حبل الله
حقيقة الشفاعة يوم القيمامة. وهل هي خاصة بالنبي الخاتم؟

حقيقة الشفاعة يوم القيمامة. وهل هي خاصة بالنبي الخاتم؟

السؤال:

السلام عليكم، أود السؤال حول نقطة حيرتني مؤخراً..

هل يصح الدعاء بطلب شفاعة الرسول عليه الصلاة و السلام يوم القيامة؟ أم أن هذا كان من اختلاق المذاهب لتبرير أن كل من نطق بالشهادتين من المسلمين فهو في الجنة، و إن ارتكب الكبائر، ولم يتب عنها أو يحاول رد المظالم إلى أهلها؟

وما دلالة قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا ‌الَّذِي ‌يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255]  وغيرها من الآيات التي قد تم ذكر الشفاعة بها. فما المقصود بالشفاعة في هذه الحالة؟

ولهذا احترت قليلاً، هل يصح أن نطلب شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام وفقاً للحديث الذي يروي أن يوم القيامة سيقول جميع الأنبياء: (نفسي نفسي) أما الرسول عليه الصلاة والسلام سيقول: (أنا لها) أم أن الدعاء بطلب الشفاعة يُعدّ من إساءة الأدب مع الله ورسوله.

مثلما في بعض الطرق الصوفية يعتقدون أن شيخ الطريقة يشفع و يكون محامياً لهم أمام الله يوم الحساب، وكأنه يُذكِّر الله تعالى إذا نسي (استغفر الله)، رجاءً، أفيدوني في هذه النقطة، و جزاكم الله كل خير.

الجواب:

وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، إن الحيرة التي انتابتكِ حول مفهوم الشفاعة ودعاء طلبها هي حيرة مشروعة ومبررة تماماً؛ فالموروث المذهبي الشائع قد صوّر الشفاعة بطريقة تصطدم مع روح العدالة والمسؤولية الفردية التي أسس لها القرآن الكريم، وخاصة ونحن نتلو أشهر آيات الكتاب وهي آية الكرسي التي تنطق إحدى عباراتها بتساؤل ينم عن الحيرة والجلال في آن واحد ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾؟! فما هي الشفاعة؟ ومن الذي سيؤذن له بها؟ ومن الذي يستحقها؟ وسنقوم معاً في السطور التالية _بإذن الله تعالى_ ببسط هذه المسألة وتفكيكها بأسلوب مترابط يتدبر آيات الله تعالى، ليزيل كل أثر لتلك الحيرة ويمهد لكِ طريق الطمأنينة المعرفية بشكل مفصل؛ عسى الله سبحانه أن يثبتك ويذهب حيرتكِ.

هيبة الخضوع المطلق يوم القيامة

قبل الحديث عن مفهوم الشفاعة وشروطها، ينبغي أن نتلو معاً الآيات التي تصور لنا حقيقة المشهد يوم القيامة تصويراً دقيقاً؛ هذا اليوم الذي يشهد جلالاً وهيبة بصمت جميع العباد والملائكة الخاضعين لأمر الملك، فلا يتجرأ أحد على النطق أو الكلام إلا بضوابط الحق والعدالة الصارمة التي يضعها الخالق وبإذنه جل جلاله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: 38].

وفي موطن آخر يصف تعالى لنا هذا الموقف العصيب، حين تخفت الأنفاس وتتلاشى ادعاءات القوة والوساطات، لتعم السكينة الخاضعة لجلال الخالق وتُسمع الهمسات مصداقًا لقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: 108] ويليها مباشرة في ظل هذا السكون والخشوع حكم الشفاعة ومقاييسها الفاصلة: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: 109] ويبين الله جل وعلا السبب الجوهري في ذلك، وهو إحاطة علمه المطلق وعجز العقول البشرية وقصورها عن الغيب والشهادة، بقوله جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110] ليصل هذا التتابع والتسلسل إلى قمة المشهد المهيب الذي تُكسر فيه غطرسة الخلق ويخضع فيه الجميع للقدرة الإلهية المطلقة، وبيان خيبة وخسارة من حمل الظلم والشر حيث يقول تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: 111] وفي وسط هذا الخوف لا ينسى الرحمن أن يجلب الطمأنينة والأمان التام لقلب العبد المؤمن الصالح: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: 112].

مفهوم الشفاعة وشروطها القرآنية

ولفهم حقيقة الشفاعة بعيداً عن التصورات المذهبية الدارجة، فإن الشفاعة في الميزان القرآني ليست قاصرة على الآخرة أو محصورة في شؤون الغيب والمشهد الأخروي كما يعتقد الكثيرون، بل هي قانون اجتماعيّ وسلوكيّ يحكم حياة الناس في الدنيا أولاً، فالشفاعة في أصلها اللغوي مشتقة من “الشَّفْع” وهو ضمّ شيء إلى شيء لمعاونته وتقويته.

وقد بيّن القرآن الكريم أن كلّ فعل يضم فيه الإنسان صوته أو جهده أو علمه إلى غيره يُعدّ شفاعة دنيوية يُحاسب عليها؛ حيث قال تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْها﴾ [النساء: 85] فكلّ مَن أعان على خير أو نقل علماً يُثبّت به الحق فقد شَفَع شفاعة حسنة وله أجرها، وكل مَن أعان على باطل أو بثّ شائعة تُضعف صف المؤمنين فقد شَفَع شفاعة سيئة وعليه وزرها، مما يؤكد أن الشفاعة في الدنيا هي مسؤولية الفرد عن أثر عونه وكلمته ومساندته للغير في مجتمعه، وهي حاجة إنسانية أصيلة لا غنى عنها في حياة البشر، حيث يحتاج الإنسان دائماً إلى شفيع يشدُّ من أزره وعَضُده في مصاعب الحياة، ويطمئن إليه وقت قلقه وخوفه، ويحتمي بمساندته وقت ضعفه، ليدفع عنه الأذى، وتدافع عنه كلمته ومواقفه حين يُراد به السوء، والعكس صحيح حين ينضم الشفيع ليزيد الأمر صعوبة أو تخاذلًا أو خسرانًا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا:

فإن كانت هذه شفاعة الدنيا، فماذا عن الشفاعة في الآخرة؟ ومن يملك هذا الحق أصلاً؟ يجيب علينا القرآن بتقرير حقيقة حاسمة حين أمر تعالى نبيه أن يبلغ أمته ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: 44] لندرك أن الشفاعة ليست حقاً مستقلاً يملكه نبي أو ملك يوزعه على من يشاء، بل هي ملك خالص وخاضع لقراره جل جلاله وحده في هذا المشهد العظيم، الذي من شدة هوله ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا ‌أَرْضَعَتْ ‌وَتَضَعُ ‌كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ﴾ [الحج: 2]

ومن ملك الشفاعة جميعًا فهو وحده جل جلاله له الحكم في الإذن بها في قوله: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ [النجم: 26] وكما نرى فإن الآية الكريمة قد وضعت شرطين أساسيين للشفاعة:

  • شرط الإِذْنِ (للشَّافع): وهو ألا يتقدم أحد بالنطق بالشفاعة إلا بعد صدور الإذن الإلهي، وقد خص تعالى بها ملائكته المكرمين ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ﴾.

ولا نستطيع القول على وجه القطع واليقين بأن الأنبياء والرسل عليهم السلام سيكون لهم نصيب من هذا الإذن، ولكنهم ذكروا في سياق المحاجة والتوحيد في موطن آخر:

  • حيث يبدأ السياق بتقرير وحدة الرسالة بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]
  • ثم أعقبه تعالى بالرد على مزاعم من اتخذ من دونه ولداً أو مقرباً يملك تفويضاً مستقلاً بقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا. سُبْحَانَهُ، بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 26-28]

وبما أن زعم اتخاذ الولد والمقربين ورد في حق الكثير من الأنبياء كما ورد في حق الملائكة، وأنهم جميعًا (ملائكة ورسلًا) مشتركون في كونهم لا يسبقونه تعالى بالقول ويخضعون له وبأمره يعملون، فربما تلحقهم الشفاعة (بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ) وهو سبحانه أعلى وأعلم.

  • شَرْطُ الرِّضَا (لِلْمَشْفُوعِ لَه): وهو يخص الشريحة المستحقة لتلقي هذه الشفاعة بفضل عملها وإيمانها؛ فالشافعون لا يتكلمون إلا في حق من رضي الله عنهم، وقد ختمت الآيات السابقة ببيان هذا الشرط الحاسم؛ حيث علق سبحانه الشفاعة بالرضا في ختام آية النجم ﴿لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ وجاء تأكيدها قاطعاً في آية الأنبياء: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.

وهنا ملمح هام تجدر الإشارة إليه:

ألا وهو الفرق بين شفاعة الملائكة وشفاعة الأنبياء – إن أذن تعالى لهم – في المنظومة القرآنية؛ حيث يلتقي كل الشفعاء في الإذن، ولكنهم يفترقون قرآنياً في طبيعة الاطلاع والمعاصرة على أحوال العباد وفقاً للمسارين التاليين:

  • شفاعة واستغفار الملائكة و (القائمة على الاطلاع والتوثيق المستمر): فالملائكة كائنات غيبية لا يحكمها البعد البشري (الزماني أو المكاني)، وهم مطلعون على أحوال العباد بطبيعة عملهم ووظيفتهم الكونية المستمرة في ملازمة البشر واستنساخ أعمالهم ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80] لذلك فإن استغفارهم وشفاعتهم يمتدان عبر الأجيال والقرون لكل من سلك طريق التوبة والصلاح، وقال تعالى في استغفارهم الممتد: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ… وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ…﴾ [غافر: 7] فالملائكة يشفعون بناءً على اطلاع وتوثيق حقيقي ومستمر لأعمال العباد المفضية إلى استحقاق المغفرة أو الشفاعة المتمثلة في التوبة واتباع السبيل: (لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ).
  • شفاعة الأنبياء (محكومة بحدود المعاصرة والشهادة العينية): فالأنبياء بشر، وعلاقتهم بأممهم محكومة بحدود الزمن الذي عاشوا فيه، والقرآن يؤكد قاطعاً أن علمهم بأعمال الناس واطلاعهم عليها ينقطعان تماماً بموتهم مصداقًا لقوله تعالى على لسان النبي: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 50] وبالتالي فإن شهادتهم أو شفاعتهم مرتبطة حصراً بمن عاصروهم وعرفوا صدق إيمانهم في الدنيا، ومن أكبر الأدلة على ذلك:
  • مشهد الرسل يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 109] فالآية واضحة في أن الرسل جميعاً يعلنون عدم علمهم بما أحدثه الناس وبما أجابوا به بعدهم؛ ومَن لا علم له بأحوال العباد وغيبهم لا يمكن عقلاً ولا قرآناً أن يتقدم بالشفاعة لمليارات البشر من الأجيال اللاحقة التي لم يعاصرها.
  • وكلمات المسيح عيسى عليه السلام الحاسمة يوم القيامة تنسجم مع هذا الإقرار: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 117].
  • وقوله تعالى للرسول محمد ﷺ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] وكلمة (هؤلاء) إشارة للقريب المعاين (الذين بلغهم النبي)
  • وهنا قد يسأل سائل: فماذا عن شكوى الرسول للأجيال اللاحقة في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30] إن الآية في سياقها المباشر شهادة عينية على المعاصرين له من الكفار أو حتى من المؤمنين بالإسلام قولًا لا عملًا؛ وأما امتداد هذه الشكوى للأجيال اللاحقة، فليس لاطلاع غيبي للنبي بعد موته، بل لأن القرآن هو الرسول المقيم والحُجّة الباقية؛ فمَن هجر كتاب الله تعالى من الأجيال اللاحقة أدانته الشكوى المكتوبة في الكتاب تلقائياً، فالرسالة والرسول في مقام الحساب شيء واحد.

ومن هنا فتصوير الأنبياء والصالحين في الفكر المذهبي التاريخي (سواء في التراث اليهودي الذي ادعى نجاة بني إسرائيل بفضل محبة الله تعالى ومكانة آبائهم، أو الفكر المسيحي القائم على الخلاص بالمسيح، أو شفاعة الرسول عن المسلمين، وكأنهم وسطاء يملكون فرز مليارات البشر الذين جاؤوا بعدهم بقرون لينقذوا أتباعهم من العذاب بالرغم من ظلم وكبر كثير منهم؛ هو وهمٌ يصطدم بالحقيقة القرآنية.

فالأنبياء – إن أذن تعالى لهم بالشفاعة – يشهدون ويشفعون لمن عاصروهم وحضروهم وارتضى الله تعالى عملهم وتوفاهم على الإيمان، بينما تشهد الملائكة وتستغفر وتشفع بناءً على توثيقها الحاضر واطلاعها المستمر.

وفي كلتا الحالتين، تظل الشفاعة مقاماً عظيماً جليلاً وقيمة عليا، يظهر تعالى فيها تكريم الشافعين وقبول شفاعتهم فيمن استحق الرضا الإلهي أصلاً بموجب عمله الصالح في الدنيا.

 

والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا:

في بنية الفكر الإسلامي، هل هناك شفاعة لأهل الكبائر والذنوب كما تزعم الروايات المذهبية؟ وإذا كان الأمر يعتمد كلياً على رضا الله تعالى عن المشفوع له، فما قيمة الشفاعة إذًا؟

بين وهْم الشفاعة التراثية وحقيقة الميزان القرآني

إن المتدبر لمنظومة القرآن الكريم يجد إجابة حاسمة تنفي نفياً قاطعاً وجود شفاعة تلتف على العدالة الإلهية لتنقذ من مات مصراً على الكبائر أو ظالماً للعباد دون توبة؛ فالقرآن يضع خطوطاً حمراء تنسف هذا التصور:

  1. الظلم مانع مطلق من الشفاعة: فقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18] والكبائر – وعلى رأسها الشرك وأكل حقوق الناس والفساد – هي عين الظلم؛ فالظالم لا يجد له شافعاً يُستجاب له يوم القيامة.
  2. مكانة الأنبياء لا تنقض الأحكام الإلهية: يوجه الله تعالى خطاباً صريحاً لنبيه يقطع دابر الاتكال على مقامه العظيم لإنقاذ الجناة، فيقول سبحانه: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ [الزمر: 19]؟! والاستفهام هنا إنكاري، يعلن أن مقام النبوة لا يملك التعديل أو التعقيب على حكم الله جل جلاله فيمن استحق العذاب بعدله وعلمه.

السياق القرآني في سورة الزمر

ومن الإعجاز أن هذه الآية جاءت في سورة الزمر، والسيّاق العام فيها يبني عقيدة الوحدانية الخالصة والمسؤولية الفردية:

  • فيبدأ بإنكار اتخاذ الشفعاء والوسائط بحجة القربى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3]
  • ثم يؤكد أن النبي لا ينقذ من في النار: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ [الزمر: 19].
  • ثم يقرر بأن الشفاعة ملك خالص لله وحده: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: 44].

يوضح هذا الترابط المحكم أن الشفاعة المأذون بها يوم القيامة لا تتقاطع أبداً مع القوانين والسنن الإلهية العادلة؛ فالقانون القرآني صارم وقاطع: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49] وبموجب هذا العدل، فإن من يظلم، ويفسد، ويرتكب الكبائر دون توبة أو رد للمظالم، تحق عليه عقوبة قطعية لا ينقضها استعطاف أو وساطة وقد حقت ﴿عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾

وبذلك تنقطع الأسباب والوسائط عن هؤلاء المجرمين إلا إذا كانوا قد اتخذوا عهداً خاصاً مع الله بالنجاة، وهو ما ينفيه التنزيل حاسماً أمانيهم بقوله جل وعلا: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا. لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 87- 88] فالعهد الحقيقي والوحيد لنيل الشفاعة والرحمة هو عهد الإيمان والاستقامة الذي التزم به الصالحون في الدنيا مصداقًا لقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10] فتكون الشفاعة حصراً وتكريماً لمن ارتضى الله قوله وعمله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾ وهو تعالى لا يرضى عن المجرمين والظالمين.

قيمة الشفاعة وأبعادها النفسية والروحية:

ويبقى السؤال حاضرًا: ما قيمة الشفاعة والمشفوع له قد ارتضاه ربه؟

وللإجابة عن هذا السؤال، علينا بالعودة إلى ما بدأنا به من مشهد يوم القيامة المهيب؛ ذلك الموقف العصيب واليوم الثقيل الذي ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: 17] ففي هذا السياق المتجاوز للوصف الدنيوي، تظهر القيمة الحقيقية والأثر الروحي والنفسي العظيم للشفاعة عبر مستويين رئيسيين:

أولاً: إظهار وتكريم مقام الشافع والمشفوع له (الشهادة بالحق)

الشفاعة في الآخرة مشهد تكريمي جليل، يسمح الله تعالى فيه للمقربين من ملائكته أو رسله بالنطق بالحق أمام الخلائق؛ إظهاراً لمنزلتهم وقبولاً لدعائهم، وهي في حقيقتها تزكية وشهادة بالحق لمن استحق الرضا الإلهي بإيمانه وعمله مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86].

ثانياً: إذهاب الروع وإحلال السكينة والطمأنينة في القلوب الوجلة

إن العبد المؤمن الصالح – مهما اجتهد في الدنيا وسارع في الخيرات – لا يدخل ساحة العرض مغروراً أو متكلاً على عمله، بل يدخل مستعظماً لجلال الله، شاعراً بالتقصير، ومشفقاً من مقام الحساب؛ كما وصفهم القرآن الكريم بدقة نفسية باهرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ… وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ. أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 57-61].

وفي وسط ذلك المشهد المهيب والخشوع المطلق، تظهر القيمة الروحية العظمى للشفاعة؛ حيث يأذن الله تعالى للمقربين بالنطق بتزكية هذه النفوس الخائفة، لتكون الشفاعة بمثابة إعلان إلهي رسمي يُنهي الفزع ويبدد الروع ويسكن الوجل عن قلوبهم، ويُعلمهم برضا الله وقبوله لتوبتهم وأعمالهم.

أمثلة واقعية: كيف تبدلُ التزكيةُ الروع طمأنينةً؟

ولتقريب هذا المفهوم القرآني لذهن القارئ، وإخراجه من الأوهام التراثية والمذهبية التي جعلت الشفاعة أشبه بـ “المحسوبية” ونقض القوانين، يمكننا تأمل الأمثلة الواقعية التالية من حياتنا المعاصرة التي تجمع بين عدالة المنطق وبلسم الطمأنينة:

  • مثال الترقية الأكاديمية والمهنية (شفاعة الرفع والتزكية):

تأمل طالباً متميزاً سهر الليالي واجتهد، وحصل على أعلى الدرجات بموجب جهده وعمله، أو موظفاً أثبت كفاءة منقطعة النظير في مؤسسته. هنا، يتقدم الأستاذ المشرف أو مدير القسم بـ “خطاب توصية أو تزكية” إلى الإدارة العليا، طالباً منح هذا الطالب منحة دراسية استثنائية، أو ترقية هذا الموظف لمرتبة عليا، هذه التزكية هي عين الشفاعة المأذونة؛ فالأستاذ لم ينقذ طالباً فاشلاً أو غاشاً، بل “ضم صوته ومقامه” لتكريم طالب ناجح مستحق أصلاً، إظهاراً لكرامته ورفعة لدرجته.

  • مثال محكمة العدل وتبديد روع الأبرياء (نموذج السكينة):

تأمل موظفاً نزيهاً أو مواطناً ملتزمًا بالقانون، وُجد في سياق قضية شائكة واضطر للمثول أمام قاضٍ مهيب أو لجان تحقيق صارمة، هذا الشخص – رغم براءته ونزاهته وثقته في عدالة المحكمة – يدخل القاعة وقلبه يرتجف رهبةً من جلال الموقف وهيبة القضاء، ويشعر بالوجل ألا تسعفه الكلمات لتبرئة نفسه وتوضيح موقفه، وفي وسط هذا الروع يتقدم رجل مشهود له بالحق والأمانة، ويأذن له القاضي بالكلام، فيشهد بحسن سيرة هذا الموظف ونزاهته الموثقة.

هنا، بمجرد صدور هذه الشهادة والتزكية، ينقشع الخوف والروع فوراً عن قلب ذلك الموظف النزيه، وتتبدل حيرته طمأنينة وسكينة؛ لأنه علم أن نزاهته قد عُرفت وقُبلت رسميًا في المحكمة.

هذا المثال الدنيوي يقرب لنا تماماً ما يحدث في الآخرة؛ فالشفاعة المأذونة في جوهرها هي نفحة رحمة وجبر إلهي وتكريم من رب رحيم ودود لقلب عبد عاش مشفقاً من ربه، فجاءت الشفاعة لتثبّت فوزه وتُلبسه رداء الأمان والرفعة، وهذا التبدد المباشر للفزع هو ما يقرره المحكم في سياق الشفاعة تماماً: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ، قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23].

في ذلك الموقف العصيب، عندما تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتخشع الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً، يتجلى اللفظ الإعجازي الحاسم في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ ليدل على أنه أُزيل الفزع وانقشع الروع عن قلوبهم، واستقرت الطمأنينة بصدور الإذن بالحق وتزكية النفوس الصالحة.

فالشفاعة إذن، ليست وساطة التفافية لإنقاذ مجرم مُصرّ على كبائره وظلمه، بل هي منتهى اللطف والتكريم للمتقين الوجلين.

نقد القرآن لعقلية الاتكال والوساطة عبر التاريخ

وهنا يكمن الجواب على حقيقة الاختلاق المذهبي؛ فالمذاهب حاولت صياغة مفهوم “النجاة بالهوية الاسمية”، عبر إقناع الأتباع بأن مجرد التلفظ بـ “الشهادتين” كافٍ لدخول الجنة رغماً عن الكبائر والمظالم اتكالاً على الشفاعة، وهذا المسلك هو إعادة إنتاج دقيقة للأوهام اليهودية والمسيحية القديمة التي نسفها القرآن حاسماً الأمر في قوله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] كما ذكر مزاعمهم القديمة في قوله: ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً، قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: 80] فالإيمان والشهادة في المفهوم القرآني هما منهج حياة وعمل وعقد التزام، وليس صك غفران لغوي يُشرعن الفساد والظلم المانع أصلاً من الرضا والشفاعة.

فهذا التوسيع المذهبي للشفاعة يعيد إلى الأذهان العقلية والأساليب التي انتقدها القرآن في الأقوام السابقة، أولئك الذين كانوا يهربون من عبء المسؤولية الفردية بالبحث عن وسيط يحميهم، وهو ما سجله القرآن مبيناً مسلكهم النفسي: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]

تلاشي التكتلات والمذاهب أمام المسؤولية الفردية

وقد حسم القرآن الكريم هذا التوهم المذهبي بقطع أسباب الاتكال والالتجاء إلى غير العمل الصالح، حيث يوجه الله تعالى نداءه للمؤمنين يضعهم فيه أمام حقيقة المشهد الأخروي الصارم، فيقول جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ…﴾ [البقرة: 48] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ..﴾ [البقرة: 254] مما يؤكد أنه لا توجد شفاعة أشخاص منفصلة عن شفاعة العمل، فالإنفاق، والتقوى، والعمل الصالح، واستقامة القول، هي المؤهل الأول لقبول الشفاعة للعبد؛ لأنها هي التي تُدخله في دائرة الرضا الإلهي ﴿لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾ أما من حُرِم شفاعة عمله لإصراره على الكبائر والظلم، فقد حُرِم بالضرورة رضا الله تعالى ومَن حُرِم الرضا فلن تنفعه شفاعة الشافعين ولو كان بينه وبين الأنبياء أقوى الأسباب ولو كان والده أو ولده، ولنا في قصة الخليل إبراهيم مع أبيه والنبي الكريم نوح مع ابنه الأسوة والدليل.

فكما نرى في هذا المشهد المهيب، لا مجال هناك للتكتلات البشرية أو المذاهب التي تتوهم أنها ستحتمي خلف أنبيائها ليعبروا بهم رغماً عن سوء أعمالها؛ إذ تتلاشى في ذلك اليوم كل الخِلال والتحالفات، وتنقرض الشفاعات الالتوائية، لتصبح كل نفس رهينة عملها ومشغولة بمصيرها الخالص، وهو ما تؤيده وتحسمه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل: 111].

يقرر القرآن حتمية الوقوف الفردي للحساب في قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95] فحينها يتجرد الإنسان تماماً من جماعته، وأنصاره، وأمواله التي اعتمد عليها في دنياه ليقف وحيداً كما بدأ أول مرة، مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94]

بناءً على هذا، يتضح أن ما افترته الروايات المذهبية بوعد الشفاعة والنجاة لأهل الكبائر والمظالم دون توبة، ليس إلا نتاج عقلية موروثة حاولت تبرير الفساد وإعطاء صكوك غفران للمنتسبين إليها.

تفكيك وهم “محامي الطريقة” في الفكر الصوفي

ويمتد هذا المسلك النفسي المذهبي ليتجسد بشكل صارخ في بعض الطرق الصوفية التي يعتقد أتباعها أن إمام الطريقة أو الشيخ سيشفع لهم ويكون محامياً يجادل عنهم أمام الله تعالى يوم الحساب، وهو تصور يصطدم مباشرة بجوهر التنزيه والتوحيد القرآني؛ إذ يصور الخالق ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ بمظهر مَن يملك مخلوقٌ أن يراجعه أو يذكره إذا نسي، بينما القرآن صريح في نفي النسيان والغفلة كلياً عن الذات الإلهية في قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64] كما أن فكرة اتخاذ إمام الطريقة محامياً يجادل عن مريديه تنسفها تماماً الآيات العادلة التي تفرض المواجهة الفردية وتؤكد أن الأتباع والقادة سيتبرأ بعضهم من بعض، حيث يقول سبحانه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: 166].

ضوابط أدب الدعاء والشفاعة في الدنيا

وانطلاقاً من هذا الحظر القرآني لاتخاذ الوسائط والأئمة كشفعاء مستقلين، نصل إلى الإجابة عن الشق المتعلق بالدعاء: هل يصح أن نطلب شفاعة الرسول في أدعيتنا، أو نقول “اللهم شفّع فيّ نبيك”؟ المنطق القرآني يمنع ذلك بوضوح بناءً على أصل توحيد الدعاء؛ فالأدب مع الله تعالى والرسول يكون بطلب الرحمة والمغفرة من الخالق أولاً بالصيغ المباشرة، ثم باتباع الرسالة التي جاء بها النبي عملياً – والمحصورة في كتابه – مصداقًا لقوله تعالى على لسان نبيه ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31] ولم يقل (قل إن كنتم تحبون الله فادعوني أشفع لكم أو أغفر لكم)

محاكمة روايات تخاذل الأنبياء ومقولة “أنا لها”

وهذا يقودنا تلقائياً إلى محاكمة الروايات التراثية الشائعة التي تروي تخاذل الأنبياء – حاشاهم – وقولهم “نفسي نفسي” وانفراد رسولنا الكريم بمقولة “أنا لها”؛ فهذا المشهد الدرامي – عند عرضه على محكم القرآن – يظهر كأنه افتراء وإساءة أدب بالغة مع رسل الله؛ إذ يُصوِّر أولي العزم من الرسل بالأنانية والاهتمام بذواتهم فقط، وهو ما يتناقض تماماً مع خُلق الأنبياء القائم على الحلم والشفقة بالبشر.

ولنتأمل كيف يصف تعالى الخليل إبراهيم عندما علم بنزول العذاب على قوم لوط (وهم ليسوا بقومه): ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ . إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: 74-75] فمن كان هذا حلمه وتألمه وتوجعه من بلاء يصيب العصاة في الدنيا، كيف يُعقل عقلاً وقرآناً أن يُنسب إليه الانكفاء والجزع في مقام الأمان والكرامة يوم القيامة؟!

منزلة التواضع وعدم التمييز بين الرسل

كذلك، فإن عبارة “أنا لها” المنسوبة للنبي تُظهره بمظهر من يُزكي نفسه ويتميز استعلاءً على آبائه وإخوانه من الأنبياء، في حين أن القرآن ركّز في بناء عقيدة المسلم على التواضع وعدم المفاخرة الإقصائية، كما في قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] وأمر النبي أن يعلن بشريته وعدم تحكمه في المصائر والأقدار بقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9] فمن كان لا يدري ما يفعل به ولا بنا فكيف يملك النفع والضر لنفسه أو لغيره؟ يجيب تعالى على لسان نبيه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 188]

وختامًا: إن كل هذا التأسيس القرآني المحكم تلخصه أشهر آية في كتاب الله تعالى؛ الآية التي نتلوها مراراً وتكراراً بلساننا، ثم يخالف كثيرون منا مقتضاها بقلوبهم واعتقادهم إما غفلةً ونسياناً، وإما علواً وتشبثاً بالأماني؛ وهي آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ… مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ…﴾ [البقرة: 255].

وهنا تبرز الفجوة الصادمة بين التلاوة والاعتقاد؛ فهل من الأنبياء أو الرسل أو الملائكة المقربين مَن يتصف بأنه “الحي القيوم” الذي يدبّر شؤون الكون ولا تأخذه سنة ولا نوم؟ وهل منهم مَن يملك السموات والأرض ليتصرف في مصائر العباد يوم القيامة؟

إننا نقرأ الاستشهاد الاستنكاري الحاسم في قلب الآية: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾؟! ومع ذلك، نقع في المخالفة الصريحة عند الدعاء أو عند صياغة أمانينا التراثية، حين نعتقد في شفاعة للرسول عليه الصلاة والسلام تملك أن تلتف على ميزان العدل وتنقذنا من سوء أعمالنا؛ وكأننا نسينا أن الشفاعة مقام خاضع لإرادة ملك يوم الدين وحده، لا أنه تفويض ممنوح لبشر يتصرف فيه كيف يشاء.

إننا نتلو آية الكرسي لبيان عظمة الله الخالصة، لكننا في لحظة الرجاء نميل لتعليق نجاتنا بوساطة دنيوية تنقض عدل “الْحَيُّ الْقَيُّومُ”، في تناقض صارخ بين ما ننطق به من الحق، وبين ما نتمناه من تملص من المسؤولية الفردية.

وبناءً على هذا السياق القرآني المتلاحم، نخلص إلى أن الشفاعة المأذونة هي شهادة بالحق وأمان وطمانينة من الفزع والخوف لمن استحق الرحمة والرضا بأعماله أصلاً، وليست وساطة لنقض الأحكام، وأن المنجى الحقيقي والوحيد هو إخلاص الدعاء والعبادة لله سبحانه وتعالى والتوكل عليه والثقة بعدله، والعمل الصالح، ورد المظالم، حيث تختصر الآية التالية حقيقة الفوز والنجاة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].

الباحثة: شيماء أبو زيد

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.