حبل الله
دلالات ذكر أسماء أصنام قوم نوح وقريش في القرآن الكريم

دلالات ذكر أسماء أصنام قوم نوح وقريش في القرآن الكريم

السؤال:

السلام عليكم، كلما راجعت سورة نوح تساءلت لماذا ذكر الله أسماء أصنام قوم النبي نوح؟ القرآن لكل زمان ومكان واليوم نحن لا نستخدم هذه المصطلحات.

التفاسير ذكرت أنه لتسليط الضوء أو لأن قوم النبي محمد أيضا عبدوا الأصنام لكني لم أقتنع، فماذا عن زمننا؟ حاولت أن أبحث في جذر الكلمات لعله يوجد آلهة نعبدها في زمننا توافق أسماء تلك الآلهة، لكني لم أجد أي جواب.. شكرًا سلفًا لمساعدتكم.

الجواب:

وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، نحن من نتقدم بالشكر والتقدير للسائلة الكريمة على هذه التساؤلات النابضة، التي تسهم في إزاحة الأقفال عن القلوب لتبصر أنوار التنزيل وهداياته المتجددة.

إن رحلتكِ في البحث عن جذور الكلمات للوصول إلى “الأصنام المعاصرة” هي مسار ملهم وصحيح؛ ينم عن وعي عميق بأن النص القرآني حيّ لا يموت، ورسالة ممتدة لا تحدها الجغرافيا ولا يطويها التاريخ؛ غير أن هناك عقبة تحجب عنا فهم الواقع؛ وهي الاكتفاء بالبحث عن الأصنام في أشكالها الحجرية القديمة.

فالقرآن الكريم حدثنا عن أمم الماضي؛ مثل قوم إبراهيم عليه السلام الذين تعصبوا لأوثانهم وقالوا: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء: 71] كما كشف لنا عن رغبة بني إسرائيل في تقليد غيرهم حين مروا: ﴿عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ، قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138] ولم يلبثوا أن استغلوا غياب نبيهم و ﴿اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: 152] وظل هذا الحال المتعلق بالمحسوسات حتى وصلنا إلى الأصنام التي عبدها أهل مكة مثل: ﴿اللَّاتَ وَالعُزَّىٰ. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَىٰ﴾ [النجم: 19 – 20].

ولكن هذه الآلهة الحسية قد طُوِيَ زمانها بشكلها البدائي المعهود، ومن هنا ينبثق تساؤلكِ الملحّ والمشروع: ما الحكمة من تلاوة أسماء تاريخية محددة في كتاب أُنزل ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1] ولم يعد لأشخاصها وجود، ولا لأشكالها المادية أتباع؟

ولكن الحقيقة القرآنية تخبرنا أن أصنام الجاهلية الغابرة لم تندثر ولم تبد، بل هي قائمة في واقعنا المعاصر بذات طبائعها النفسية، وصفاتها السلوكية، وتأثيرها على القلوب، ولم يتبدل فيها سوى ثوب التجسيد وأسلوب الصناعة.

وهذه الظاهرة تشبه تماماً تحول وسائل الانتقال البشري؛ فقديماً كان الناس يركبون الخيل والبغال والحمير، واليوم يركبون السيارات والطائرات، مع بقاء جوهر الوظيفة والمقصد وهو الانتقال والارتحال، هكذا هي الأصنام؛ نحتها الإنسان قديماً من صلد الحجارة وطين الأرض، وتُصاغ اليوم في قوالب فكرية ومذاهب معنوية شديدة المرونة، لتتغلغل بدقة وتناسب تطور مجتمعات التي لم تعد تستسيغ عبادة الأشكال البدائية، لكنها سقطت في عبادة المضامين ذاتها.

لذلك، حين نُمحص هذه الأسماء التاريخية بعين البصيرة والتدبر، نكتشف أنها مستودع رمزي يحمل في طياته شفرات سائر المعبودات والأهواء المنحرفة في زماننا، مهما تباينت شعاراتها، وتفصيل ذلك يتجلى على النحو الآتي:

أولاً: البنية النفسية والاجتماعية لأصنام قوم نوح عليه السلام

إن المتأمل في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23] يدرك أن القرآن الكريم لا يسرد تاريخاً منقضياً، بل يفكك الجذور الأولى للشرك البشري، فهذه الأسماء الخمسة كما ورد في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما، كانت لرجال صالحين ماتوا فحزن الناس عليهم حزناً شديداً، فوسوس إليهم الشيطان أن يصنعوا لهم تماثيل في مجالسهم لتذكرهم بالعبادة والخير، فلما رحل ذلك الجيل ونسي الناس أصل القصة وابتعدوا عن العلم عُبدت هذه التماثيل من دون الله تعالى.

إذن، الخدعة الشيطانية لم تبدأ بدعوة صريحة للشرك، بل بدأت خطوتها الأولى بـ تقديس الأشخاص، وتخليد الرموز، والتعلق العاطفي بالشعارات، وهي المنظومة التي نعيشها اليوم بحذافيرها.

فأصنام العصر لم تعد حجراً، بل أصبحت “أصناماً معنوية” تتجلى في التعصب الأعمى للشخصيات، أو الانقياد التام للأفكار والنظريات البشرية، أو الجري خلف الشعارات البراقة، حيث يتعصب كل فريق لرموزه وقادته ومبادئه وكأنها معصومة لا تخطئ، ويهجرون لأجلها الحق والوحي.

وتتجلى المعاني اللغوية والنفسية لهذه الأصنام في عصرنا على النحو التالي:

  1. وَدّ (صنم القبول الاجتماعي والهوس بالشهرة)

الجذر والدلالة: مشتق من الوداد، والحب، والتعلق العاطفي الشديد.

نظيره المعاصر: هو صنم “إرضاء الناس”، و”الهوس بالقبول المجتمعي والرقمي” (Likes & Views) وكذلك “التعلق المرضي بالبشر والشهوات” ففي زماننا تحول هذا “الود” إلى وثن معنوي يُذبح على عتباته الالتزام الديني والقيم الفطرية؛ فيتخلى الإنسان عن مبادئه، ويلهث وراء رضا الشريك أو الشريكة، مستسلماً لتعلقات عاطفية مائعة تملأ قلبه بالكامل، حتى يقدّم حب المخلوق ورضاه على حب الله تعالى ومرضاته أو يبيع دينه وعرضه، ويُفشي أسرار بيته ويومياته علانية لمجرد أن ينال إعجاب “القطيع الرقمي” ويحظى بود الناس وتصفيقهم.

هذا الفكر تكشفه بدقة الآية الكريمة: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: 25]؛ فالصنم هنا صُنع واتُبِع من أجل المودّة والمجاملة الدنيوية المتبادلة، وتقديم رضا المجتمع البشري على حساب الحق والدين.

بينما الميزان الإيماني يقتضي تفريغ القلب من عبودية التعلق بغير الخالق مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165] ومَن تجرد لله في حبه، كفاه تعالى هوس الركض خلف رضا الخلق؛ إذ يتولى سبحانه صناعة القبول الحقيقي والمحبة الصادقة له في قلوب العباد، وفقا لوعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]؛ فالمودة الحقّة ثمرة التوحيد، لا نتاج التنازل والعبودية للأصنام المعنوية.

  1. سُوَاع (صنم السعي الدنيوي وعبادة الركض المادي)

الجذر والدلالة: مشتق لغوياً من “السَّوْع” وهو السير السريع، أو السعي والحركة المستمرة، ومرتبط في أذهاننا بالساعة ومرور الوقت وتتابع الأيام.

نظيره المعاصر:  هو صنم “اللهث المستمر خلف الدنيا والتكاثر المالي” على حساب الروح والدين. ففي عصرنا الحالي تحول السعي المادي وتجميع الثروة إلى وثن يعبده الإنسان من حيث لا يشعر؛ حيث يعيش إنسان العصر الحديث في سباق مستمر مع الزمن فتشغله الدنيا في الليل النهار، مدفوعاً بالزيادة الإنتاجية العمياء وجني الأموال.

وفي سبيل هذا السعي المستمر، يضحي المرء بصلاته، ويهجر قرآن ربه، ويؤجل واجباته الإيمانية، وحتى مسؤولياته المعنوية والتربوية تجاه بيته وأولاده، ويقضي عمره كله في خضم وظيفته أو تجارته، ظاناً أن قيمته الوحيدة تكمن في رصيده المادي ومكانته الوظيفية.

فينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ ‌أَصْنَامًا ‌فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء: 71] ؛ حيث يظل الإنسان الحديث عاكفاً في محراب عمله الدنيوي لاهثاً وراء التكاثر حتى يباغته الموت، كما قال جل وعلا: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: 1 – 2].

  1. يَغوث (صنم الاستغاثة والتعلق بغير الله لكشف الكرب)

الجذر والدلالة: مشتق لغوياً من الغوث، والاستغاثة، وطلب النجدة والمعونة عند وقوع الكرب والشدائد.

نظيره المعاصر: هو صنم “التعلق بغير الله لرفع البلاء وجلب النفع”، فلم يعد إنسان العصر يطلب الغوث من حجر، لكن الكثيرين يطلبونه بقلوبهم ويقينهم من مخلوقين ضعفاء؛ ويتجلى هذا الوثن المعنوي بوضوح في التعلق بالقبور والأضرحة وزيارتها، حيث يقصدها الناس لطلب المدد والنصرة وكشف الهموم من أموات لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، معتقدين أن صاحب القبر يملك بذاته الغوث والدعم.

كما يظهر هذا الصنم في الهروع إلى الدجالين والمشعوذين الذين يزعمون فك السحر وجلب الحبيب ورد المطلقة.

وكذلك في المبالغة بتلمس البركة من المشايخ وتقبيل أيديهم ورفعهم من قِبل المريدين إلى مكانة قد تفوق مكانة الرسل، والتعامل مع كلامهم كأنه وحي معصوم واعتقاد النفع والضر فيهم، وكل هذا يُشكل خللاً كبيراً في التوكل والاستغاثة التي يجب أن تكون لله وحده، ويكشف القرآن زيف هذا التعلق بتأكيد أن المساجد بُنيت لتوحيد الله وحده لا لشخص أو مقبرة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18] كما يحسم بطلان التوجه لغير الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ. إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 13 – 14].

  1. يَعوق (صنم الترهيب والمنظومات التعطيلية المانعة)

الجذر والدلالة: مشتق لغوياً من العوق، وهو المنع، والتعويق، والحيلولة دون الشيء، وهو يمثل القوة الجائرة التي تقف سداً لتمنع الحق، وتعطل مسيرته، وتحاصر أصحابه.

نظيره المعاصر: هو صنم “الخضوع لمنظومات المنع والترهيب” ويتجلى هذا الوثن المعنوي عندما يستسلم الإنسان للضغوط والقوى البشرية التي تملك وسائل التعطيل والعقاب الجائر (مثل: التهديد بقطع الرزق، العقوبات الاقتصادية، الحصار، أو الإقصاء الاجتماعي والسياسي) هنا يتحول الخوف من هذه القوى المعيقة في قلب الإنسان إلى إله يحركه؛ فيتراجع عن دينه، ويسكت عن الحق، ويبرر للظالم ظلمه، خوفاً من أن “يعوقه” هذا النظام أو تلك السلطة عن مصالحه وحياته، متناسياً أن الله وحده هو المانع والرازق.

هذا هو عين المنطق الجاهلي القديم الذي يقدم هيبة القوة المانعة (الرهط) على مهابة الله وعظمته، كما حكى القرآن عن قوم شعيب عليه السلام حين هددوه بالتعطيل والرجم لولا منعة قبيلته: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ فجاءهم الرد النبوي الحاسم الذي يعرّي هذا الفكر: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾؟ [هود: 91 – 92] فهم جعلوا الخوف والمنعة لـ “الرهط” ونبذوا أمر الله وراء ظهورهم.

وأمام هذا الترهيب والتعويق المادي، يُعلمنا القرآن كيف يكسر المؤمن الصادق هذا الصنم باليقين والثبات، فلا يستسلم لتهويل المنظومات المانعة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فكانت النتيجة الإلهية: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 173 – 174].

  1. نَسْر (صنم الغرور المعرفي وتأليه العقل البشري)

الجذر والدلالة: مشتق لغوياً من صفات طائر النسر؛ وهي التحليق العالي، والنظر للأشياء من الأعلى، والذكاء الحاد، والارتفاع الشاهق في الآفاق.

نظيره المعاصر: هو صنم ما يسمى بالعلمانية المعاصرة والاستغناء بالعلوم المادية عن هدي السماء، في عصرنا الحالي يظن إنسان القرن الحادي والعشرين أنه بفضل التقدم التكنولوجي وثورة الذكاء الاصطناعي والعلوم التجريبية، قد حلّق في آفاق المعرفة كـ “النسر”، فلم يعد بحاجة إلى الدين أو الوحي؛ فتحولت النظريات البشرية والاكتشافات المادية إلى أصنام فكرية معصومة لا تُناقش، ويقود هذا الكبر المعرفي أصحابه إلى النظر للفطرة والدين نظرة استعلاء وازدراء، ظناً منهم أن العقل البشري وحده كافٍ لإدارة الكون والحياة بلا إله.

يصف القرآن الكريم بدقة هذه الحالة من الغرور والصدود الناتجة عن الاستكبار المعرفي، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: 7].

فأصنام سورة نوح تتجلى فيها فكرة الضلال في أوج خطورتها؛ حيث يتحول الرمز إلى حجاب يطمس الفطرة ويُعمي الجماهير عن الحق، ليتوارث المجتمع التيه جيلاً بعد جيل، وتصبح هذه الأوثان الأداة الأولى لإيقاع البشرية في التضليل الجماعي الممنهج مصداقًا لقوله تعالى عقب ذكر هذه الأوثان المادية والمعنوية: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نوح: 24]

وبعد تفكيك تلك الجذور النفسية للشرك الأول في سياق قوم نوح عليه السلام، يمتد بنا مسار التدبر القرآني لينتقل إلى موطن آخر شديد الأهمية في سورة النجم؛ حيث يشرع القرآن في تعرية ثلاثية وثنية أخرى، كاشفاً من خلالها عن آليات التضليل والانقياد الأعمى التي تتبعها المجتمعات عند هجر الوحي والاستسلام للأهواء.

ثانيًا: المنظومة المؤسساتية لأصنام سورة النجم

وإذا انتقلنا إلى أصنام الجاهلية المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾ [النجم: 19 – 20] نجد أننا أمام رموز أخرى ألا وهي:

  1. اللَّات (صنم العرف السائد والجمود الفكري)

الدلالة والتاريخ: قيل لغوياً إنه مشتق من تحريف لفظ الجلالة، وقيل تاريخياً إنه كان رجلاً صالحاً “يلتّ السويق” (يصنع الطعام ويخلطه) لخدمة الحجيج، فلما مات عكف الناس على قبره وتقربوا إليه، تقديساً لصنيعه وتحويل عاداته إلى شعائر متبعة.

نظيره المعاصر: هو وثن “التقليد الأعمى للمجتمع وسلطة العادات المتوارثة” ويتجلى هذا الصنم عندما تُقدّس المجتمعات عادات وتقاليد أو قوانين وضعية جائرة لمجرد أنها العرف السائد، حتى لو كانت هذه العادات تصطدم صراحة مع شرع الله تعالى، فيتحول الحفاظ على النظام القائم إلى معبود مُطاع يُذبح الدين على عتباته.

أمثلة واقعية لعادات حلّت محل الدين:

أ_ تشريع المذاهب تحت ستار السُّنة: تحويل الآراء والاجتهادات المذهبية الضيقة إلى أحكام مقدسة تُلزم الناس باسم الدين، وإقناع العوام بأنها “شرع الله الحتمي” وهو تجسيد لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 78].

ب_ قوانين الثأر والعصبية القبلية: حيث تدفع العادات العائلية والقبلية الناس إلى القتل المتبادل وسفك الدماء الحرام لإرضاء الناس والقبيلة، مستبدلين القصاص العادل بالجاهلية الجائرة.

ت_ المبالغة في تجهيز العرائس (الديون وقائمة المنقولات): حيث تفرض عادات بعض البلاد على أهل الفتاة شراء مستلزمات تفوق طاقتهم بكثير لمجرد المظاهر والمباهاة، مما يؤدي في النهاية إلى سجن الآباء والأمهات بسبب الديون، في حين أن الدِّين يسّر الزواج وجعل الرجل هو المسؤول عن جميع تكاليف الزواج دون إعنات لأهل الفتاة.

ث_ عادة ختان الإناث: وهي جريمة تُرتكب في حق الفتيات باسم العرف والمحافظة على الشرف، متجاهلين الأحكام الدينية والطبية الصحيحة، ومقدمين موروث البيئة على حفظ النفس.

وينطبق على عابدي هذه العادات المنطق الجاهلي القديم الذي حكاه القرآن: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23] فاعتبروا عادات الآباء والمذاهب إلهاً يُتبع ونبذوا حكم الله وراء ظهورهم.

وكما حرّف الجاهليون قديماً لفظ الجلالة (الله) وألحدوا فيه ليصنعوا منه اسم صنمهم (اللات) تُحرّف المنظومات المعاصرة اليوم مقاصد الشريعة وأحكامها لصالح أهواء النخب وسدنة الأعراف، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180] فالآية خُتمت بـ ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ولم تقل (ما كانوا يقولون)؛ لتبين أن الإلحاد في الأسماء والصفات ليس مجرد تلاعب لفظي، بل هو سلوك وعمل وتطبيق باطل ينتج عنه، تماماً كما تُحرف اليوم الشريعة لصالح أهواء البشر ليتحول العرف الجائر وأحكام الجاهلية إلى وثنٍ مُطاع يُعبد من دون الله تعالى تحت ستار الدين نفسه.

  1. العُزَّى (صنم الهوس بالجاه والتحالف مع القوة لتحقيق التفوق)

الدلالة والتاريخ: مشتقة لغوياً من “العزة” والمنعة والرفعة، وكانت تاريخياً شجرة أو صنم قريش المفضل الذي يرمز لسطوتهم وجاههم واستعلائهم بين القبائل، وقيل تحريفًا لاسم الله العزيز.

نظيره المعاصر: هو صنم “اللهث وراء المظاهر الاجتماعية البراقة، والنفوذ، والتحالف مع القوي لإذلال الضعيف” ويتجلى هذا الوثن في أمثلة واقعية ملموسة من حياتنا المعاصرة على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول:

صنم الوجاهة والمظاهر الطبقية: نجد بعض الأفراد يستقوون بالعلامات التجارية / الماركات العالمية، أو السكن في مناطق فارهة تفوق طاقتهم المادية، أو الحرص على مصادقة أبناء العائلات الثرية والتزلف إليهم، والهدف هنا ليس الحاجة، بل كسب عزة اجتماعية زائفة ونظرة استعلاء وتفوق على الآخرين، مما يجعل قيمتهم مستمدة من هذه المظاهر لا من تقوى الله وأخلاقهم.

التزلف لأصحاب النفوذ في العمل: حين يتقرب الموظف من مدير جائر أو شخصية ذات سلطة في المؤسسة، فيداهنها ويوافقها على الباطل وينافقها علناً، ليس خوفاً من الطرد، بل طمعاً في أن يستمد من قوتها نفوذاً يُمكّنه من الترقي السريع وتجاوز زملائه المستحقين وإذلالهم.

هوس الشهرة والانتساب للمشاهير: الركض خلف مشاهير الفن ومنصات التواصل والتقرب منهم بأي ثمن، أو السعي لأن يصبح الشخص مشهوراً حتى لو تطلب الأمر التنازل عن حيائه ومبادئه وقيمه، فقط لكي يشعر بالرفعة والتميز والمنعة وسط مجتمعه.

أيديولوجيا البقاء للأقوى: النظام العالمي الحالي الذي يُقدّس القوة العسكرية والاقتصادية المحضة، فتجد الدول الضعيفة تهرول لتقديم الولاء التام والاندماج في أحلاف دولية ظالمة، ليس لحماية نفسها فقط، بل لتستقوي بهذه الأحلاف على جيرانها، وتبرر جرائم القوى العظمى لمجرد الاستئناس بقوتها، ظناً منها أن هذا التحالف هو الذي يضمن بقاءها ورفعتها.

صنم الشرعية الدولية الجائرة: اعتقاد بعض الأنظمة والحكومات أن عِزتها وبقاءها مستمد من رضا الدول الكبرى والمنظمات الدولية عنها، حتى لو كان ذلك على حساب هوية شعوبها ودينها، فتقدم إرضاء هذه القوى الخارجية على مرضاة الله وأحكامه الصريحة.

في كل هذه الأمثلة، نجد أن “العُزَّى المعاصرة” تجعل الإنسان يستبدل التوكل على العزيز الجبار، بالتمسح بأعتاب عزة مادية مخلوقة زائفة يظن أنها تملك له الرفعة والجاه، فيكشف الواقع زيفها عندما تتخلّى هذه القوى عن حلفائها عند أول اختبار.

ويكشف القرآن زيف وبطلان هذا الاستقواء بالآخرين وبالأسباب المادية وحدها، فيقول تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 81 – 82] وقد بيَّن سبحانه أن العزة الحقيقية والرفعة المطلقة لا تُنال بالتمسح بأعتاب الأقوياء، بل هي عند المولى سبحانه وتعالى وحده كما قال: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139].

  1. مَنَاة (صنم الأوهام المادية وثقافة الاستهلاك الشرس)

الدلالة والتاريخ: مشتقة لغوياً من “المَنيّ” وهو الصبّ والتدفق، وسُميت بذلك لكثرة دماء القرابين التي كان المشركون يصبونها عندها استنزالاً للبركة، وطلباً للحظ السعيد والمطر والرزق الوفير دون جهد.

نظيره المعاصر: هو صنم الرفاهية المطلقة، والثراء السريع، وتأليه المتعة اللحظية فتُمثل “مناة” في عصرنا الحالي ثقافة الاستهلاك الشرس والتسليع، حيث يلهث الإنسان خلف نمط حياة مائع قائم على اللذة السريعة وشراء ما لا يحتاج، والتعلق بأوهام الثراء بلا عمل حقيقي (مثل: المقامرات الإلكترونية، والبورصات الوهمية، وشراء أوراق اليانصيب، والركض خلف ضربات الحظ).

فيتحول الإنسان إلى مستهلك مغيب ينتظر المعجزات المادية دون الأخذ بالسنن الكونية والشرعية في العمل والتوكل، مستبدلاً غاية وجوده الإيمانية بعبادة الرفاهية والراحة، ومقدماً متعة الدنيا العاجلة على حساب دينه وآخرته.

ينطبق على هذا اللهث الأعمى وراء متاع الدنيا الزائل قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 18].

وهنا يفكك القرآن زيف هذه المعبودات عقب ذكرها في سورة النجم عبر حقيقتين، الأولى: تعرية وهم الشعارات المعاصرة (كالرأسمالية والعلمانية والعولمة) التي ليست إلا ﴿أَسْمَاءٌ ‌سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: 23]  ، والثانية: كشف آلية التضليل الإعلامي والانقياد الأعمى خلف الترويج المبالغ فيه والأهواء المعارضة للوحي في قوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ﴾ [النجم: 23].

ثالثًا: من النجم إلى تصنيف أطعمة المائدة

ولا يتسنى لنا عند تفكيك أصنام الحاضر وأوثان العصر الحديث، أن نغفل عن رموز أخرى لا تقل خطرا عما سبقها من عتمة القلوب وتقديس الذوات في التجربة النوحيّة ومثيلاتها في دلالات سورة النجم؛ حيث ينتقل بنا الوعي القرآني إلى شكْلٍ آخر من الوثنية في منظومة الاستبداد البشري، يتجسد في وثن التقنين والتشريع الجائر التي تمنح الإنسان سلطة التحليل والتحريم واحتكار أقوات العباد.

وهي ذات العقلية الاستعلائية التي عرتها الشريعة وفككت دلالاتها في رباعية سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 103].

فكان أهل الجاهلية يختارون أفضل الأنعام (وهي عصب الاقتصاد والرزق في زمانهم)، ويخرجونها من منظومة النفع العام بناءً على خرافات تشريعية وقوانين وضعوها بأنفسهم تقرباً لأصنامهم وسدنتهم، وتفصيل إسقاطها المعاصر يتجلى فيما يلي:

  1. الْبَحِيرَة (قوانين الاحتكار وإهدار الموارد):

الدلالة والتاريخ: مشتقة لغوياً من “البَحْر” وهو الشق والاتساع، وقيل هي الناقة التي ولدت خمسة بطون، فإذا كان البطن الأخير ذكراً، شقوا أذنها (بحروها) وتركوا ركوبها وذبحها، وحرّموا لبنها ومنافعها على نسائهم، فلا ينتفع بها إلا فئة محددة.

نظيرها المعاصر: هو إهدار الموارد وحجب السلع لإدارة الأسواق، وتشريع القوانين الاقتصادية الجائرة التي تمنع عموم الناس من الاستفادة من خيرات الأرض لإبقاء السيطرة في يد فئة النخبة.

أمثلة واقعية: قيام كبرى الشركات والمنظمات العالمية بإتلاف أطنان من المحاصيل الزراعية (كالقمح)، أو سكب آلاف الأطنان من الحليب في البحار والمحيطات لمجرد الحفاظ على سعر السوق وحماية أرباح النخبة الرأسمالية، في حين يموت الملايين جوعاً. هذا الإهلاك العمدي للموارد باسم قوانين حماية السوق، هو عين فكرة “تبحير الناقة” وإخراجها من منافع البشر بلا وجه حق.

  1. السَّائِبَة (تسييب النخبة والامتيازات الدبلوماسية فوق القانون):

الدلالة والتاريخ: مشتقة لغوياً من “السَّيَب” وهو الترك والحرية المطلقة دون قيد، وهي الناقة التي يسيبها صاحبها (أي يتركها حرة) لنذر نذره، أو لشفاء من مرض، فلا تُركب ولا تُحلب، ولا تُمنع من أي مرعى أو ماء، وتُعفى من أي كلفة أو التزام.

نظيرها المعاصر: هو الحصانة الجائرة والامتيازات الطبقية فوق القانون، وتُمثل السائبة في عصرنا كل فئة أو شخصية تُوضع فوق النقد، وتُعفى من المحاسبة، وتُمنح حرية مطلقة “لتسرح وتمرح” في مقدرات الشعوب والفقراء دون أن يجرؤ أحد على كبحها، بناءً على قوانين وتصنيفات اجتماعية وضعية.

أمثلة واقعية: الحصانات السياسية أو الدبلوماسية المبالغ فيها التي تُستخدم لتهريب الأموال أو حماية الفاسدين من العقاب، أو فئات المشاهير ورجال الأعمال النافذين الذين يتجاوزون القوانين البيئية والاقتصادية والاجتماعية دون رادع، مستمدين هذه الشرعية من نظم وضعية جعلهم كالسائبة لا يُمنعون من شيء، بينما يُطبق القانون الصارم على الضعفاء وحدهم.

  1. الْوَصِيلَة (احتكار الفرص وحصر النفع في دوائر الولاء والقرابة):

الدلالة والتاريخ: مشتقة لغوياً من “الوَصْل” والقرابة، وهي الشاة التي تلد توأمين (ذكراً وأنثى) في بطن واحد، فيقولون: “وصلت أخاها”، وبسبب هذا الوصل والقرابة الرحمية، يحرمون ذبح هذا الذكر ويجعلونه خالصاً لأوثانهم وسدنتهم، ويحظرون منافعها عن عامة الناس والفقراء.

نظيرها المعاصر: هو احتكار الفرص، والواسطة والمحسوبية النخبوية، فتُمثل الوصيلة كل منظومة تحجز الفرص والمنافع العامة لأشخاص محددين لمجرد “صلات قرابتهم”.

أمثلة واقعية: حرمان الشباب الكفء والمبدع من التعيين في وظائف يستحقونها لمجرد أنها محجوزة لأبناء “العاملين أو النخبة” بموجب أعراف غير معلنة (تصل أخاها)، أو احتكار براءات اختراع الأدوية الحيوية من قبل كبرى شركات الدواء.

ويتجلى هذا الصنم التشريعي اليوم في القوانين الاجتماعية المبتدعة التي تستعير عقلية الجاهلية لتوزيع الحقوق المادية داخل الأسرة بالهوى العرفي لا بالشرع؛ ومثالها الفاضح: عادة حظر توريث الأصول والأراضي للإناث لجعل منافعها ودخلها خالصاً لذكور العائلة فقط، وبالمقابل، تخصيص الذهب والمصاغ للنساء.

هذا التقسيم الطبقي المبتدع ما هو إلا إعادة إنتاج لـ “الوصيلة” والتحكم الجاهلي القديم الذي فضحه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: 139]؛ لتكشف الشريعة أن منظومة الهيمنة وهضم الحقوق الاقتصادية بناءً على النوع هي ذاتها، وإن تباينت مسمياتها عبر العصور.

  1. الْحَام (حماية أصحاب النفوذ على حساب الكادحين):

الدلالة والتاريخ: مشتقة لغوياً من “الحِمَى” والمنع، وهو الفحل من الإبل الذي نتج من صُلبه عدد معين من البطون (قيل عشرة)، فيقولون: “حمى ظهره”، فلا يُركب، ولا يُحمل عليه، ولا يُمنع من رعي أو ماء، ويُترك في حمى تام.

نظيرها المعاصر: مثل المكافآت والامتيازات الأسطورية للنخب المتقاعدة على حساب عرق الكادحين، وتوفير حماية وحصانة اقتصاديّة مطلقة لفئات لم تعد تقدم أي إنتاجية للمجتمع.

أمثلة واقعية: القوانين الوضيعة التي تمنح الرؤساء التنفيذيين للشركات الكبرى، أو بعض المسؤولين السابقين، مكافآت نهاية خدمة أسطورية، ورواتب تقاعدية خيالية وحمايات أمنية باهظة مدى الحياة، حتى لو غادروا مناصبهم بعد الفشل أو التسبب في أزمات اقتصادية. يُحمى ظهرهم ومستقبلهم بأموال دافعي الضرائب والعمال البسيطين الذين يُسحقون يومياً، مما يحول هؤلاء المسؤولين إلى “حامٍ” معاصر، يتقاعد في رفاهية مطلقة دون كلفة، مدفوعاً بـنظام جائر يحمي ظهره.

وهنا ينسف الرد الإلهي في قوله ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ﴾ زيف هذه الأوثان التشريعية والطبقية من أساسها، ليعري القوانين الوضعية الجائرة التي تُحرّم المباحات وتحتكر الثروات والفرص، فاضحاً ذلك الكذب المؤسسي والتعطيل العقلي الذي يُبرَّر به سحق المستضعفين؛ فالمنظومات الرأسمالية المتوحشة أو الأعراف الطبقية الجائرة غالباً ما تصبغ قوانينها بصبغة أخلاقية أو علمية أو نظامية خادعة، توهم الناس بأنها لصالح المجتمع والتشغيل، بينما هي في جوهرها افتراء لخدمة مصالح فئة خاصة، وهو ما يفضحه النص القرآني: ﴿وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ويأتي الختام الصادم: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ليؤكد أن اتباع هذه المنظومات دون تفكير أو مراجعة والقبول بحرمان الضعفاء لحساب الأقوياء، هو إلغاء صريح لنعمة العقل والبصيرة التي تحتم إقامة العدل وتدعو لرفض الظلم.

آية التبتيك: العلامة التأسيسية لصناعة الأوثان وتغيير الفطرة

ولكي تكتمل صورة هذا المخطط الشيطاني، نجد الآية الجامعة التي تلخص طريقة الشيطان في صناعة كل هذه الأوثان، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَأُومُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَأُمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] و”التبتيك” هو القطع والشق؛ حيث كان الجاهلي يشق أذن الناقة ليصنع منها “البحيرة” أو “السائبة”، فبمجرد رؤية هذا الشق والتشويه المادي يعرف الناس أن هذه الأنعام أصبحت محرمة ومحجورة بناءً على قوانينهم الوضعية.

– فقديماً، كان شق أذن الأنعام يُخرجها من نفع العوام ويجعلها حكراً على النخبة أو الأصنام؛ فهو “وسمٌ” مادي يُغير وظيفة الشيء.

في الإسقاط المعاصر: هذا هو عين نظام الوسم التجاري والطبقي الحداثي،  بتحويل السلع والخدمات الأساسية (كالعلاج والتعليم والسكن) إلى تصنيفات وعلامات تجارية؛ فبمجرد وضع علامة أو اسم معين على المنتج، يرتفع سعره بشكل جنوني ويُشقّ عن جيوب عامة الناس، ليصبح حكراً على طبقة معينة؛ إنها عقلية فرز النعم وتغيير وظيفتها الاجتماعية بناءً على “وسم وضعي” باطل.

– الآية جاءت في سياق تغيير خلق الله: ﴿وَلأُمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ، فالشق هنا كان اعتداءً على الصورة الطبيعية التي خلق الله عليها الأنعام تلبية لشرائع وهمية.

ويتجلى هذا الوثن المعرفي في الرأسمالية المتوحشة؛ حيث تعمد كبرى الشركات الطبية والزراعية المعاصرة إلى احتكار البذور وتعديل الجينات الوراثية للنباتات والحيوانات (تغيير خلق الله)، لإنتاج سلالات “عقيمة” لا تتكاثر إلا بشراء الأسمدة والمواد الكيميائية من ذات الشركات! هذا التشوية للفطرة الكونية يُراد به إخضاع أقوات العباد لاحتكار المنظومات الكبرى، وهو امتداد مباشر لقطع أذن الأنعام لمنع الانتفاع الفطري بها.

– شق الأذن كان بمثابة إشارة يراها الجاهلي فيفهم فوراً أن هذا الحيوان “محظور ومحرم” ركوبه أو أكله.

في الإسقاط المعاصر: يمثل هذا نظام التبتيك والوسم المالي الذي تفرضه البيروقراطية الدولية الجائرة؛ حيث تُوضع نصوص قانونية معقدة وفوائد ربوية مركبّة تكبّل الدول النامية والمقترضين الضعفاء، هذه الشروط التعجيزية والديون المتراكمة تعمل كالعراقيل أمام المستضعفين، لتُخرج مقدراتهم وثرواتهم من نفعهم الخاص وتوجّه ريعها بالكامل لسداد ديون الجهات المقرضة، إنها شروط تمنعهم من استثمار مواردهم أو نيل حقوقهم المشروعة بحجة الحفاظ على “النظام العام” أو “الاتفاقيات الدولية”، وهي في جوهرها مجرد خطوط حمراء اصطنعها البشر لحظر المباحات، واحتكار النعم، وسحق الشعوب لصالح سدنة المنظومة المالية.

وبذلك يظهر الإسقاط المعاصر لقول الشيطان ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾؛ فالأمر لم يكن مجرد جرحٍ في أذن شاة، بل كان بداية لتشويه النعم والفطرة التي خلق الله الناس عليها في كل مجالات الحياة:

فِي الاقْتِصَاد: بتدمير الفطرة القائمة على التكافل، واستبدالها بنظام ربوي واحتكاري يمتص أموال الفقراء لصالح النخب.

فِي الجَسَد: بالعبث بالجينات ومحاولة تغيير الجنس البشري وفطرته البيولوجية أو الافراط في عمليات التجميل لتغيير الخلق.

فِي التَّشْرِيع: باستبدال أحكام الشريعة العادلة بقوانين وبيروقراطية وضعية جائرة.

ليتحول كل ما هو فطري وطبيعي إلى رموز مشفرة وأدوات احتكار تخدم النظام المعاصر وتَسحق الضعفاء.

وختاماً:

لم يكن ذكر أصنام الجاهلية في كتاب الله ترفاً لغوياً أو توثيقاً تاريخياً لأقوام بادوا، بل هو كشفٌ رباني لمنظومة الانحراف البشري في كل زمان ومكان؛ فإن الأصنام لم تمت، بل تبدلت أجسادها وصورها، واستمر “تبتيك” النعم وتغيير الفطرة والخلق عبر العصور.

ولم يقف التمكين لهذه الأصنام عند حدود الأعراف الجاهلية أو المنظومات العلمانية الحديثة، بل إن أكثر المذاهب الفقهية قد ساهمت ـ عبر القرون ـ في تأصيل هذه الأصنام وخلق أوثان تشريعية أخرى تدعو إلى تقديس “دينٍ موازٍ”؛ دينٍ قائمٍ على التقليد الأعمى، واحتكار الفهم المعصوم لصالح نخب مذهبية وسدنة جدد.

هذا الدين الموازي أضل كثيراً من الناس، وفتنهم في دينهم، وضيق عليهم حياتهم بغير سلطان من الله تعالى، مكرساً ذات المنظومة الجاهلية التي تحرم المباحات وتضع الآصار والأغلال.

وهنا يتجلى إعجاز القرآن وعالميته؛ فالأحجار والتماثيل القديمة قد تلاشت، ولكن القوالب النفسية والاجتماعية التي أنشأتها لا تزال تحكم عقول ملايين البشر اليوم تحت مسميات “حداثية” خادعة تارة، ومسميات “مذهبية” مقدسة تارة أخرى.

أمام هذا التمدد للأوثان المعاصرة ـ فكريةً كانت أم تشريعية مذهبية ـ يصبح لزاماً على الوعي المسلم أن ينتفض لتحطيم هذه الأصنام وهدم قدسيتها المزيفة في العقول، أُسوةً بالخليل إبراهيم عليه السلام في اندفاعه الصارم والمباغت لإسقاط الأوثان وتعرية عجزها، حيث لم يكتفِ بالرصد والمراقبة بل أقبل عليها بضرباتٍ فكرية ونفسية حاسمة تقتلع زيفها من الجذور؛ ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: 93] فلا مكان للمهادنة مع منظومات تُزاحم حاكمية الله وتطمس فطرته.

ولا نجاة من هذه الأوثان المعنوية والتشريعية إلا بالتجرد التام، والعبودية الخالصة لله، والفرار إلى “فطرة الإيمان” الأولى، هرباً من تحزب المذاهب وأسر الماديات.

ذلك كله يتلخص في التوجيه الرباني الحكيم الذي يربط الفطرة الخالصة بالتحذير المباشر من داء الحزبية وعبادة الأفكار المذهبية وتفريق الدين، مصداقًا لقوله:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ، كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرَحُونَ﴾ [الروم: 30 – 32].

الباحثة: شيماء أبو زيد

 

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.