حبل الله
الظهار والإيلاء في الواقع المعاصر

الظهار والإيلاء في الواقع المعاصر

السؤال:

السلام عليكم،

أنا حاليا أتعلم سورة المجادلة وأتدبر فيها، والظهار هو أن تحرم المرأة على زوجها لأنه قال “أنت عليّ كظهر أمي” . لا أعتقد أن أحدًا يقول هذا في يومنا أبدا (الله أعلم).

ولكن ليُنزّل ربنا آيات عن هذا الموضوع وأيضا كفارة له فهو ليس فقط للجاهلية بل أيضا لنا، ولكن كيف لا أحد يقول ذلك؟

هل يمكننا أن نعتبر أن الطلاق العاطفي هو ظهار؟ بمعنى أن يعيش الزوجان في نفس البيت لكن بسبب شجار لا يتكلمان ولا ينامان بنفس الغرفة ولا يوجد مودة ورحمة فالمرأة معلقة. ولا تستطيع أن تطلق بسبب أوضاعها المادية أو من أجل أطفالها، أو لرفض الرجل فلماذا لا يعتبر ظهارا؟

لم أسمع أحدًا يتكلم عن موضوع الظهار بما يناسب عصرنا، أرجو منكم الإجابة وشكرًا سلفًا.

الجواب:

وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته،

أما عن الشكر سلفًا فنحن من ندين به للسائلة الكريمة ونحييها على فكرها المستنير وسؤالها الذي يفتح لنا بابًا من أبواب المعرفة امتثالًا لدعوته تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]

هذه الدعوة الإلهية تواجه فخ الجمود الذي اختزل النص القرآني في قوالب زمنية ماضية، حيث حوصر بأقفال الموروث التي عاملت أكثر تعاليمه وأحكامه كوثيقة تاريخية صامتة، بينما هو في حقيقته نبع ثري يتدفق بالحياة، لا يتوقف عطاؤه عند لحظة النزول بل يفيض ليعكس تفاصيل كل عصر.

وهذا الانفصال الذهني جعل الآيات تُقرأ للتبرك لا للتدبر، ولحصد الحسنات لا كمنهاج يمس الواقع؛ ولعل حصر أحكام مثل “الظهار” في ألفاظ جاهلية بعينها يجسد هذا القصور الذي أدى إلى ظلم بيّن تعاني منه البيوت التي تخلت عن منهج الله رغم قراءتها له. لذا، كان لزاماً علينا تحرير النص من أكثر قيود التفسير التاريخي الضيق، واستعادة عالميته كمنهاج حياة يواكب كل العصور انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [ص: 87] وبوصفه: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]

وللإجابة عن هذا التساؤل، لا بد من استقراء آيات الظهار وما يتشابه معها في كتاب الله تعالى؛ لنتبين مدى فاعليتها وصلاحيتها لواقعنا المعاصر، ولنثبت أن زمنها لم ينقضِ، حتى لا نكون كمن قالوا: ﴿إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: 156].

أولاً: “الظهار” من جمود اللفظ إلى سلوك النبذ والإقصاء

فعند التدبر في آيات الظهار، نجد أن القرآن الكريم قد وضع دستوراً حازماً للمواجهة مع هذا الجُرم؛ حيث يقول الله تعالى:

﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ، إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّاتِي وَلَدْنَهُمْ، وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2]

ولإدراك عمق هذا المنكر والزور السلوكيين، يبرز التشبيه البديع عن كشف حقيقة المُظاهر من زوجته حين قال تعالى:

﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ، وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: 4]

إن هذا الربط القرآني المذهل يكشف استحالة الجمع بين النقيضين؛ فكما أنه لا يمكن لجسد الرجل أن يحمل قلبين في جوفه (بينما قد تحملهما المرأة حقيقةً أثناء حملها) كذلك لا يمكن له أن يحوِّل “الزوجة” التي هي سكن ومودة إلى “أم” التي هي أصل وتحريم بكلمة أو بفعل إقصائي، مما يؤكد على أن أي محاولة لقلب حقيقة العلاقة هو تزييف للفطرة وتشويه للميثاق الغليظ.

والمتأمل في النسق القرآني يجد أن تعبير “الظهر” ارتبط دائماً بحالة من الاستخفاف، والتعالي، ونبذ العهود، ويتجلى ذلك في مواطن عدة:

  • في قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 187] والمقصود هنا هو نقض العهد والأمانة بترك تبيين الحق ومقايضته بمصالح زائلة.
  • تجاهل المنهج في قوله: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 101] فالمعنى ليس حسيًا بوضع الكتاب ماديًا وراء الظهر، بل هو “التجاهل المتعمد” للمنهج في واقع الحياة، حتى يصبح النص غائبًا عن السلوك وإن كان حاضرًا في السطور.
  • أقصى درجات الإقصاء في قوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] لا يُقصد به المكان، بل تهميش مكانة الخالق وجعل أمره خلف العادات والاعتبارات الاجتماعية.

فدلالة “الظهر” في هذه السياقات القرآنية لا تحيل إلى معنىً ماديٍّ حسي، بل هي تصوير بليغ لحالة الإقصاء المتعمد والتهميش الكلي؛ فالشيء الذي يُنبذ وراء الظهر هو ما قررت النفسُ إسقاطه من دائرة الاعتبار، والتعامي عن استحقاقه “كأنها لا تعلم”.

ومن هنا يتجلى الربط العميق مع “الظهار” في العلاقة الزوجية؛ فالمُظاهر هنا لا يدير ظهره بالمعنى الحسي، بل يعلن بفعله نبذ حق الزوجة وراء ظهره، حيث يُبقي عليها في حياته كالأم؛ يستفيد من وجودها في رعاية بيته وتوفير الحياة الكريمة له ولأولاده، لكنه في الوقت ذاته يُقصي حقها الأصيل في المعاشرة، ويجعل ميثاقها الغليظ خلف ظهره كبرا وعنادا، وبذلك تصبح الزوجة في نظره مجرد وسيلة لخدمة واقعه، بينما هي في حقيقة الأمر منبوذة معنويًا خلف ظهره، وهو ما وصمه القرآن الكريم بأنه: ﴿مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2]

ثانيًا: الإيلاء في المنظور الفقهي (الرؤية التقليدية)

لا يستقيم الفصل في قضايا النبذ الزوجي بالحديث عن الظهار دون ردفه بالإيلاء؛ إذ أنهما يمثلان صورتين من صور النبذ والتحريم.

ويُعرّف الإيلاء عند الفقهاء بأنه حلف الزوج بالله تعالى على ترك معاشرة زوجته كنوع من التأديب لها – على زعمهم – مدة تزيد على أربعة أشهر، وقد ألحق الفقهاء كفارته بـ “كفارة اليمين” الواردة في سياق الأيمان العامة في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ…﴾ [المائدة: 89] وبناءً على هذا القياس، اعتبر الفقهاء الإيلاء “يميناً معقودة” إذا اختار الزوج العودة لزوجته (الفيء) قبل انقضاء المدة أو عند نهايتها، أما إن عاد بعد مضي الأربعة أشهر فلا كفارة عليه لأن اليمين قد انحل بمضي المدة.

فالإيلاء عند الفقهاء يتفق مع الظهار في أن كليهما تحريم معاشرة الزوجة في الفراش، ويختلفان في المدة والكفارة، فالإيلاء على التأقيت بأربعة أشهر وتخفيف الكفارة، والظهار على التأبيد وتغليظ الكفارة إذ تظل الزوجة رهينة تكفير الزوج عن ظهاره وليس له مدة محددة عند أكثر الفقهاء.

والحق أن حصر الإيلاء في “الحلف اللفظي” في المنظور الفقهي الموروث وقياس كفارته على اليمين ، وتأبيد الظهار حتى يُكفِّر الزوج، يواجه إشكاليات جوهرية في الميزان القرآني.

إن لفظ  (الحلف) ليس غريبًا عن القرآن كما في قوله تعالى ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: 56] ولو كان الإيلاء مجرد حلفٍ باللسان لذكره الله بلفظه الصريح المعتاد، لكن العدول عن (يحلفون) إلى لفظ (يؤلون) يؤكد أننا أمام حالة سلوكية مركبة (قول، وقصد، وفعل)، وليست مجرد يمين لفظية.

ومن هنا يبرز فرق حاسم يفرضه المنطق التشريعي بين نوعين من الأيمان جاء في موطنين:

  1. الموطن الأول: يمين تحريم الطيبات وهو حق للنفس ومسألة شخصية.

هنا يتحدث القرآن عن الشخص الذي يمنع نفسه من التمتع بالطيبات التي أحلها الله تعالى له، والهدف هو نهي الإنسان عن التضييق على نفسه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87]

وعقب هذا النهي، جاءت كفارة اليمين في قوله:

﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ، فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ…﴾ المائدة (89). [المائدة: 89]

اليمين هنا تتعلق بأمور شخصية واعتيادية؛ فالحالف يضر نفسه فقط ولا يعتدي على حق غيره، لذلك جعل الله محاسبته على مجرد (عقد اليمين)، وجعل الكفارة مخرجاً سهلاً ويسيراً.

وذكر اليمين هنا اقترن بلفظ الحلف وبالكفارة صراحة: ﴿ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾

  • أما في الموطن الثاني: يمين تعليق الزوجات، وهي تعدٍ على حقوق العباد والمواثيق الغليظة:

فالكلام هنا عن علاقة الزوجية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ والتي أعقبها تعالى بتحذير الأزواج من اتخاذ الأيمان بالله ذريعةً أو ستاراً للتنصل من واجباتهم، حين قال:

﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 224]

ثم بيَّن القرآن أن المحاسبة هنا ليست على مجرد اللفظ، بل على ما استقر في النفس:

﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 225]

فالمؤاخذة هنا ليست على نطق اللسان، بل ﴿بما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهو ما يخرج اليمين من دائرة اللفظ والعادات الشخصية إلى دائرة التعدي على حق الآخر.

ومن اللافت غياب لفظ الكفارة تماماً في سياق الإيلاء:

﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 226]

وذلك تأكيداً على أنه فعل مبيّت يتضمن إصراراً على الأذى لا مجرد يمين عارضة.

وهنا يبرز الفارق الدقيق في الاستعمال القرآني للكفارة بناءً على طبيعة الجُرم؛ فنجد أن هذا اللفظ ارتبط حصراً بالأفعال التي تقع في دائرة الحق الشخصي أو الأخطاء التعبدية (ككفارة الأيمان وقتل الصيد في الإحرام)، حيث يقتصر الضرر فيها على ذمة الفرد وصحة نسكه، فيكون التكفير هنا بمثابة “جبر مخفف” للمخالفة، أما في الجنايات التي تتعدى لتصيب حق الآخر وتمس كرامته أو حياته، فقد أعرض الوحي عنه واستبدله بمصطلحات أشد وطأة كما سنرى.

نقد التهاون المذهبي في كفارة الإيلاء

وهنا تظهر الفجوة بين المنظور الفقهي والميزان القرآني، وهذه المساواة التي تفتح باباً لظلم عظيم؛ إذ أن التساهل في جعل الكفارة مخرجاً يسيراً يتيح للزوج _بثمن بخس_ أن يترك زوجته معلقة سنة كاملة مقابل صيام تسعة أيام فقط (بمعدل 3 أيام عن كل فترة 4 أشهر). وبدلاً من أن تكون الكفارة زاجراً، كما فُعل في الظهار: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] تحولت إلى “رخصة رخيصة” تمنح الزوج سلطة تعليق الزوجة وإيذائها، ثم الخروج من هذه المظلمة السلوكية بكفارة يسيرة دون تبعات حقيقية، مما يثبت أننا أمام فعل سلوكي يتطلب إصلاحاً جذرياً لا مجرد تحلل مادي يسير وهذا التبسيط الذي لا يستقيم مع عدالة التشريع.

كما يبرز تناقض فقهي حاد عند النظر في تحديد حق الزوجة في الفراش؛ ففي حين أقر أكثر الفقهاء بأن مدة الإيلاء هي أربعة أشهر كحد أقصى لا يجوز تجاوزه لرفع الضرر عن المرأة، نجد آراءهم في تحديد حقها الفطري تتراوح بين تضييق شديد أسقط هذا الحق بحدوثه مرة واحدة في العمر معتبراً ما زاد عليه تطوعاً لا يُلزم به الزوج قضاء، وبين من حصره في مرة واحدة كل أربعة أشهر قياساً على مهلة الإيلاء.

إن هذا التباين الذي جعل الحق في الإعفاف مصلحة للذكر حصراً، أو قيده بمدد متباعدة، هو ما يُعرّي الإفك الذي حوّل الزواج من سكن ومودة دائمة إلى واجب بارد يُؤدى لإسقاط العتب. فكيف يستقيم اعتبار الأربعة أشهر سقفاً زمنياً للحسم في الإيلاء، ثم تُجعل هي نفسها معياراً للتباعد في الحقوق؟ إن هذا التقدير يغفل المقصد القرآني الذي ساوى بين الحقوق والواجبات في قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، فالأصل هو قدر كفاية المرأة وإعفافها بما يرفع الضرر عنها لا بما يوافق التقديرات الضيقة.

مما يضع علامة استفهام تدفعنا لإعادة النظر في التفسير التقليدي لمعنى الإيلاء وحصره في “الكفارة الهينة” وكذلك حول مصير الزوجة في الظهار والذي يكون معلقاً تماماً بإرادة الزوج وقدرته على التكفير، ويتأتى ذلك من خلال تدبر معنى الإيلاء ومدى ارتباطه بالظهار.

المنطق التشريعي: سيادة السلوك على اللفظ

إن المتأمل في النظم القرآني لأحكام الظهار والإيلاء يجد أن النص قد أسندهما إلى (الفعل) لا إلى (القول) فحسب؛ فجاء التعبير {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ} و {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ}، ولم يقيّد الحكم بمجرد الحلف. فلو كان القول هو الركن الوحيد، لجاء النص بصيغة “الذين يقولون لنسائهم”، كما في مواضع أخرى انتقد فيها القرآن مجرد القول كقوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}.

وهذا يشير بوضوح إلى أن العبرة تنصرف إلى الهيئة السلوكية والموقف الفعلي من إعراض أو ترك إضراري، مما ينقل هذه الأحكام من دائرة الشكليات اللفظية إلى فضاء المقاصد التي تستهدف رفع الضرر الفعلي.

ويتسق هذا المنطق مع حقيقة الطلاق في القرآن؛ إذ إن الطلاق بمجرد اللسان يعد كاليمين الذي يستوجب الكفارة ولا ينهي الرابطة، فهو لا يقع كإجراء فعلي ما لم يتحد القول مع الفعل الإجرائي المتمثل في الإشهاد لتوثيقه: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ}، وإحصاء العدة كزمن للتروي: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}، فضلاً عن ضمان المتعة والسكنى. هذا التلازم يؤكد أن الأحكام الزوجية في المنظور القرآني هي مشروعات عملية متكاملة الأركان تهدف لصون كرامة المرأة، وليست مجرد كلمات عابرة تُلقى دون تبعات ملموسة.

جوهر الانتكاسة من الولاء إلى الإيلاء:

عند التحليل اللغوي للإيلاء يبرز الفارق الدقيق والعميق في النسق القرآني عند المقابلة بين جذري الكلمة (و ل ي) و (أ ل و)

  • في ميزان الولاية (و ل ي) يدور حول القرب والنصرة، يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] وفي الزوجية، الزوج هو “ولي” زوجته، أي الأقرب إليها نفسياً وجسدياً.
  • وفي ميزان الإيلاء (أ ل و) يدور حول التقصير والإبطاء والامتناع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ﴾ [النور: 22] وكما في قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: 118]

بناءً عليه فإن الإيلاء في الزوجية ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ﴾ هو قرار واعٍ بقطع الوصل؛ فهو انتكاسة يتحول فيها الزوج من (وليٍّ) ناصر إلى (مُولٍ) يمارس الإقصاء المتعمد والتقصير في أسمى حقوق الميثاق.

مفهوم “الفيئة” كاستعادة للسكن وغنائم المودة:

ويكتمل هذا المشهد عند تدبر لفظ ﴿فَآءُوا﴾ لنجد أن “الفيء” جاء بمعنى:

  • العطاء والتعويض كما في قوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ﴾ [الحشر: 7] فهو مَنحٌ عوضاً عن المنع.
  • الظل الممتد (السكن) كما في قوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ﴾ [النحل: 48] فالفيء هو الظل الذي يرجع بعد الزوال ليوفر الحماية والسكينة.
  • الرجوع للحق كما في قوله: ﴿حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9]

ليتبين أن “الفيئة” في آية الإيلاء ليست مجرد رجوع لفظي بارد، بل هي تعويض وإعادة لغنائم المودة المنهوبة، واستعادة لظل السكن الذي انحسر عن البيت بسبب الإقصاء والتعليق، وكسر لحدة البغي والظلم، والعودة طواعية لميزان العدل الإلهي في التعامل بين الزوجين.

الوحدة التشريعية بين الإيلاء والظهار

إن غياب لفظ “الكفارة” في سياق الإيلاء واستبداله بخاتمة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 226]، هي ذات الخاتمة التي وردت في شأن الظهار [المجادلة: 2] وهذا الربط النصي بين قوله: ﴿يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ﴾ وقوله: ﴿يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ﴾ يؤكد أن الفعلين ينتميان لمنظومة تشريعية واحدة تهدف لحماية المرأة من جناية (كسب القلب) والتعليق العمدي، حيث لا يُكتفى فيهما بمجرد كفارة اليمين الهينة، بل يتطلبان وقفة حازمة ترفع الظلم وتستوجب المغفرة والرحمة نتيجة العودة عن الإضرار.

لذا يمكننا القول، استناداً إلى المنظور الجوهري للنصوص، بأن الإيلاء ليس تشريعاً مستقلاً أو مخالفاً للظهار في أصله، بل هو “البيان الإجرائي للمدة” التي يُمهل فيها الزوج المظاهر أو المتخلي عن مسؤوليات قوامته لمراجعة نفسه.

ويتأكد هذا الفهم بعدة أدلة معيارية تفرضها وحدة السياق التشريعي، ويمكن حصرها فيما يلي:

  • الحسم الإلهي بكسر أقفال النبذ.

إن مجيء قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ مباشرة بعد انقضاء مهلة الإيلاء في قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226-227] يثبت أن الطلاق مخرجٌ إجباري لإنهاء حالة التجميد التي فرضها الزوج؛ حيث خيّر الله تعالى الزوج بين خيارين لا ثالث لهما: (فإن فاؤوا) أو (وإن عزموا الطلاق). أي إصلاح الأمر مع الزوجة أو الطلاق.

فإذا انقضت المدة ولم يحدث هذا الفيء المادي والمعنوي، انكسر قفل التعليق بقوة النص وتحول الأمر فوراً إلى الأمر الإلهي بوقوع الطلاق، بدليل ذكر إجراءات الطلاق مباشرة ببيان العدة في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] واستجابةً للنهي الإلهي: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129].

  • وحدة المقياس الزمني (أربعة أشهر)

يؤكد هذا التحليل أن سقف الأشهر الأربعة هو المقياس العام لكل أشكال النبذ والتحريم، فقد جعل الله تعالى هذا الأمد قدرًا زمنيًا فاصلاً تتساوى فيه المتوفى عنها زوجها مع المولى والمظاهر منها في فترة التربص كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: 234] وهي أقصى مدة للصبر على حالة المنع أو التعليق، وبعدها يتدخل الحكم الإلهي لينهي سجن الإهمال ويفتح فضاء الحرية، ليعلن أن الإسلام لا يعرف المرأة المعلقة للأبد.

لذا، فليس من المنطقي ولا من العدالة أن تنتهي مهلة الأشهر الأربعة، التي وضعت الزوجة في حالة أشبه بـ “الحداد” والتعليق، لتكون نتيجتها كفارة هينة كإطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام فحسب. وإنما هذا التباين الشاسع بين (طول فترة التربص وخطورة مآلها الذي قد يصل للطلاق) وبين (هوان كفارة اليمين التقليدية) يؤكد أن الإيلاء له دلالة أعمق مما ذهبت إليه المذاهب؛ فهو ليس مجرد يمين يُحلف، بل هو قرار سلوكي بالنبذ والتقصير المتعمد، مما استوجب هذا الحسم القرآني الصارم.

  • من قتل النفس إلى اغتيال الكرامة، وجناية الإقصاء في مقابل جناية الدماء!

وتكتمل صورة هذا الإعدام المعنوي للميثاق حين نتأمل آيات الظهار، وأعمق الدلالات على بشاعة جُرم النبذ؛ إذ نجدها تتطابق تماماً مع جزاء القتل الخطأ، ففي جريمة القتل التي تزهق النفس حساً، يقول الله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ.. فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 92] وبالمثل تماماً في جريمة الظهار يقول سبحانه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا.. فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 3-4]

والمثير للدهشة في النظم القرآني، أنه لم يستخدم لفظ الكفارة في كليهما، ففي سياق الظهار ختم الله الأحكام بقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [المجادلة: 4] وفي مقام القتل الخطأ وصفه بقوله: {تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ} [النساء: 92] إن هذا العدول البياني عن لفظ الكفارة ـ الذي ارتبط في مواضع أخرى بأمور قد تبدو يسيرة كالأيمان أو صيد الإحرام يرفع من سقف خطورة الفعل وجديته؛ فالظهار ليس مجرد يمين عابرة تُكفّر، بل هو تعدٍ صارخ على حدود الله في أسمى المواثيق، والقتل ليس مجرد خطأ مادي، بل هو جُرم يتطلب توبة روحية وعملية شاملة لإصلاح ما انكسر في كيان النفس والمجتمع.

فذلك الربط التشريعي المذهل الذي عقده الوحي بين جزاء القتل والظهار ليس عبثاً، بل هو إشارة إلى أن ممارسة “النبذ” و”الإقصاء” عبر الظهار أو الإيلاء هي بمثابة قتلٍ متعمد لروح الميثاق الغليظ واغتيالٍ لكيان المرأة الإنساني يستوجب عقوبة واحدة.

·        عقوبة من جنس العمل

وتتجلى عظمة التشريع هنا في مبدأ العقوبة من جنس العمل عبر مستويين:

  1. مستوى التحرير، فمن حبس حرية زوجته وعلقها في فضاء اللا حقوق، لا يُكفر عن جرمه إلا بـ تحرير رقبة نفس أخرى؛ فإحياء الأنفس بالحرية هو الجبر الوحيد لجريمة اغتيال كرامة المرأة.
  2. مستوى الصيام، وهو تأديب نفسي بليغ؛ فكما قرر الزوج بإرادته حرمان زوجته من حقها في الوصل والسكن، ألزمه الوحي بحرمان نفسه من شهواتها لمدة ستين يوماً متصلة، ليذوق “مرارة الفقد” والاضطرار التي أذاقها للطرف الآخر، فيكون الحرمان بالمقابل سبيلاً لتقويم اعوجاج النفس.

مفهوم “تحرير رقبة” وصلاحية النص

إن مفهوم تحرير الرقبة في القرآن الكريم لا يمكن اختزاله في عتق العبيد بمفهومه التاريخي القديم، وإلا سقطنا في فخ القول بـ تعطيل النص وقصره على زمنٍ ولّى، بينما الحقيقة أن الوحي صالحٌ لكل زمان ومكان.

ومما يؤكد ذلك، أننا لو سلّمنا بأن المقصود هو حصراً شراء عبدٍ وعتقه، لوقعنا في تناقضٍ منطقي وتطبيقي؛ فكفارة اليمين هي من أكثر الأحكام وروداً وتكراراً في حياة الفرد، فكيف يُعقل إلزام الناس بما لا يملكون أو بما يفوق طاقتهم مراراً؟ كما أنه ليس من المنطقي في الميزان التشريعي أن يتساوى عتق رقبة (بثمنها الباهظ) مع إطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام فقط.

هذا الفارق الشاسع يؤكد أن ‘تحرير الرقبة’ يتسع ليشمل كل نفس كُبّلت بقيودٍ منعتها من ممارسة حياتها، كالأسير، أو المدين السجين الذي أُثقلت عاتقه ديونٌ استرقت إرادته وكبّلت رقبته.

وبذلك يكون التحرير اليوم هو فكّ كرب الإنسان بما يتناسب مع قدر الكفارة؛ ففي اليمين يكون السداد عنه بما يوازي إطعام عشرة مساكين، أما في الظهار – نظراً لعظم الجُرم – فيرتفع سقف التحرير ليعادل سداد دينٍ بقيمة إطعام ستين مسكيناً.

إن هذا الفهم يحوّل العقوبة من مجرد تكفيرٍ عن ذنب إلى عملٍ إنساني يُحيي الأنفس، ويضمن بقاء النص القرآني حياً وفاعلاً في فك أغلال المكروبين في كل عصر.

الظهار والإيلاء في ميزان الواقع المعاصر

إن الظهار والإيلاء في جوهرهما التشريعي ليسا مجرد وقائع تاريخية أو ألفاظ اندثرت، بل هما نماذج تشريعية لكل صور النبذ والإقصاء؛ فالظهار هو تحريم الزوجة بأي قول أو فعل يجعلها كالمعلقة، والإيلاء هو المدة القصوى لتركها ونبذها. وبناءً عليه، فإن الزوج الذي يمتنع عن حقوق زوجته الفطرية والمادية معلقاً إياها، سواء حلف يمينًا أم حرمها عليه كأمه أو ما أسمته السائلة الكريمة بالصمت العقابي.. وغيرها من تلك المسميات فهو “مُظاهر” و”مُؤلٍ” سلوكياً؛ لأنه أحل لنفسه نبذها وحرّم عليها وصله.

وكذلك ما نراه اليوم من ترك المرأة لتُذل لسنوات عجاف في أروقة المحاكم هو الاستنساخ العصري لهذا الجرم؛ فتعطيل الحسم الإلهي وتحويله إلى نزاعات ممتدة هو ضرب بكتاب الله عرض الحائط، وينطبق على فاعليه قوله تعالى: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) [آل عمران: 187].

لقد حسم الوحي الأمر بكلمات قاطعة لا تقبل التأويل؛ فإما (فَإِن فَاءُوا) لتعود المودة، وإما (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ) لتمنح فرصة جديدة بالتسريح، وما دون ذلك هو “المنكر والزور” الذي نزل القرآن لمحوه.

إن سورة المجادلة باقية لتؤكد في كل عصر: إن أي قفل يوضع على حياة المرأة هو جرم يتطلب تحريراً أو حسماً، لأن الوحي نزل لينتصر للإنسان لا ليخلد كلمات مهجورة، وقد قال سبحانه فيصلاً بين الحق والباطل: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، (فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، (فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [المائدة: 44، 45، 47].

وختامًا:

على مَن يتوهم أن التشريع القرآني قد ميّز الرجل على المرأة، أن يتوقف بذهول أمام هذه الحقيقة، أنه سبحانه قد حوّل ظلم المرأة من مشكلة اجتماعية تدور خلف الأبواب المغلقة، إلى وحي عالمي يتردد صداه على ألسنة الملايين في صلواتهم إلى يوم القيامة. وأن سورة المجادلة إعلان إلهي بأن أنين امرأة واحدة تحت وطأة النبذ يستنفر الوحي، وبرهان على أن كرامة المرأة جزء من قداسة النص القرآني ذاته.

في الوقت نفسه قد أثبتت لنا صاحبة هذه الواقعة أن استعادة الحقوق تبدأ بالرفض؛ إذ تحلت بشجاعة نادرة في عصر كان مكبلاً بآثار الجاهلية، لتُعرّي بموقفها “ثقافة الصمت” التي فُرضت على النساء حتى يومنا هذا، وتدحض الإفك الذي افتراه البعض حين أسقطوا حقها في المودة أو حصروه في “مرة واحدة في العمر”.

إن صرخة هذه المرأة لم تكن مجرد همس خاص، بل كانت حواراً سمعه الله من فوق سبع سماوات: ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ، إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: 1] فقبل شكواها وجعلها وحياً عالمياً وانتصاراً سماوياً ممتداً لكل امرأة ظُلمت من زوجها.

والأسمى من ذلك، أن تشريعه سبحانه لم يقف عند حدود الاستجابة لحوار “المجادلة” ولكل امرأة تذود عن حقها فحسب، بل وضع سياجاً تشريعياً صارماً بجعل مَن يتعدى على هذه الحقوق في مرتبة المعتدي على حدوده؛ فوصف تلك الأحكام والمقادير بأنها ﴿حُدُودُ ٱللَّهِ﴾ [المجادلة: 4] ليرفع كرامة المرأة من حيّز التراضي الشخصي إلى حيّز “الحدود الإلهية”، فجاء الوعيد بالعذاب الأليم للكافرين بحدوده تعالى ليؤكد أن استباحة هذه الحقوق أو الالتفاف عليها هو محادة لله ورسوله حين أعقبها بقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ، وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [المجادلة: 5]. ويبقى صوت كل “مجادِلة” مسموعاً ينادي بكرامة لا تقبل النبذ، ففي ميزان العدل الإلهي لا يضيع حق وراءه مُطالب، ولا تقبل الكرامة الظلم ولا يضيع ميثاقٌ تكفّل الله بحفظه مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلْمٗا وَلَا هَضۡمٗا﴾ [طه: 112]

الباحثة: شيماء أبو زيد

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.