السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أريد أن أسأل عن توبة الكافر ومقولة أن الإسلام يجبُّ ما قبله، ماذا لو كان هذا الكافر مغتصبًا، أو يدير شبكة إتجارٍ بالنساء، أو قاتلًا؛ هل تُمْحَى حقوق العباد؟
ألم يقل الله تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ أليس الشرك ظلمًا؟ وقد اشترط ربنا الإصلاحَ، والإصلاحُ يكون في حقوق العباد. أفيدوني جزاكم الله خيرًا.
الجواب:
وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، تطرح هذه المسألة قضيةً يتعلق بها جوهر العدل الإلهي؛ إذ يظن البعض أن دخول الكافر في الدين بمنطلق «الإسلام يجُبُّ ما قبله» يُسقط تلقائياً مظالم العباد وتكاليف العدالة الجنائية.
غير أن الاستقراء القرآني يقطع هذا الظن؛ إذ يضع القرآن الكريم الجاني المسلم والكافر في كفة واحدة أمام ميزان القسط، قاطعاً الطريق أمام أي مظنة للتحيز أو المحاباة بالانتساب الديني؛ فالعدوان على البشر، وسلب حرياتهم، واستباحة أعراضهم، وسفك دمائهم هي اعتداءاتٌ أخلاقية وجرائمُ ثوابت لا يتغير قبحها ولا يخف أثرها بتبديل الوصف الديني لفاعلها؛ مصداقاً لقوله تعالى مخاطباً أمة الإسلام: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123].
وإن قيل: كيف يُحاسَب الكافر عن جرائمه السابقة وهو لم يصله الدين بعد؟ يرد على ذلك، بأن القرآن الكريم يرفع هذا العذر كلياً؛ لأن الله تعالى أقام حجته الأخلاقية والعقلية على البشرية جمعاء عبر الرسالات والفطرة: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 165]، فهذا الكافر لم يكفر لأنه كان في معزل عن النذر: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24].
وبما أنه لم تخلُ أمةٌ من نذير، وبما أن قبح القتل والاغتصاب وسلب الحقوق مودعٌ في الفطرة ومُجرّم في كل شرائع الأرض وأعرافها عبر التاريخ، فالرسالات السماوية والتعاليم المورثة من دين الله عبر التاريخ – بل وحتى القوانين والأعراف البشرية القديمة – اشتركت كلها في تجريم العدوان وتأثيم الظالم؛ حتى وإن خالطت بعضها بعض الطقوسٌ أو الممارسات المؤدية إلى الشرك للتقرب من الإله، ولكن بما أن أصلها دين الله تعالى وفطرته وشريعته، فإنها لم تجعل القتل والغصب والاغتصاب شريعةً عامةً مباحة؛ فالعدوان يُخالف بديهيات العقل والفطرة المودعة في النفس البشرية، ولا عذر لظالم في اعتداءاته بدعوى عدم البلاغ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30] فالقرآن هاهنا سمّى أصل الدين فطرة؛ لأن قبح العدوان وجلال القسط مغروسان في طبيعة النفوس وبديهة العقول قبل تنزّل الشرائع.
الرد على الاعتراضات باقتطاع الآيات عن سياقها
وقد يقول قائل “ولكن أليس المسلم التائب متميزاً بموعود المغفرة الشاملة والمشيئة الإلهية لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 116]؟
والرد المنهجي على هذا الاعتراض هو أن هذه الآيات وأمثالها كُثيراً ما تُقتطع من سياقها القرآني ومن الآيات المفسرة والشارحة لها؛ فالقرآن الكريم لا يجوز التعامل معه كأجزاء متفرقة، بل هو وحدة متكاملة يُصدّق بعضُه بعضاً ويُبين بعضُه بعضاً، والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها:
- في سورة الزمر: أُتْبِعت آية عدم القنوط فوراً بشرط الإنابة والاتّباع والعمل: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: 54] ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 55]؛ ومن أبرز أحكام ما أُنزل موازين القصاص وصيانة النفوس: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
- في سورة النساء: أُتْبِعت آية المغفرة بنفي الأماني مجردةً عن العمل، والتأكيد على الجزاء العادل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ…﴾ [النساء: 122]، ثم حسم الموقف بقوله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أ أهلِ الكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123].
ومما يؤكد محورية شرط الإصلاح في الشريعة، قوله تعالى في شأن الجرائم الممتدة للمجتمع: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 160]؛ فالذَّنْب إذا تجاوز حق الله ليمسّ العباد وآلامهم، فإن التوبة منه تستلزم حتماً تدارك الفساد وإصلاح آثاره.
- المعنى الصحيح لآية ﴿إِن يَنتَهُوا يُغْفَر لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾
كذلك يُفهم قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَر لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] في سياق إنهاء الحرب والعدوان السياسي والعسكري على المجتمع المسلم، مصداقاً لقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 90]، ولا يعني إهدار حقوق الضحايا الفردية؛ لأن المغفرة مشروطة بالإصلاح: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 89].
أما التقصير والذنوب التي بين العبد وربه (كترك العبادات أو الإساءة للنفس) فهي التي يتساقط أثرها بالإسلام والإنابة: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114].
- “الإسلام يجُبّ ما قبله” وما يطابقها من مقولات الغفران التلقائي
ومن هنا، فإن المفهوم المجرد لمقولة «الإسلام يجُبُّ ما قبله»، أو ما يتشابه ويتطابق معها من المقولات المبنية على الظن، بأن أداء طقوسٍ وعبادات معينة – كمقولات «من حجّ رجع كيوم ولدته أمه» أو «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه» – يمسح المظالم تلقائياً، هو تحويل للتوبة إلى ما يشبه “صكوك الغفران” على حساب حقوق الضحايا، وقولٌ على الله بما لم ينزل به من سلطان.
فهذا التصور يتجاهل أن الأنبياء والرسل لم يكونوا يملكون إسقاط مظلمة؛ إذ نزل التوجيه الإلهي لخاتم النبيين ﷺ صريحاً: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128] فإذا كان الأنبياء لا يملكون إهدار حقوق العباد، فكيف يُمنح المجرم صك عفوٍ مجاني؟ فإن صحة إسلامه أو صدق توبته يقتضيان التسليمَ والخضوعَ للعدل، لا الهروبَ والالتفافَ على الحقوق.
تطبيقات شرعية: قياس المال على الأعراض والدماء
يتضح هذا المبدأ جلياً في تحريم الربا؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279] فالقرآن لم يكتَفِ بالتوبة القلبية للمرابي، بل اشترط رد الفوائد المأخوذة بغير حق؛ تحصيلاً للعدل.
فإذا كان هذا صريحاً في مسألة المال – وهو جرم مادي يُمكن تعويضه – فإن سفك الدماء، وهتك الأعراض، واغتصاب النساء، والإتجار بالبشر لهو أشدُّ جُرماً وأعظم أثراً؛ فإذا لم يُسقط الإسلامُ تبعات الظلم المالي بالتوبة المجردة، فمن البديهي ألا يُسقط التبعات الجنائية في الجرائم التي تمس جوهر الكرامة الإنسانية.
خطوات الإصلاح العملي في الجرائم الكبرى
تتجلى التوبة الصادقة وشرط الإصلاح القرآني في خطوات عملية حاسمة:
- التفكيك الفوري لشبكة الإجرام: ﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 192]، بإيقاف العدوان وتحرير النساء المستغلات فوراً.
- جبر الضرر وتعويض الضحايا: عملاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، بتقديم التعويضات المادية والمعنوية، والسعي في إعادة تأهيل الضحايا.
- تسليم النفس للعدالة والاستسلام للقصاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135] وتأدية الحقوق تمتد لانتهاك الأعراض استناداً إلى القاعدة الكلية: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194]؛ وحيث إن الاغتصاب يُمتنع فيه القصاص بالمثل شرعاً وعقلاً، فإن القصاص للحرمات فيه يتجلى في خضوع المجرم للعدالة وتطبيق العقوبات الرادعة بحقه.
الرحمة المشروطة حماية للمجتمع
إن فتح باب التوبة بشرط الإصلاح يمتد ليكون صمّام أمان للمجتمع؛ إذ إن انسداد أمل النجاة يدفع الجاني إلى الاسترسال في طغيانه ومضاعفة أعداد الضحايا. فحين يعلم أن إنابته الصادقة المقترنة بـ «الإصلاح، وتفكيك الإجرام، وجبر الضرر» كفيلةٌ بإنقاذه، تتحول التوبة إلى دافعٍ لوقف الانتهاكات وتحرير المستغلَّات، فتتحقق مصلحة المظلوم وصيانة المجتمع.
فإذا تاب العبد وأصلح ولم يُصرّ على ذنبه، شمله الفضل الإلهي: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] أما المصرُّ على ظلمه فيُغلق على نفسه مسارات الرحمة: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]، حتى يحل به قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18]
جبر المظلومين يوم القيامة
وحين يفوت أوان القصاص في الدنيا – كأن يموت الضحية أو يتعذر تعويضه – يكتمل العدل بالجبر الإلهي للمظلومين في الآخرة؛ فالله تعالى أرحم بالضحايا من أن يجمع عليهم مرارة الظلم في الدنيا وحرمان الحق في الآخرة؛ حيث يتولى سبحانه توفية الحقوق: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]، ويجبر المظلومين بالنعيم والسرور: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: 11]، وينزع ما في صدورهم من ألم وغلّ ليدخلوا الجنة في سلامٍ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47].
الباحثة: شيماء أبو زيد


جزاكم الله خيرا على التوضيح الرائع