حبل الله
هل تسقط حقوق العباد بالإسلام أو التوبة ؟

هل تسقط حقوق العباد بالإسلام أو التوبة ؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أريد أن أسأل عن توبة الكافر ومقولة إن الإسلام يجبُّ ما قبله، ماذا لو كان هذا الكافر مغتصبًا، أو يدير شبكة إتجارٍ بالنساء، أو قاتلًا؛ هل تُمْحَى حقوق العباد؟

ألم يقل الله تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ أليس الشرك ظلمًا؟ وقد اشترط ربنا الإصلاحَ، والإصلاحُ يكون في حقوق العباد. أفيدوني جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، تطرح هذه المسألة قضيةً تتعلق بجوهر العدل الإلهي؛ إذ يظن البعض أن دخول الكافر في الدين بمنطلق «الإسلام يجُبُّ ما قبله» يُسقط تلقائياً مظالم العباد وتكاليف العدالة الجنائية.

غير أن الاستقراء القرآني يقطع هذا الظن؛ إذ يضع القرآن الكريم الجاني المسلم والكافر في كفة واحدة أمام ميزان القسط، قاطعاً الطريق أمام أي مظنة للتحيز أو المحاباة بالانتساب الديني؛ فالعدوان على البشر، وسلب حرياتهم، واستباحة أعراضهم، وسفك دمائهم هي اعتداءاتٌ أخلاقية وجرائمُ ثوابت لا يتغير قبحها ولا يخف أثرها بتبديل الوصف الديني لفاعلها؛ مصداقاً لقوله تعالى مخاطباً أمة الإسلام: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123].

وإذا قيل: كيف يُحاسَب الكافر عن جرائمه السابقة وهو لم يصله الدين بعد؟ يُرد على ذلك، بأن القرآن الكريم يرفع هذا العذر كلياً؛ لأن الله تعالى أقام حجته الأخلاقية والعقلية على البشرية جمعاء عبر الرسالات والفطرة: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 165]، فهذا الكافر لم يكفر لأنه كان في معزل عن النذر: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24].

وبما أنه لم تخلُ أمةٌ من نذير، وبما أن قبح القتل والاغتصاب وسلب الحقوق مودعٌ في الفطرة ومُجرّم في كل شرائع الأرض وأعرافها عبر التاريخ، فالرسالات السماوية والتعاليم المورثة من دين الله عبر التاريخ – بل وحتى القوانين والأعراف البشرية القديمة – اشتركت كلها في تجريم العدوان وتأثيم الظالم؛ حتى وإن خالطت بعضها بعض الطقوس أو الممارسات المؤدية إلى الشرك للتقرب من الإله، ولكن بما أن أصلها دين الله تعالى وفطرته وشريعته، فإنها لم تجعل القتل والغصب والاغتصاب شريعةً عامةً مباحة؛ فالعدوان يُخالف بديهيات العقل والفطرة المودعة في النفس البشرية، ولا عذر لظالم في اعتداءاته بدعوى عدم البلاغ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30] فالقرآن سمّى أصل الدين فطرة؛ لأن قبح العدوان وجلال القسط مغروسان في طبيعة النفوس وبديهة العقول قبل تنزّل الشرائع.

وأما قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فالمراد به أن كثيراً من البشر يمارسون الأخلاقيات الرافضة للظلم ووضعوا القوانين المجرّمة للعدوان، لكنهم يجهلون أن مصدر هذه البديهيات إنما هو (فطرت الله) المودَعة في نفوسهم بموجب أصل الخَلْقِ والتكوين الأول: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ [السجدة: 9] فيحسبونها مجرد قوانين وضعية أو أعراف مدنية.

وغفلتهم عن المصدر الرباني لا تلغي وجود هذا الميزان الحاكم في نفوسهم، ولا تنفي إدراكهم الضروري لقبح العدوان؛ ومن ثَمَّ فلا عُذر لظالمٍ يستبيح الحريات والدماء بدعوى الجهل بالأصل الديني لهذه الحرمات. 

الرد على الاعتراضات باقتطاع الآيات عن سياقها

وقد يقول قائل “ولكن أليس المسلم التائب متميزاً بموعود المغفرة الشاملة لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 116]؟

والرد المنهجي على هذا الاعتراض هو أن هذه الآيات وأمثالها كُثيراً ما تُقتطع من سياقها القرآني ومن الآيات المفسرة والشارحة لها؛ فالقرآن الكريم لا يجوز التعامل معه كأجزاء متفرقة، بل هو وحدة متكاملة يُصدّق بعضُه بعضاً ويُبين بعضُه بعضاً، والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها:

  • في سورة الزمر: عند قراءة السورة كبناءٍ متماسك، نجد أن الآية ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ…﴾ تُبين فتح باب الرحمة وعدم القنوط من حيث قدرة الله تعالى ورحمته الشاملة لجميع أنواع الذنوب، ولكنها تُتْبَع فوراً بشرط الإنابة والاتّباع والعمل الصالح في الآيات التالية: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: 54] والاتّباع يشترط التزام ما أنزله الله تعالى في كتابه من أحكام وتعاليم ولذا أعقبها بقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: 55] ومن أبرز هذه الأحكام هي موازين القصاص والعدل وإصلاح حقوق العباد التي تحييه مصداقًا لقوله تعالى ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾  [المائدة: 32].
  • وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ لا يعني منح حصانة للمجرمين أو إهدار حقوق المظلومين، لأن السياق القرآني ذاته في نفس السورة يربط المغفرة والجزاء الإلهي بشرط الإيمان المقرون بـ «العمل الصالح» ونفي الأماني الشكلية والأقوال المجردة عن العمل؛ حيث يقول سبحانه في السياق ذاته بعدها بآيات قليلة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ… وَوَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122] ثم يعقبه تعالى بحسم الموقف بقطع الأوهام ونفي تميز أي فئة بدعوى الانتساب الديني المجرد دون عمل وإصلاح: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] ويتبعها بوجوب العمل الصالح ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124].
  • ومما يؤيد محورية شرط الإصلاح وجوبه في قبول التوبة، قوله تعالى في شأن الجرائم الموجهة للعباد والمجتمع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 159-160] فالقرآن الكريم لم يكتَفِ بطلب التوبة المجردة لإسقاط اللعنة والعقاب، بل أردفها فوراً بشرطين عمليين حاسمين: ﴿وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ وحيث إن ذنب هؤلاء كان ممتداً لأذية الناس وتضليلهم، فإن توبتهم لم تُقبل بمجرد الإقلاع الفردي أو الندم الباطن، بل اشترط الله تعالى عليهم إصلاح ما أفسدوه، وتبيين الحق الذي كتموه وإعلانه للناس، وهذا يؤكد مبدأ قرآنياً أصيلاً: أن الذنب إذا تجاوز حق الله ليمسّ العباد وآلامهم ومصالحهم، فإن التوبة منه تستلزم حتماً تدارك الفساد بالتبيين، وإصلاح آثار الجريمة، وجبر الضرر الواقع على الضحايا.
  • المعنى الصحيح لآية ﴿إِن يَنتَهُوا يُغْفَر لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ 

كذلك يُفهم قوله تعالى في سورة الأنفال في سياق إنهاء الحرب والعدوان على المجتمع المسلم، وليس في إهدار حقوق المظلومين والضحايا: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَر لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ. وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: 39].

﴿إِن يَنتَهُوا﴾ أي يكفّوا عن المحاربة والصد عن السبيل والعدوان؛ فالآية ترسي قواعد إيقاف القتال مع الجماعة والدولة عند الكف عن الحرب، ولا تعفي مجرماً من التزاماته الأخلاقية والجنائية تجاه الضحايا مصداقًا لقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 90]

فالقرآن لم يجعل المغفرة مجانية باللسان، بل قرن قبول التوبة – سواء كانت من الشرك أو من حقوق العباد – بشرط صارم ومباشر هو «الإصلاح» مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85] وأعقبها في السياق: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 89]

فالنسيج القرآني يقطع الطريق أمام أي استغلال لنصوص المغفرة لإسقاط حقوق العباد؛ إذ يربط المغفرة حتماً بالعمل الصالح والإصلاح ويجعل العدل الإلهي مطلقاً لا يظلم أحداً نقيراً.

أما التقصير والذنوب التي بين العبد وربه (كترك العبادات أو الإساءة إلى النفس) هي التي يتساقط أثرها بالإسلام والإنابة والطاعات مصداقًا لقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:114]

  • “الإسلام يجُبّ ما قبله” وما يطابقها من مقولات الغفران التلقائي

ومن هنا، فإن المفهوم المجرد لمقولة «الإسلام يجُبُّ ما قبله»، أو ما يتشابه ويتطابق معها من المقولات المبنية على الظن، بأن أداء طقوسٍ وعبادات معينة – كمقولات «من حجّ رجع كيوم ولدته أمه» أو «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه» – يمسح المظالم تلقائياً، هو تحويل للتوبة إلى ما يشبه “صكوك الغفران” على حساب حقوق الضحايا، وتقولٌ على الله بما لم ينزل به من سلطان؛ إذ يمثل جرأةً غير محسوبة على ميزان العدل والقسط الإلهي المطلق الذي لا يغفل عن صغيرة ولا كبيرة فـــ ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 16].

إن هذا التصور يتجاهل أن الرسل وأنبياء الله جميعاً – وهم أعظم الخلق مقاماً – لم يكونوا يملكون هذا الحق، ولا يملكون إسقاط مظلمة أو التحكم في رحمة الله وعذابه بعيداً عن ميزان العدل، بل نزل التوجيه الإلهي لخاتم النبيين ﷺ صريحاً حاسماً: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128] فإذا كان الأنبياء لا يملكون إسقاط حقوق العباد ولا يتدخلون في ميزان العدل الإلهي، فكيف يُمنح الظالم المجرم صك عفوٍ مجاني يُمحى به عذاب المظلومين وآلامهم؟ فإنّ صحة إسلامه أو صدق توبته يقتضيان التسليمَ والخضوعَ للعدل، لا الهروبَ والالتفافَ على الحقوق.

  • شمول المغفرة الإلهية لجميع الذنوب بشرط عدم الإصرار

إن أرحم الراحمين يبين لنا أن باب الرحمة والمغفرة مفتوح لأعظم الذنوب؛ رفعاً للقنوط من النفوس، وحثّاً للعباد على الإنابة مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54] غير أن هذا الاتساع في الرحمة ليس إهداراً للموازين، (وَأَصْلَحَ) بل يربطه البيان القرآني بموقفٍ سلوكي ونفسي صارم من العبد، ويتجلى في القطع التام مع الذنب ونفي الإصرار عليه؛ إذ يقول سبحانه في وصف من استحقوا المغفرة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]. 

  • فمهما بلغ حجم الجرم – ولو كان من أفظع الكبائر كالإتجار بالنساء، أو القتل، أو الزنا – فإن التوقف الفوري، واقتران الإيمان بالعمل الصالح الجاد، ورد الحقوق لأصحابها، يتفلّق عنه التكفير الإلهي، بل وتبديل تلك السيئات إلى حسنات: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ، وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ، وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 68-70].
  • وعلى الضفة المقابلة، تكمن خطورة التمادي بالظلم أو التهاون في رد المظالم؛ إذ إن العبد الذي يصرُّ على عدوانه ويستمر في سلب حقوق الضعفاء يُغلق بنفسه مسارات الرحمة؛ لأن التمادي في الذنب يورث تراكم الران على القلب حتى يعميه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]، وينتهي بالمُصِرِّ إلى لحظة الانسداد الفعلي التي يُسلب فيها فضل التوبة ولا يُقبل منه استغفار: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18].

ملمح هام: مع ضرورة العلم أنّ فتح باب التوبة لا يقتصر أثره على المذنب وحده، بل يمتد ليكون صمّام أمان للمجتمع وحمايةً للضحايا ومَن هم عرضة للعدوان؛ لكن إنّ سدّ باب الأمل أمام العاصي أو المجرم يدفعه إلى التمادي في غيّه، والاسترسال في العدوان، والتحول إلى كائن ضارٍّ لا يرجو برّاً ولا يخشى عقاباً، ما يضاعف أعداد الضحايا ويتسع معه نطاق الفساد.

فحين يعلم الجاني أن إنابةً صادقة مقترنة بـ «الإصلاح وتفكيك الإجرام وجبر الضرر» كفيلةٌ بإنقاذه، تتحول التوبة هنا إلى وسيلة لإنقاذ ضحايا جدد، ودافعٍ للمجرم لوقف الانتهاكات، وتحرير المستغلَّات، وردّ ما يمكن رَدّه من حقوق، فيتحقق بهذه الرحمة المشروطة مصلحةُ المظلوم وصيانةُ المجتمع، إلى جانب نجاة التائب.

مثال الجنايات المالية:

  • مما يوضح هذا المبدأ جلياً في القضايا المالية، تحريم القرآن الكريم لـ الربا؛ فالربا وإن كان معصيةً وكفراً بنعم الله تعالى، إلا أن التوبة منه لم يُجعل أثرها مسقطاً لتبعاته المادية على أصحاب الأموال حيث قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279] فالقرآن لم يكتَفِ بإعلان التوبة القلبية للمرابين، بل حدد شرطاً تطبيقياً عادلاً لحماية حقوق العباد، وهو رد الفوائد الربوية المأخوذة بغير حق والاكتفاء بـ (رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ) فقط، وهذا يؤكد أن التوبة في الشريعة لا تمحو أكل أموال الناس بالباطل ولا تُشرعن الاستيلاء عليها، بل توجب رفع الظلم المالي وإعادة الحقوق إلى أصحابها تحصيلاً لعدل ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. 

وإذا كان هذا صريحاً حاسماً في مسألة المال – وهو جَرَمٌ ماديٌّ يُمكن تداركه وتعويضه – فكيف بقضايا الأعراض والدماء وسلب الحريات؟

إذا كان أكل مال الناس بالباطل في الربا لا يُعفى منه الآكل بمجرد التوبة والندم حتى يَرُدَّ الفوائد لأصحابها ويستبقي رأس ماله فقط، فإن سفك الدماء، وهتك الأعراض، واغتصاب النساء، والإتجار بالبشر لهوُ أشدّ جُرماً وأعظم أثراً؛ إذ لا تُقاس آلام الضحايا وكسر نفوسهن بأي مال.

فإذا لم يُسقط الإسلامُ تبعات الظلم المالي بالشهادتين أو التوبة المجردة، فمن البديهي ألّا يُسقط التبعات الجنائية والأخلاقية في الجرائم الثقيلة التي تمسّ جوهر الكرامة الإنسانية وحق الحياة.

فالشرك ظلم، والعدوان على النساء والضعفاء ظلم، والآيات صريحة في أن التوبة والتسليم لله تعالى لا يكتملان ولا يُقبلان إلا بـ ﴿وَأَصْلَحَ﴾، والإصلاح في الجرائم الموجهة للعباد يستلزم السعي العملي لجبر الفساد الذي أحدثه التائب.

كيفية تطبيق “الإصلاح العملي” في الجرائم الكبرى

إذا كان التائب من هذه الجرائم الجسيمة – كافراً كان أم مسلماً – صادقاً في توبته وإسلامه، فإن شرط الإصلاح القرآني يتجلى في خطوات عملية واضحة:

1- التفكيك الفوري لشبكة الإجرام ووقف الظلم:

﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 192] الإصلاح يبدأ بالإيقاف التام والجذري للعدوان، وتحرير النساء المستغلات فوراً وهدم منظومة الإجرام.

2- السعي في جبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح أحوالهن:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90] فالجرائم العظيمة كالاغتصاب والإتجار بالبشر تتطلب انتقالاً عملياً من مسار “البغي والمنكر” إلى مسار “العدل والإحسان”؛ وذلك بتقديم التعويضات المادية والمعنوية السخية، والسعي الحثيث في إعادة تأهيل الضحايا، وتوفير أسباب الحياة الكريمة لهن ولأهلهن جبرا للضرر وتداركاً لآثار العدوان.

3- تسليم النفس لنيل الجزاء العادل والدية/القصاص في الدنيا:

 

فلا تكتمل التوبة مع الهرب من العقاب الدنيوي أو التملص من الأحكام الجنائية، بل تستوجب القيام بالقسط حتى لو كان على حساب النفس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135] وتأدية هذه الحقوق لا تقف عند حدود الدماء بـ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]، بل تمتد لتشمل انتهاك الأعراض وسلب الحريات استناداً إلى القاعدة القرآنية الكلية: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194] وحيث إن جرائم كالاغتصاب والاتجار بالنساء يُمتنع فيها القصاص بالمثل طبعاً وشرعاً – إذ لا يُقابَل هتك العرض بهتك عرض – فإن القصاص للحرمات فيها يتجلى في خضوع المجرم التائب للعدالة، وتطبيق العقوبات الرادعة بحقه، لتكون العقوبة استيفاءً لحرمة الضحايا ومحوًا لأثر الجريمة؛ فالتائب الصادق لا يفر من العدالة؛ بل يُسلّم نفسه للقصاص أو أداء الدية والتعويض، ليكون تسليمه شهادةً على صدق توبته وإصلاحه وقوامه بالقسط.

جبر المظلومين والضحايا يوم القيامة: تنزيه الرحمة والعدل الإلهي

غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً يبرز حين يفوت أوان القصاص في الدنيا، كأن يموت الضحية أو يتعذر تعويضه؛ وهنا يكتمل جلال العدل بجمال الرحمة الإلهية من خلال الجبر الإلهي للمظلومين يوم القيامة، إذا تعذّر على التائب في الدنيا الوصول إلى المظلوم أو الورثة، أو مات الضحية قبل أن ينال حقّه أو تعويضه الجسدي والنفسي والمادي، فإنّ العدل والرحمة الإلهيين يتكفلان بإتمام هذا الميزان يوم القيامة؛ فالله سبحانه وتعالى أرحم بالضحايا والمستضعفين من أن يجمع عليهم مرارة الظلم والأذى في الدنيا وحرمان الحق في الآخرة؛ إذ يتولى رب العزة بنفسه توفية الحقوق مصداقًا لقوله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47] ولا يكتفي بمجرد القصاص من الظالم، بل يجبر الضحايا بالنعيم والفضل الجزيل: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا . وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 11-12] ويمنحهم الشفاء النفسي التام بنزع آثار الألم والغل من صدورهم ليدخلوا الجنة في سلام مطلق: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47].

الباحثة: شيماء أبو زيد

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.