السؤال
سؤال بخصوص ليلة القدر: بما أن رمضان يدور حول السنة، إذًا فإن ليلة القدر هذه كانت وقت نزول القرآن، حدثت في الماضي وانتهت، ولا تأتي في رمضان المتنقل بين فصول السنة، يعني هذا شيء بالعقل، صحيح؟ وربما صادف أن تأتي ليلة القدر المقصودة في الآية بعد مرور عدد معين من السنين فتصدف أن تكون في نفس التوقيت، إنما لا يمكن ومستحيل فلكيًا وعقليًا ومنطقيًا أن تأتي ليلة القدر كل سنة مع رمضان الذي يتغير. ولكن الغريب أن الآية تقول: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} بصيغة المضارع. ممكن توضيح لهذه النقطة؟ وشكراً مقدماً.
الجواب:
إنَّ التساؤل الذي طرحتِه يلمسُ جانباً تحليلياً دقيقاً في فهم العلاقة بين “الحدث التاريخي” وبين “الشعيرة المتكررة”. والحقيقة أنَّ هذا الطرح – رغم ما فيه من إعمالٍ للفكر للوهلة الأولى – ليس مجرد استفسار عابر، بل هو محل نقاش لدى بعض التيارات الفكرية التي تنادي بإعادة النظر في التقويم الهجري؛ بدعوى أنَّ انتقال العبادات بين فصول السنة يخالف المنهج الصحيح.
إلا أنَّ هؤلاء قد غاب عنهم أنَّ هذه المنهجية هي التي تخالف حكمة التشريع؛ لأن القول بأن ليلة القدر حدثت وانتهت في الماضي يقوم على خلفية واهية تعكس خللاً في التصور لطبيعة الزمن؛ فهذا الادعاء يجعلها مجرد احتفال بذكرى سُجنت في التاريخ، ولضاعت قيمتها إذ لن يكون لها وجودٌ من الأساس في أي رمضانٍ لاحق، ولما أشرقت شمسها سوى في ذلك الرمضان الوحيد الذي نزل فيه القرآن، وعدم مجيئها في موعدها القمري السنوي هو المستحيل فلكًا وعقلاً ومنطقاً.
تهافت منطق التقويم الفصلي:
و لو سلمنا جدلاً بصحة الربط بين فضل ليلة القدر وبين فصل مناخي معين (كالشتاء أو الصيف) لكون القرآن نزل فيها أول مرة، فإنَّ هذا التصور لن يقتصر أثره على تلك الليلة فحسب، بل سينسحب بالضرورة على شهر رمضان بأكمله؛ فبما أنَّ رمضان ينتقل بين فصول السنة الأربعة، فهذا يعني بناءً على ذلك المنطق أنَّ الصيام لا يصح إلا في الأيام التي وافقت وقت نزول الوحي أول مرة من حيث المناخ والحرارة!
وهذا استنتاج في غاية الخطورة؛ لأنه يترتب عليه بطلان عبادة مفروضة وهي الصيام في غير توقيتها (الفصلي) الأصلي، بل سيمتد الأمر ليشمل كل المناسبات الدينية، بما في ذلك أشهر الحج، وتحديد الأشهر الحرم، وبناءً على هذه المقدمة الخاطئة، سنصل لنتيجة مستحيلة وهي أنه لا صوم ولا حج صحيح قد أُدي منذ وقت نزول القرآن وحتى يومنا هذا!
منطق التعبد بين ثبات الحدث ودوران الشعيرة:
وللوقوف على هذه المسألة بدقة وتفكيك اللبس القائم، ينبغي أولاً أن نفرق بين أمرين جوهريين يختلطان في الأذهان، وهما الحدث التاريخي والشعيرة المتكررة.
* الحدث التاريخي (الواقعة) في ليلة القدر، هو لحظة الاتصال الأول بين السماء والأرض بنزول الوحي وبداية الرسالة، وهو فعل تم في نقطة محددة من التاريخ لمرة واحدة وانتهى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]
* الشعيرة المتكررة (الموسم التعبدي): هي الوعاء الزمني الذي يتجدد كل عام بقدوم شهر رمضان، وهي منحة مستمرة وُصفت بالبركة لدوام فضلها وتكرار الأحداث فيها كل عام في نفس التوقيت القمري: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: 4]
مثله تمامًا كالحج.
* الحدث التاريخي (الواقعة) هو النداء الأول الذي أطلقه النبي إبراهيم عليه السلام ليعلن ميقات العبادة وأصل التكليف، وهو واقعة تاريخية مَضت بمناخها وزمانها: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا…﴾ [الحج: 27]
* الشعيرة المتكررة (الموسم التعبدي): هو النسك القائم الذي يتكرر سنوياً في “أشهر معلومات” حيث يطوف عبر فصول السنة صيفاً وشتاءً، مع بقاء العبادة ثابتة في ترتيبها القمري: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ…﴾ [البقرة: 197]
دلالة ذكر “الشتاء والصيف” في القرآن.
مما يؤكد استقلالية العبادات عن الفصول المناخية، أن القرآن الكريم ذكر الفصول صراحة في معرض الامتنان بنعمة تيسير الرزق والرحلات التجارية، كما في قوله تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: 2] وهذا الذكر الصريح للفصول يحمل دلالة الإقرار بوجود الفصول وتمايزها:
فقد أقرَّ الخالق سبحانه بوجود الشتاء ببرده والصيف بحره، وجعل لكل منهما خصائص اقتصادية ومعيشية (كالرحلات التجارية) ولو أراد الله تعالى أن يربط العبادات كالصيام والحج بفصل معين، لقال “صوموا في الشتاء” أو “حجوا في الصيف” لكنه سبحانه ميز بين نوعين من الحساب:
- حساب المعاش (الرحلات والتجارة) وهذا قد يرتبط بالفصول والمناخ.
- حساب العبادة (المواقيت الشرعية) وقد ربطه حصراً بالأهلة القمرية التي تطوف على هذه الفصول جميعاً.
فالخلط يقع حين يظن البعض أن الشعيرة يجب أن تظل سجينة المناخ الذي وقع فيه الحدث التاريخي، والحقيقة أن القرآن قد فكَّ الارتباط بينهما ببيان أن الحساب للكون مبني على التقويم الرباني، وكيف أن هذا النظام هو “الدين القيم” الذي لا يتبدل بتبدل الأهواء أو الفصول، وذلك وفق الأدلة القرآنية التالية:
- ثبات العدة الإلهية (اثنا عشر شهراً)
يؤكد القرآن الكريم أن عدد الشهور حُسم منذ لحظة خلق السماوات والأرض حين قال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: 36] ووصفُ هذا النظام بـ “الدين القيم” إشارة إلى أنه النظام المستقيم والمستقر الذي ارتضاه الله لتنظيم عبادات الناس ومواقيتهم، وهو نظام يتجاوز المتغيرات المناخية.
وكذلك فإنَّ انتقال رمضان وليلة القدر بين “الشتاء والصيف” المذكورين في القرآن، يمنع وقوع المسلمين في خطيئة النسيء التي ذمها الله تعالى (كالنسيء الذي كان يفعله أهل الجاهلية لربط الشهور بالفصول تبعًا للمصالح والأهواء) والذي وصف بزيادة الكفر: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: 37] وهي محاولة التلاعب بالشهور القمرية لكي توافق فصولاً معينة، فلو ثبَّتنا رمضان في الشتاء دائماً، لتعطلت حكمة “الدين القيم” الذي يختبر عبودية الإنسان للخالق في حر الصيف وفي برد الشتاء على حد سواء، فهي شهور ثابتة لا تقبل التلاعب بزيادة أو نقص .
- القمر.. مرجع الحساب السنوي
ولمعرفة بداية الشهور ونهايتها لضبط الوقت والحساب، فقد جعل الله تعالى من دورة القمر وسيلة أصيلة، فليس القمر مجرد جرم سماوي، بل هو “ساعة كونية” دقيقة، لا يتأثر بتقلبات الفصول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5].
وهنا ربط الخالق سبحانه “علم عدد السنين والحساب” بتقدير منازل القمر ليكون مرجعاً حسابياً للبشر، مما يوضح أن العبادات المرتبطة بالشهور (كرمضان والحج) تتبع هذه المنازل القمرية أينما وقعت من فصول السنة.
- تعاقب الآيات لضبط المصالح والعبادات.
يُفصل القرآن كيف أن حركة الليل والنهار، وما يتبعهما من حساب، هي آية لبيان الدقة والترتيب: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: 12].
- آيات الفلك شاهدٌ على تجدد الشعائر.
بما أن القمر واحدٌ للكون كله، فإن دورته الفلكية نظامٌ كونيٌّ ثابتٌ وموحد؛ وقد جعل الله تعالى من حركة منازله وسيلةً يقينية تضبط المواقيت. تبدأ الدورة برؤية الهلال، ثم يتطور في مراحله المتصاعدة ليبلغ ذروة استدارته وكماله عند “البدر”، قبل أن يبدأ رحلة الرجوع والنقصان تدريجياً، ليعود في نهاية الشهر كما بدأ ضئيلاً منحنيًا. وهو العلامة الظاهرة والبينة للجميع: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39]
وهذا النظام الفلكي الدقيق يبرهن على “وحدة التشريع” من خلال “وحدة الفلك”؛ فهذا الانضباط يضمن عدم التداخل أو الاضطراب في الزمان. وهو إبحارٌ منتظم يتيح للبشر بناء تقويمهم العبادي بوضوح تام، مما يؤكد أن ليلة القدر كشعيرة تتبع نظام الخالق في كونه، وتتجدد بتجدد فلك القمر الذي يسير وفق هندسة إلهية لا يسبق فيها ليلٌ نهاراً: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]
مثال توضيحي: يشير السهم في الصورة إلى طور القمر (وهذا المثال على سبيل التوضيح وليس تحديدًا لليلة القدر)

فلو أن ليلة القدر الأولى التي نزل فيها القرآن الكريم، قد وافقت هذا الطور القمري المحدد من رمضان، فإنه وبناءً على قانون “وحدة الفلك والتشريع” سوف تتجدد ليلة القدر في كل عام في نفس الليلة من شهر رمضان المبارك، ومع نفس ذات شكل القمر تماماً. فهي شعيرة حية تتبع وعاءها (رمضان) وجوداً وعدماً، وتتجدد بتجدد منازل القمر؛ فكما يعود القمر لمنزله، تعود الليلة في ميقاتها المحتوم.
وبناءً على ذلك، فإن محاولة حبسها في فصل مناخي واحد هي مخالفة للناموس الإلهي الذي جعل القمر هو الميقات المعتمد، وتطبيقاً لمنطق: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ حيث تسبح العبادة في فلك الزمان لتشمل بركتها كل فصول العام، مما يحقق العدل الإلهي؛ فيختبر المؤمن عبوديته في حر الصيف وفي برد الشتاء، وهذا هو “الحساب” الإلهي الذي يحرر الشعائر من حدود التفسير البشري القاصر.
إنَّ هذا الدوران الزماني للعبادات هو الضمان ليبقى الإسلام ديناً قيماً عالمياً يرتبط فيه “عالم الأمر” (التشريع والوحي) بـ “عالم الخلق” (الكون والأجرام) في تناغم مذهل يعكس وحدة المصدر الإلهي، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54 ] فمن خلق هذا الكون بنظامه الدقيق، هو ذاته الذي أمر بهذه العبادات في مواقيتها القمرية، ليظل المسلم في كل زمان ومكان متصلاً بربه من خلال حركة الكون الذي يسبح بحمده.
وختامًا:
إن ليلة القدر ليست مجرد ذكرى تاريخية أو وعاء للتبرك الوجداني، بل هي قانون إلهي وقاعدة كونية تتجاوز مفهوم الاحتفال بالماضي إلى صناعة المستقبل؛ فهي الليلة التي تفتح فيها السماء أبوابها لـــ ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: 4] فتنزل بمهام وأقدار جديدة من كل أمر بتقدير رباني متجدد؛ حيث يُفصل فيها الرزق ويُعاد فيها تقدير شؤون الخلق مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَاۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان: 4- 6] وهذا الطواف الزمني لليلة عبر فصول السنة يبرهن على عالمية هذه المنحة وعدم انحصارها في واقعة انقضت، بل هي بوابة زمنية تتفعل بقدوم رمضان.
وقد اقتضت الحكمة الإلهية عدم تحديدها بيوم معين داخل الشهر كي لا ينحصر الفضل في ليلة واحدة، بل لتشع أنوارها كمشكاة تنير الشهر بأكمله، وتدفع العبد لاستنفاد الوسع في العبادة، مؤكدة أن بركتها عملية تشمل الرزق والقدر والتدبير لكل بقعة من بقاع الأرض وأن فضلها حيٌّ يسكن ماضينا ويؤثر في حاضرنا ومستقبلنا فـــ ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
الباحثة: شيماء أبو زيد


أولاً: الحكمة من اختيار التقويم القمري وتعظيمه كشعيرة
التقويم القمري هو النظام الزماني الذي اختاره الله عز وجل لتنظيم الشعائر والعبادات: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]. فاتباع هذا النظام ليس مجرد اختيار بشري، بل هو استجابة لأمر الخالق في كتابه الذي حدد عدة الشهور باثنتي عشر شهراً منذ بدء الخلق: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: 36]. وبما أن الله هو من اختار هذا النظام، فإن احترامنا له والالتزام بالأشهر الحرم ومواقيت الحج المرتبطة به يعد جزءاً أصيلاً من العبادة ودليلاً على تقوى القلوب: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
ثانياً: التكامل بين الشمس والقمر في الحساب والمعاش
الله عز وجل جعل الشمس والقمر معاً وسيلة للحساب: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]. لكنه سبحانه وزع المهام بدقة؛ فالشمس وحركتها مرتبطة بضبط المعاش، وأوقات الزراعة، وفصول السنة التي تقوم عليها مصالح الناس التجارية: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: 2]. بينما جعل القمر لضبط مواقيت العبادات والحج: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197].
ثالثاً: العدل الإلهي في الدوران الزمني
الاعتماد على التقويم القمري يضمن عدم حبس العبادة في فصل مناخي واحد؛ فمن خلال دورانه، يتساوى المسلمون في كل بقاع الأرض في تجربة الصيام والحج عبر جميع فصول السنة، مما يحقق العدل الإلهي في توزيع المشقة والبركة على الجميع دون محاباة لمكان أو فصل على حساب آخر.
الخلاصة:
لا ذنب في التساؤل، ولكن الدقة الحقيقية تكمن في اتباع المنهج الذي وضعه الخالق؛ فالتقويم القمري هو الميزان الذي يحفظ وحدة التشريع وعدالة العبادة في هذا الكون
اشكرك أستاذتي الغاليه على الاهتمام والتوضيح فأنا احاول ان أفهم فهل لو انا في داخلي أجد ان التقويم الميلادي او الشمسي هو الادق والأفضل يكون عليا ذنب؟؟ مع العلم ان الله ذكر الشمس في القرآن مع القمر وقال لتعلموا عدد السنين والحساب .فلماذا لا نستخدمها سويا ونستخدم الحساب الفلكي ؟
ام ان الاعتماد على التقويم الميلادي ضد الشرع وعكس ما اراد الله ؟
السائلة العزيزة.. أعتذر لو كان جوابي يحمل بعض الغموض، وسوف أوضح لك المسألة بأمثلة بسيطة ردًا على تعليقك في نقاط حسب السؤال:
1. لماذا لا يكون رمضان ثابتاً في فصل معين؟
لو جعلنا رمضان ثابتاً في فصل الشتاء مثلاً، فنحن هنا نرتكب خطأً فلكياً جسيماً؛ لأننا سنضطر لتعطيل ‘دورة القمر’ الحقيقية. الله عز وجل حدد السنة بـ 12 شهراً قمرياً كدورة كاملة، ورمضان هو الشهر التاسع في هذا الترتيب الثابت. وحين يأتي دور ‘الشهر التاسع’ تحل معه ليلة القدر. وتثبيته في فصل واحد يعني التدخل في ‘نظام الكون’ وتغيير عدد أيام السنة، وهذا هو (النسيء) الذي نهى عنه القرآن لأنه تلاعب بالزمن الإلهي ليرضي أهواء البشر ومناخهم.
2. مثال ميلادك (الحدث المرتبط باليوم لا بالطقس):
تخيلي أنكِ وُلدتِ في أول أيام عيد الفطر، وكان هذا اليوم يوافق تاريخ 20 فبراير (في عز الشتاء).
هل عندما يأتي عيد الفطر بعد سنوات في فصل ‘الصيف’، ستقولين هذا ليس يوم ميلادي لأن الجو حار؟
طبعاً لا، لأن ذكرى ميلادك مرتبطة بـ ‘الحدث’ (أول يوم عيد) وليس بـ ‘الطقس’ (شتاءً أو صيفاً). فكذلك ليلة القدر هي ليلة ‘ميلاد القرآن’، والوعاء الذي اختاره الله لهذا الميلاد هو ‘شهر رمضان’، فحيثما ذهب رمضان (الشهر التاسع)، ذهبت معه ليلة القدر.
3. مثال نصر أكتوبر (تعدد التقاويم):
حرب أكتوبر حدثت في يوم 6 أكتوبر (تقويم ميلادي ثابت فصلياً) وفي 10 رمضان (تقويم هجري يدور).
نحن نحتفل بنصر أكتوبر في ’10 رمضان’ كل عام بصرف النظر عن الفصل المناخي؛ فمرة يأتي في البرد ومرة في الحر، لكنه يظل دائماً هو ‘يوم العاشر من الشهر التاسع’. وليلة القدر كذلك، هي مرتبطة بـ ‘رقم الليلة’ داخل ‘الشهر التاسع’، وليس ببرودة الجو أو حرارته.
4. لغز ‘شكل القمر’ (لماذا ليلة القدر في رمضان تحديداً؟):
ملاحظتكِ أن شكل القمر يتكرر كل شهر صحيحة 100%.. لكن تخيلي ‘ذكرى زفافك’ أو تخرجك؛ والقمر في تلك الليلة كان له شكل معين (مثلاً كان بدراً). هذا ‘البدر’ يتكرر كل شهر طول العمر.. فهل كلما رأيتِ القمر بدراً ستقولين ‘اليوم ذكرى زواجي أو تخرجي’؟ طبعاً لا؛ لأن الذكرى مرتبطة بـ ‘يوم محدد في شهر محدد’.
فكما أن صيامك لا يصح في رجب أو شعبان رغم أن الهلال يظهر فيهما، فإن ليلة القدر لا تتفعل طاقتها وبركتها إلا حين يلتقي ‘الشكل القمري المحدد’ مع ‘الشهر التاسع’ (رمضان).
5. التقويم الإلهي يختلف عن التقويم الميلادي:
أنتِ تحاولين التعامل كـ التقويم الميلادي الذي يتكرر فيه الحدث في نفس الموسم والشكل الثابت، وهذا ليس التقويم الإلهي. التقويم الإلهي ‘طواف’ مرتبط بمنازل القمر وتعاقب الليل والنهار . أرجو أن الفكرة وصلتك، وإن لم تكن وضحت لا تترددي في الاستفسار مرة أخرى ونحن معك بإذن الله تعالى
تعليق آخر: أشعر أنني لم أستطع التعبير عن ما أريد وهو أنه لما لا يكون شهر رمضان ثابت أصلا كما يقال ؟؟ أما بخصوص الرسم التوضيحي لأطوار القمر فالشكل المشار إليه في الصورة يأتي في كل الشهور وليس رمضان فقط. فهل كما أتى إذا هى ليله القدر !!!!!!
أشعر أن الموضوع به لبس ومعقد بالنسبه لي.
بارك الله فيك أستاذتي
الله عليكي استاذه بارك الله فيك وجزاك خيرا .. ان الليلة مجهوله فعلا لزياده العبادات طول الليالي.. ثبتك الله لما يحبه و يرضاه