاب النار: مما لا يدع مجالاً للشك، أن لفظ “الورود” في المشهد الأخروي جاء حصرًا في حق أهل النار، وهو ما يظهر جليًا عند الحديث عن اقتراب الوعد الحق:
- قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98]
- ثم التأكيد على مصيرهم المحتوم: ﴿لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 99]
- لينتقل الحديث مباشرة وبشكل حاسم إلى المتقين المستثنين تمامًا من هذا الورود: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101]
- ثم يقول تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 102]. والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا: كيف يورد المتقون إلى جهنم أو يمرون من فوقها وهم ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾؟!
يجيب علينا جل جلاله أنهم: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 103]
وهذا من أكبر الأدلة؛ إذ لم يُستخدم هذا اللفظ في القرآن إلا لوصف جهنم وأصحاب النار، كما في قوله تعالى عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: 98]
ومما يقطع بأن المؤمنين المتقين ليسوا ضمن “الواردين” المذكورين في سورة مريم هو ذلك المشهد القرآني الحاسم الذي يفصل بين مصير الفريقين بدقة متناهية:
- في بيان حال المتكبرين والمجرمين: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 60]
- والذي أعقبه بنفي مس السوء عن المتقين: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزُنُونَ﴾ [الزمر: 61] والورود إلى جهنم هو ذروة السوء، فكيف يمسهم “سوء الورود” والله تعالى قد نفى عنهم مساس أي سوء بقرار إلهي مسبق؟
- وكذلك ضمانة الأمان والجزاء الأوفى: حين بيّن الله تعالى استحقاق الأمان للمؤمنين في قوله: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] فالأمان هنا مطلق من كل فزع، والورود إلى جهنم هو أعظم أنواع الفزع، فكيف يجتمع الأمان مع الورود؟
فكيف يجرؤ كائنٌ أن يخطَّ بمداده قولاً يضادّ كلماتِ الله التي لا تبديل لها؟ فبأيِّ منطقٍ يستقيمُ أن يقضيَ اللهُ جلَّ جلاله في حقِّ وفدِ المتقين المُكرمين بأنهم ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ ويجعلهم ﴿مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويضربُ بينهم وبين جهنم سُورًا كي ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ ثم نأتي نحنُ لننقضَ هذا الأمانَ الإلهيَّ، ونُوردهم النارَ بأوهامِ المرويات؟ أبعدَ قضاءِ الله قضاء؟! وأيُّ كلمةٍ تعلو فوقَ كلمتِهِ التي حسمت عِصمةَ المتقين من كلِّ روعٍ ومساس؟! ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؟ ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ. إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾؟!
وفي الختام:
يتبين لنا أن تدبر القرآن الكريم بعيداً عن المرويات المناقضة له يكشف عن اتساق إلهي يتجلى فيه العدل والرحمة، فالله سبحانه ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ وعذابه ليس غاية بحد ذاتها: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء 147] بل هو عدل مطلق وقرار لا رجعة فيه؛ سواء أكان ذلك في الوفاء بالبشرى للمؤمنين: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: 64] أم في إنفاذ الوعيد على المجرمين: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29]
وأن مشهد “الورود” و”النجاة” ليس إلا تجليًا لعظمة الفرز الإلهي في يوم لا ينفع فيه إلا العمل الصالح والقلب السليم، حيث يُباعد تعالى بين المؤمنين وبين النار إكرامًا لهم، ويجعل نجاة المتقين نجاةً كاملة لا يشوبها عذاب ولا يمسهم فيها سوء، وعند دخولهم الجنة يعبِّرون عن تلك النجاة بقولهم: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 34]
فالحمد لله الذي جعل كتابه تبياناً لكل شيء، وهادياً للتي هي أقوم، ومنارًا للمتدبرين الباحثين عن الحق في أصفى منابعه، وصدق الله العظيم إذ يقول عن كتابه الكريم:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 58].
الباحثة: شيماء أبو زيد


بارك الله فيك استاذتي وزادك الله من فضله و علمه اللهم آمين يارب
أستاذة شيماء، بارك الله فيكِ، وزادكِ من فضله وعلمه، ونِعمَ الشرح.
أودّ فقط أن أُعقّب على شيء، وأرجو التوضيح من فضلكِ:
بالنسبة إلى قولكِ في المقال: “ثنائية أم ثلاثية المصير؟”، فلم يذكر القرآن فريقًا ثالثًا يقف في مرحلة (البين بين)…
فأظنّ — والله أعلم — أن الله جعل الناس يوم القيامة ثلاث فرق:
فريق في الجنة، وفريق في النار، وفريق على الأعراف يرجون رحمة ربهم، كما في الآية:
{وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}
[سورة الأعراف: 48]
وهل صحيح أن كلمة “رجالًا” في الآية تعني الذكور فقط دون الإناث؟ أم أنها كما في آية الحج:
{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}
[سورة الحج: 27]
لأن كلمة “رجالًا” جاءت بمعنى الذكور في أكثر من موضع في القرآن.
برجاء التوضيح، وكل عام وأنتم بخير.