حبل الله
لماذا لم ينزل القرآن بطريقة يستحيل فيها تفسير الآيات بشكل خاطئ؟

لماذا لم ينزل القرآن بطريقة يستحيل فيها تفسير الآيات بشكل خاطئ؟

السؤال

عندي سؤال: أنا أعرف أن هناك آيات كثيرة في القرآن فُسرت بشكل خاطئ مثل «واضربوهن» وغيرها. سؤالي هو: لماذا ربنا عز وجل لم ينزل القرآن بطريقة يستحيل فيها تفسير الآيات بشكل خاطئ، ويكون واضح وضوح الشمس لأي أحد في أي زمان؟ أتمنى أن أجد إجابة مقنعة من حضراتكم، وأريد أن أشكركم لأنني كنت أعاني من كثير من الشكوك والوساوس، وبفضل موقعكم تأكدت وتيقنت من أمور كثيرة. كل الاحترام، وآسفة لو طريقة كلامي ليست محترمة كفاية.

الجواب:

بدايةً، لا داعي للاعتذار أبداً، فطريقتكِ في عرض تساؤلاتكِ غاية في الرقي والأدب، ولو لم تكوني باحثة عن الحق ومحترِمة لقدر هذا الدين لما كلفتِ نفسكِ عناء السؤال والتدبر، فما أسهل الانزلاق في الأخطاء والافتراضات الجاهزة دون بحث. إن عثوركِ على اليقين بعد الشك هو رحلة مباركة، والله عز وجل قد وعد كل من يجاهد نفسه وعقله للوصول إلى الحقيقة بالهداية والتوفيق، حيث يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69] ويسعدنا أن وفقنا الله تعالى لنكون جزءاً من هذا الأمان الفكري الذي وصلتِ إليه: و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.

إشكالية “التحريف المعنوي” واجتزاء السياق

إن المشكلة الحقيقية ليست في استخدام اللفظ، وإنما في اقتطاعه من سياقه وتجريده من مفرداته القرآنية، بالإضافة إلى إسقاط الاستخدام البشري المحدود على الاستعمال القرآني الواسع، وهذا هو جوهر التحريف؛ فمن يفسر “واضربوهن” كعنف جسدي مهين، هو كمن قال: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ أو ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ وتوقف دون أن يكمل الآية. فالتحريف لم يكن يوماً باستبدال اللفظ بغيره، ولذا عندما ذكر تعالى فعل هؤلاء وصفه بالتحريف وقطع ما ما أمر الله به أن يوصل: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: 41].

وهنا ملمح هام: إن التحريف للمعاني ليس مجرد خطأ في الفهم، بل هو انحراف خطير وصل تاريخياً إلى حد الشرك بالله عز وجل؛ فهذا المسلك ليس حكراً على كلمة ‘الضرب’، بل هو ديدن ومنهج متبع لكل من قدم هواه على نص الوحي. وتتجلى أعظم الأمثلة التاريخية في تحريف عقيدة النصارى؛ حيث تم إخراج كلمة الرب من سياقها اللغوي الأصلي الذي يفيد القائد، المعلم، أو المربي أو السيد وإسقاط معنى رب العالمين والإله المعبود عليها، مما أدى لادعاء بنوة المسيح لله تعالى ومن قبله عزير مما أدى إلى زيغ العقيدة بالكامل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ… قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: 30].

لقد ضاع منهم الحظ الأكبر من الدين الحق عندما حرفوا الكلم عن مواضعه وحمّلوا الألفاظ ما لا تحتمل، تماماً كما يفعل المستلِبون لثقافة العنف اليوم حين يحرفون معاني السكن والمودة والرحمة في القرآن، ويحولونها إلى ممارسات مادية عنيفة ينسبونها ظلمًا وزواراً إلى شريعة الله ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾

اتساع دلالة “الضرب” وتوثيقها في آيات الوحي

لو قلنا لماذا اختار الله تعالى هذا اللفظ، للزم تغيير كل كلمات الضرب في القرآن؛ لأن لم تأتِ بمعنى الإيذاء الجسدي غالبا، فلماذا نخص آية النساء بهذا المعنى وحده؟

لقد استخدم “الضرب” في معانٍ معنوية، وحركية، ورمزية بعيدة تماماً عن اللطم أو الضرب المهين:

  1. ضرب الحق والباطل (التبيين والفصل) ﴿كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد: 17].
  2. ضرب الأمثال (الإيضاح) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26].
  3. الضرب في الأرض (السعي والسفر) ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101].
  4. الضرب على الآذان (الحجب والمنع) ﴿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف: 11].
  5. ضرب الخمار (الوضع والتغطية) ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31].
  6. ضرب المسكنة (الإحاطة واللزوم) ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: 61].

ولن نتحدث عن غير القرآن من ضرب العدد، والمضاربة في البورصة، وضرب الودع، وضرب آلات الموسيقى، وضرب النقود، وكلها استخدامات لا تَمُت للإيذاء بصلة.

وسوف نقوم قريبًا بإذن الله تعالى بنشر مقال يبين معنى الضرب في كتاب الله تعالى في كل الآيات التي ذكر فيها.

تكريم المرأة بين سورتي “النساء” و”المجادلة

تقوم فلسفة القرآن الكريم على تكريم الإنسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص، ومن المستحيل أن يتناقض الوحي مع مقاصده العليا. فكيف يُعقل أن يسمي تعالى سورة تحمل اسم النساء تكريماً لهن، ورفعاً لشأنهن، وحفظاً لحقوقهن، ثم يُقال إنه تعالى يأمر الرجل فيها “اضربوهن” بمعنى آذوهن جسدياً؟! لذا فإن تفسير “الضرب” بالإيذاء الجسدي يصطدم بحقائق قرآنية دامغة نذكر منها:

أولاً: الميزان الأخلاقي، إن الله عز وجل وضع ﴿آيَات مُّحْكَمَاتٌ﴾ وهي بمثابة الميزان الذي يجب أن نزن فيه أي تفسير أو تأويل، ومن هذه المحكمات قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] فكل تفسير يؤدي إلى إهانة أو ألم جسدي هو المنكر الذي يتصادم مع “المعروف” والعيب هنا في فكر المفسر لا في النص الإلهي.

ثانياً: المفارقة مع سورة المجادلة، عندما نقرأ تلك السورة التي نزلت تخليداً لموقف امرأة واحدة جادلت الرسول في شأن زوجها وشكت حالها، لينصفها ربها بآيات تتلى أبد الدهر: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ…﴾ [المجادلة: 1] لم ننتبه إلى سؤال جوهري: لماذا لم يلم الله تعالى هذه المرأة على جدالها؟ ولماذا لم يذكر خطأها الذي أدى بزوجها أن يظاهر منها؟! لماذا لم يقل إن من حق زوجها تأديبها؟

بل على العكس تمامًا، إذ كانت شكواها سبباً في تشريع يحفظ حقوق النساء، وليؤكد أنه مهما كان ما فعلته الزوجة (عدا الفاحشة) ليس عذرًا لحرمانها من حقوقها الفطرية، مما يثبت أن الأصل في التعامل هو الإنصاف لا الإخضاع أو الإيذاء.

ثالثاً: التناقض الفقهي، في التفسيرات التقليدية يظهر في نقطتين:

  1. بين القول والضرب: إذا كان الله تعالى قد وصف (الظهار) بأنه: ﴿مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] وعاقب قائله بصيام شهرين، فأيهما الأولى بالرفض والتحريم؟ وكيف يُعقل أن يُحرم الإيذاء النفسي ويُبيح الإيذاء البدني؟
  2. بين الهجر والعقوبة: فسر البعض “الهجر” في آية النساء بأنه حق للزوج في حرمان زوجته من علاقة الفراش، بينما في سورة المجادلة جعل تعالى هذا الحرمان (الظهار) جريمة تستوجب عقوبة مغلظة تشبه كفارة القتل الخطأ: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4] فكيف يأمر به في آية ويعاقب عليه في أخرى؟ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

رابعاً: مرتبة الإحسان هي الغاية حيث جعلها الله تعالى القاعدة حتى في أصعب اللحظات (الطلاق): ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. فمن يطلب الإحسان عند الفراق، لا يمكن أن يطلب الضرب والإذلال عند الخلاف، إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً، ولو أراد الإيذاء الجسدي لاستخدم ألفاظاً صريحة كالأذى أو الصك، والوكز لكنه أراد بكلماته (وعظ) و(هجر) و(ضرب) بمفهومها القرآني هي سلسلة “إصلاحية” هدفها تجنب التصعيد للمشاكل وغايتها التودد والعودة لا الكسر.

إن هذا التناقض يتنزه عنه الوحي الإلهي؛ فمنهج الله عز وجل واحد لا يتجزأ، وكلماته لا تتبدل: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: 64] ومنهجه قائم على الرحمة لا الظلم: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29].

﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ والابتلاء بمساحات التأويل

إن الله عز وجل لم يجعل القرآن نصاً تقنياً جامداً، بل جعل فيه مساحة للتأويل تمثل امتحاناً لسرائر البشر، والقرآن الكريم صريح في أن إدراك حقيقة معانيه يتطلب طهارة تتجاوز الوضوء الحسي؛ إنها طهارة القلب من “شرك الموروث” وحكم الجاهلية، وامتلائه بالعدل والرحمة والمعروف حين قال: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]

فالذي يقرأ القرآن بقلب ملوث بثقافة التشدد أو السلطة الذكورية، سيلوي أعناق النصوص لتوافق هواه، وهذا هو الاختبار الإلهي في وجود المتشابهات إلى جانب المحكمات مصداقًا لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7] والذي قسم تعالى الباحثين في كتابه إلى قسمين:

  • من يريد الإضلال: فلن يزيده وضوح النص إلا عتواً، وسوف يتبع من يفسرون بأهوائهم ممن ابتغوا حكم الجاهلية وزاغت قلوبهم عن ذكر الله، فهؤلاء لا يسعون للحق ولا يهمهم تعاليم كتابهم مصداقًا لقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]

وكما قلنا، فإن التحريف لم يكن يوماً بتبديل الكلمات وإنما بتحريف المعاني والاجتزاء من السياق وانحراف التأويل ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾.

فمن لا يريد الإيمان سيكذب حتى ولو غيَّر تعالى ألفاظ كتابه كمن قيل فيهم: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: 7].

فهؤلاء هم المعاندون الذين انطبق عليهم قوله جل جلاله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 111] فقد غلبهم الهوى وحب السيطرة: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً﴾ [المدثر: 52].

ولننظر ماذا فعل بنو إسرائيل بعد السؤال مراراً وتكراراً عن البقرة وأوصافها ولونها، وفي النهاية: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] وقد جاءتهم الآيات البينات التي لمسوها بأيديهم فكان ردهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَة﴾ [البقرة: 55]

  • أما من يبحث عن الرحمة والعدل: سيفهم النص في سياقه السامي الذي لا يتبدل: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76] وهؤلاء هم: ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [ل عمران: 7]

فالمشكلة لا تكمن في اختيار الكلمات التي تحمل معاني أخرى؛ فلا توجد كلمات في كتاب الله تعالى تحمل معنى القسوة والرحمة ولا الطيب والخبيث في آن واحد حتى تشتت الباحث عن المعنى المراد منها، ولكن هناك كلمات تحتاج إلى تدبرها في سياق الآيات التي جاءت بها، وربطها بالموضوع نفسه حتى تتكمل صورتها في ذهن الباحث، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون كمن قيل فيهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّاۚ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14]

وسياق آية النساء وألفاظها تدل على محاولة استمالة قلب الزوجة، وعدم إجبارها على علاقة الفراش، والوعظ وتكرار التودد إليها لتثبت في بيتها. ومع وضعها في ميزان كل آيات العلاقة الزوجية سندرك أننا بين خيارين لا ثالث لهما: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾

وأن الحالة الوحيدة المستثناه من هذه القاعدة هي أن تأتي الزوجة بفاحشة مبينة؛ وحتى في هذه الحالة لم يأمر تعالى الزوج بالإيذاء والتعدي، وإنما منحه الحق في تنازل المرأة عن جزء من حقوقها المتمثلة:

  • تنازلها عن بعض حقوقها المالية عند الفراق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍۚ، وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
  • وإخراجها من بيتها: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1].

فمن يأمر الزوج الذي كره زوجته بالصبر عليها ووعده بالخير الكثير ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾

ومن حذره من ظلم نفسه إذا تعدى حدوده عند الطلاق ومنحه الأمل في الإصلاح ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ لن يأمره بإيذائها في الخصام أو النشوز.

فـــ (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) الذين يبذلون جهدهم ويجاهدون أنفسهم في فهم الكتاب وآياته المحكمات، والذين يدعون ربهم عند تدبر الآيات المتشابهات ألا يضل قلوبهم ويزيغها عن الحق: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]

جعلنا الله وإياكم من الراسخين في العلم

الباحثة: شيماء أبو زيد.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.