السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لدي استفسار حول معنى مصطلح “الأمن” الذي يرد كثيرًا في الفتاوى في موقعكم الكريم ومواقع أخرى.
ففي بعض الفتاوى، مثل مسألة السفر أو الإقامة في بلاد غير المسلمين، يقال: يجوز السفر إذا أمن الإنسان على دينه.
فعلى سبيل المثال: قد يعتقد الإنسان أنه يستطيع المحافظة على دينه، لكنه قد يتعرض أحيانا لمضايقات أو إهانات من بعض الناس بسبب دينه أو مظهره، دون أن يكون قد أخطأ، أو يقع في حرام بشكل عارض لطبيعة الإنسان الضعيفة. فهل مثل ذلك يؤثر في شرط الأمن على الدين؟
وكذلك في مسائل أخرى، مثل الاختلاط أو النظر، يقال أحيانا: إن كان الإنسان يأمن الفتنة جاز الاختلاط/النظر.
فسؤالي هو: ما المقصود بهذا “الأمن” في اصطلاح الفقهاء؟
هل المقصود به أن يكون الإنسان متيقنًا وقاطعًا أنه لن يقع في الحرام مطلقًا؟ أم أن المقصود شيء آخر؟
لأن هذا التعبير يرد كثيرًا في مسائل مختلفة، وبعض الأشخاص يقولون بالأمن على سبيل القطع واليقين، فكيف يمكن للإنسان أن يقطع بذلك؟
لذلك أود فهم المقصود الفقهي منكم. وفقكم الله وسدد خطاكم ونفع بكم.
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله، وشكرا جزيلا لدعائك الطيب.
يقول تعالى في كتابه الكريم على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: 126] وبهذا الدعاء علَّمنا الخليل إبراهيم – عليه السلام – أنَّ الأمن مطلبٌ أصيل وغايةٌ كبرى ينبغي أن يسعى المؤمن لتحقيقها في دينه ودنياه.
ولكن هل يعني الأمن انعدام التحديات تماماً، أو العيش في مدينة فاضلة لا يُسمع فيها أذى، أو توهم وجوب العصمة من الخطأ؟
للجواب عن ذلك، لا بد من عرض هذا المفهوم على كتاب الله تعالى؛ حيث يجد المتأمل أنَّ الأمن في الدنيا ليس حالةً مثالية تنتهي فيها الابتلاءات، بل هو سكينة القلب عند تعلقه بالله تعالى المقرونة بـبذل الوسع في تجنب الفتن والمهالك.
فالحقيقة أنَّ أول ما يواجهه الإنسان في منهج الأمن القرآني هو الاختبار مصداقًا لقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ… وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155] وهذا يؤكد حقيقتين:
- الأمن ليس انعدام الوساوس: فلو قيل إنَّ الأمن هو انعدام الهواجس البشرية، لما جاز لأحدٍ أن يختلط بالناس أو يسعى في الأرض.
- الأمن ليس انعدام الأذى: فالمؤمن قد يُؤذى في سبيل دينه، وهذا الأذى (بلاء) لا يقدح في أمن الدين طالما أنَّ أصل العقيدة وشعائرها محفوظة ومقدورٌ عليها.
وبناءً على هذا التصور، سنوضح من خلال قصص الأنبياء والآيات المحكمات هذا المنهج الشامل للأمن:
أولاً: الخليل إبراهيم عليه السلام.. التوازن بين أمن القلب والأخذ بالأسباب
تقدم لنا قصة الخليل إبراهيم -عليه السلام- النموذج الأسمى لكيفية الجمع بين الأمن بالله، وبين الأخذ بالأسباب والتجنب العملي للمهالك، ويتضح ذلك في المحاور التالية:
- أمن القلب كسكينة أمام التهديد: حين قال لقومه: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: 80] وهنا تظهر ذروة الأمن؛ فإبراهيم عليه السلام لم يكن آمناً لأن عدوه ضعيف، بل كان أمنه نابعاً من اتصاله بخالقه، فقال بيقين ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ [الأنعام: 81] ؟
فالأمن هنا هو حالة من السكينة تجعل الإنسان يواجه التهديد (سواء كان شركاً، أو سلطة جائرة، أو إيذاءً جسدياً) دون اهتزاز داخلي، لأنه يوقن أنَّ الضر والنفع بيد الله وحده، وهو ما جعله يطرح السؤال الفاصل على قومه: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؟ [الأنعام: 81].
- الأمن وعدٌ مشروط باجتناب الظلم: لقد حسم القرآن قضية (من الأحق بالأمن؟) في رد إبراهيم على قومه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82] فمن أخلص في توجهه لربه يمنح الله لقلبه حصانة داخلية لا يكسرها أذى البشر حتى وإن تعرضت لضعف في وقت من الأوقات.
- التوازن بين أمن القلب والفرار بالدين: احتمل إبراهيم عليه السلام الأذى النفسي والمحاجة واحتمل أذى المحاولة الفعلية لقتله (الإلقاء في النار)، وكان في كل ذلك آمناً بربه مستسلماً لأمره، لكنه عندما استنفد أسباب البلاغ وأصبح البقاء لا يحقق مصلحة للدعوة، بل يعرض النفس للهلاك قرر الهجرة قائلاً: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99].
- وقد أدرك الخليل أنَّ عبادة الله وعمارة الأرض تحتاجان إلى بيئة مستقرة؛ لذا قدم الأمن على الرزق في دعائه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 126] فبدون الأمن لا يهنأ الإنسان برزق، ولا يأمن على صلاته، مما يجعل الأمن المظلة الكبرى التي تنتظم فيها جوانب الحياة النفسية والاقتصادية.
وهنا يبرز الدرس العملي: فالأمن الإيماني لا يعني التهور أو إلقاء النفس في التهلكة بلا ثمرة، فإبراهيم وعلى الرغم من قوة يقينه، لم يكن متهوراً يلقي بنفسه في الفتن بلا غاية، بل كان يمارس الأمن الاحترازي بالفرار من مواطن الضلال حين استنفد سبل البلاغ: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ﴾ [العنكبوت: 26] ، وهذا يعلمنا أنَّ بذل الوسع في تجنب الفتن هو جزءٌ أصيل من مفهوم الأمن القرآني؛ فالإنسان مأمورٌ ألا يعرض دينه ونفسه للمهالك ما وجد إلى ذلك سبيلاً، وهذا هو الفرق الجوهري بين: أمن المتواكل الذي يفرط في الأسباب، وبين أمن المتوكل الذي يجمع بين يقين القلب وحذر الجوارح.
ثانيًا: قصة يوسف وأبيه عليهما السلام.. أمن الأمانة
تمثل قصة يوسف -عليه السلام- الجانب العملي لمفهوم الأمن وعلاقته بالثقة البشرية مقابل الحفظ الإلهي، وهي تتصل اتصالاً وثيقاً بمنهج الخليل في الجمع بين اليقين والحذر:
- الأمن المفقود، فعندما طلب الإخوة يوسف قائلين: ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 11] هنا “الأمن” الذي طلبه الإخوة هو أمن الأمانة، ويعقوب -عليه السلام- كان يمتلك بصيرة المؤمن التي تجعله يدرك أنَّ الأمن على النفس يتطلب وعياً بالمخاطر، لكنه فكر في الخطر الخارجي وغفل عن الداخلي.
- الأمن الحقيقي، في المرة الثانية قال يعقوب بمرارة التجربة واليقين: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: 64] وهنا يظهر اليقين؛ فبعد أن بذل يعقوب وسعه في الحذر أول مرة ولم ينجُ من القدر، وفي الثانية أرسل ابنه مضطراً مع أخذ المواثيق: ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ [يوسف: 66] وكان قد فوض الأمر لله بحسب القاعدة الذهبية: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 64] وهذا يثبت أنَّ الإنسان يفعل ما بوسعه ويتجنب الفتنة، لكنه في النهاية لا يأمن إلا بحفظ الله تعالى.
لقد علمتنا هذه الواقعة أنَّ على المؤمن أن يقدر مواطن الفتنة تقديراً واقعياً؛ فيعقوب عليه السلام خاف من الذئب (وهو الخطر الخارجي المادي)، لكن الخطر الحقيقي كان كامناً في الداخل (وهو حسد الإخوة وكيدهم) وهذا تنبيه بليغ إلى أنَّ الأمن قد يُخترق من حيث لا يحتسب المرء إذا غفل عن مواطن الشبهة الباطنة، فالأمن على الدين والنفس يتطلب وعياً بكل أنواع المخاطر، حتى المستترة منها.
- الاستباق كأداة لأمن الفتنة: وفي مواجهة فتنة الشهوة قدم يوسف – عليه السلام – النموذج الأسمى لـ أمن الفتنة، حين وُضع في قلب بؤرة فتنة مكتملة الأركان (إغلاق الأبواب، جمال المرأة وشغفها، إغراء السلطة، ووحشة الغربة).
كيف تحقق الأمن؟ لم يختبر يوسف قوة إيمانه بالبقاء في بؤرة الفتنة، ولم يقل: أنا نبي وآمن على نفسي، بل حقق الأمن بالاستعصام بالله أولاً: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: 23]، ثم بالفرار المادي المتمثل في: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: 25].
النتيجة: رغم أنه فرَّ واتقى وأخذ بأسباب الأمن، إلا أنه ابتُلي بالسجن والظلم. وهذا يؤكد أنَّ المؤمن قد يتعرض لمضايقات أو إهانات رغم أخذه بكل أسباب الأمن، ويكون هذا الابتلاء صوناً لدينه ورفعاً لدرجاته، تماماً كما كان السجن صوناً ليوسف من كيد النسوة ورفعة لقدره فيما بعد.
- وحين آلت الأمور ليوسف وتمكن في الأرض فعل كجده إبراهيم، حين جعل الأمن هو الرسالة الأولى لاستقبال أهله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99] والأمن هنا هو أمن الاستقرار الشامل (النفسي والاقتصادي والاجتماعي)، وهو الثمرة التي تأتي بعد مكابدة الفتن والصبر عليها، تماماً كما وعد الله عباده: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55].
ثالثاً: نماذج أخرى في نسبية الأمن وبذل الوسع
تأتي هذه الأمثلة لتجيب بدقة على التساؤل “كيف يقطع الإنسان بالأمن وهو بشر ضعيف؟” وتوضح أن الأمن ليس ضماناً قطعيّاً للنتائج، بل هو حالة نسبية مرتبطة ببذل أقصى الوسع مع اليقين بضعف النفس البشرية، ويمكن للأمثلة التالية تقريب الصورة:
1- أم موسى، التي أُمرت بإلقاء وليدها في اليم بناءً على أمنٍ إيماني ووعدٍ رباني: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ [القصص: 7] ورغم هذا الوعد، غلبتها طبيعتها البشرية الضعيفة: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ﴾ [القصص: 10] وهذا يثبت أنَّ الأمن لا يعني انعدام الخوف أو الضمان المادي، بل هو الربط الرباني الذي يثبت العبد بعد أن يبذل وسعه ويستسلم لأمر ربه.
2- أصحاب الكهف، حين وجد هؤلاء الفتية أن بيئتهم تضغط عليهم في صلب عقيدتهم قرروا الهجرة اعتزالاً للمكان وطلباً للأمن: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ [الكهف: 16] فكان الكهف في ظاهره ضيقاً وموحشاً، لكنه في الحقيقة كان نشر رحمة وأمناً على الدين؛ مما يوضح أنَّ الأمن قد يتطلب ضيقاً في المعيشة أو غربةً عن الوطن، وأن العبرة بإيواء القلب إلى حصن يحفظ العقيدة.
3- جيش طالوت، هذا المثال يجيب على مسألة “الاختلاط والحاجة”؛ حيث وُضع الجيش أمام اختبار النهر: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: 249] وهنا يتجلى أن الأمن من الفتنة ليس ادعاءً نظرياً بالقدرة، بل هو ضبط النفس والوقوف عند حد الضرورة المتمثل في (الغرفة باليد) فمن انغمس في الفتنة بدعوى أنه “آمن” سقط، ومن احتاط وعلم ضعفه هو الذي تحقق له الأمن.
فهم جوهر الأمن:
إنَّ المتأمل في هذه المسيرة الربانية لصفوة الخلق، يدرك حقيقةً جوهريةً تجمع شتات مفهوم الأمن؛ وهي أنَّ الابتلاء ليس ثغرةً في منظومة الأمن، بل هو اختبارٌ لصدقها.
فإذا كان الخليل إبراهيم والصدِّيق يوسف -عليهما السلام- قد نالهما الضر والسجن رغم كمال يقينهما وأخذهما بكافة أسباب الحماية، فإنَّ ذلك لم يكن لنقصٍ في أمنهما، بل كان ضريبة استقامتهما ويقينهما الثابت بـأمن الله تعالى. وهذا يرسخ القاعدة الكلية لكل مؤمن: أنَّ الأذى بعد بذل الوسع لا ينقض شرط الأمن، بل يرفع الدرجة ويثبت المقام.
وبناءً عليه؛ يتضح للمؤمن المعاصر أنَّ التزامه بالضوابط الشرعية في سفره، أو إقامته، أو حتى في غض بصره، لا يعني بالضرورة العصمة من عوارض الضعف البشري أو مضايقات الخلق، ولكنه يحقق له أمن الفؤاد كأم موسى وربط القلب كأصحاب الكهف وثبات الأقدام كطالوت وجنوده؛ فلا يضطرب عند الإساءة، بل يراها مجرد غبار في طريق السفر لا يوقفه عن المسير، لئلا يقع في الفخ الذي حذرنا منه الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ، فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10]
رابعاً: تطبيقات معاصرة
بإنزال النماذج القرآنية السابقة على واقعنا المعاصر، يتبين لنا أنَّ الأمن ليس مجرد شعور عارض، بل هو مسؤولية مشتركة بين “بذل الوسع” و”يقين القلب”، ويتجلى ذلك في صورتين:
- في حال السفر والإقامة: قد يظن المرء أنه آمن، لكن اختياره للإقامة في بيئة تملؤها المنكرات الصارخة والمجاهرة بالفساد يجعل أمنه مخدوشاً؛ لأنه فرط في الأمن الاحترازي، ولم يتجنب موطن الفتنة بفعله.
- في الاختلاط والنظر: إنَّ أمن الفتنة لا يتحقق بادعاء القوة الإيمانية، بل بالامتثال المادي لأمره تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30]؛ فالأمن هنا نتيجة للوقاية والفرار من المثيرات، وليس بديلاً عنهما.
ومن هنا، نخلص إلى أنَّ الأمن منظومة شاملة تقوم على ركيزتين:
- حقيقة الأمن (بين صيانة الدين واحتمال الأذى): إنَّ الأمن على الدين يتحقق بالقدرة على إقامة الشعائر الظاهرة من صلاة وصيام وحجاب دون إكراهٍ على الكفر أو ارتكاب الكبائر. وفي هذا الميزان الإلهي يقول تعالى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191]؛ أي أنَّ ضياع الدين والوقوع في الفتنة هو الخوف الحقيقي، أما ما دون ذلك من أذى لفظي أو تضييق نفسي فهو من باب البلاء الذي يُصبر عليه ولا ينقض شرط الأمن، كما أخبر تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ… أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186] فهذا الأذى هو ضريبة الثبات، وهو غبار الطريق الذي لا يمنع المسلم من نيل صفة الآمن ما دامت حرية تعبُّده وحصانة دينه محفوظة.
- مسؤولية الأمن (بذل الوسع في الوقاية): الأمن ثمرةٌ مقرونة بالاجتهاد في حماية النفس والفرار من مواطن الشبهات والبيئات الضاغطة؛ فمن بذل جهده في اختيار بيئته والابتعاد عن الفتن نال المعونة والهداية ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69] فبذل الوسع هو حذر الجوارح الذي يسبق سكينة القلب، وهو الفرق بين أمن المتوكل المحتاط لدينه، وأمن المتواكل الذي يفرط في الأسباب.
وختامًا:
إن الأمن في كتاب الله تعالى هو أن تضرب في الأرض بسعيك محتاطاً وممتثلاً للأسباب، بينما يسكن قلبك بمقدار الثقة بالله سبحانه وتعالى؛ مدركاً أنَّ ما أصابك من أذى بعد بذل الوسع ما هو إلا محضُ رفعٍ لدرجاتك وتثبيتٍ لمقامك وتأمين خوفك في الدنيا والآخرة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].
وهذا هو حال أولي العزم من الرسل الذين كابدوا مشاق الدعوة وصمدوا أمام أكبر الفتن؛ كإبراهيم ويوسف وموسى وعيسى وخاتمهم محمد عليهم صلوات الله وسلامه، فقد شقوا طريقهم بالصبر واليقين رغم ما نالهم من الأذى والتهجير، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا، وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: 34].
الباحثة: شيماء أبو زيد


أضف تعليقا