حبل الله
أصحاب الأعراف بين ثنائية أم ثلاثية المصير

أصحاب الأعراف بين ثنائية أم ثلاثية المصير

السؤال:

بخصوص تقسيم ربنا للناس يوم القيامة، أظن _مع علمي المتواضع_ أنهم ثلاث فرق وليس فريق الجنة وفريق النار: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف:48]

فهل هذه الآية دليل على ما فهمته؟ نعم أعرف أن الله سيغفر لأصحاب الأعراف.

وهناك من يقول أن كلمة رجال في الآية تعني الرجال (الذكور)، إلا في الآية التالية:

{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق} [سورة الحج: 27]

فكلمة رجال أظن أنها جاءت بمعنى الذكور في معظم الآيات إلا آية الحج. ممكن توضيح.

الجواب:

في البداية ينبغي أن نوضح لفظ الرجال والذي جاء في القرآن الكريم بمدلولات ثلاثة يُفهم كل منها بحسب سياقه، ويربطها جميعاً أصل واحد:

  • الذكورة في مقابل الأنوثة: (التقسيم الوظيفي والمالي): كما في قوله تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ…﴾ [النساء: 7] وقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34] وهو تنظيم الواجبات والحقوق لكل جنس بما يلائمه.
  • الذكر بخصائصه البيولوجية المستقلة: وهو ما يميز تكوين الرجل الذكر عن الأنثى في قوله: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4] فالآية تخص الذكر؛ ذلك لأن الانثى قد تحمل قلبين أو أكثر في جوفها عند الحمل.
  • المترجلون: (السائرون على الأقدام) كما في قوله تعالى في آية الحج: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27] فالمقابلة هنا بين من يأتي ماشياً على رجليه وبين من يأتي راكباً على وسيلة ركوب (ضامر).

ومثلها في صلاة الخوف: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] أي صلوا مشاةً أو ركباناً حسب ما يقتضيه حال الخطر.

فقوله ﴿رِجَالًا﴾ في الآيتين يشمل الذكور والإناث السائرين على الأقدام، ولا تعني رجولة الذكور.

  • الثبات والمسؤولية: (الرجولة الإيمانية): وهي صفة تطلق على الصادقين الموفين بالعهد من المؤمنين الذين ثبتوا على الحق كقوله ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: 37] فالوصف هنا بالرجولة هو وصف عام لكل متصف بما نصت عليه الآية ذكراً كان أو أنثى.

والرابط بين هذه المعاني، هو تحمل المسؤولية والوقوف والثبات عليها؛ ولذا فإن أصلها مشتق من “الرِّجْل” التي يرتكز عليها الإنسان في وقوفه وسعيه وضبط توازنه.

ومن هنا ندرك لماذا سُمي الذكر بهذا الوصف؛ لقيامه بالمسؤولية المتمثلة في القوامة وحسن الرعاية، ولذلك فإنه ليس كل “ذكر” في القرآن يُعد “رجلاً” بالمعنى الإيماني والقيمي، كما أن هناك من النساء من يتصفن بـ “الرجولة” لثباتهن وعظيم أثرهن؛ فنحن نصف المرأة التي تنهض بالمسؤوليات الجسام بأنها “رجل” فلا نقصد بذلك وصفاً بيولوجياً، بل هو اعتراف بمقام القوة والقوامة التي قامت بها، فالمناط هنا هو الفعل والموقف لا النوع والذكورة.

وهنا ملمح تجدر الإشارة:

فحينما نتحدث عن مفهوم الرجولة كصفة ملازمة لأصحاب المواقف ذكورًا وإناثًا من الذين يتحملون تبعات اختياراتهم بكل ثبات، فعلينا أن ندرك أنها سِمة تظهر في معسكر الإيمان كعنوان للوفاء والصدق، كذلك قد تظهر في معسكر الباطل كعنوان للقيادة في الضلال:

  • الرجولة في الحق تتجلى في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23] فالرجولة هنا هي الصدق في العهد وعدم التبديل مهما عصفت الظروف، وهي مسؤولية حماية المنهج والثبات عليه حتى الموت.
  • الرجولة في المواجهة والمبادرة والقيادة تبرز في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ، قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: 20] هنا الرجولة هي المبادرة لإنقاذ الموقف وتحمل مخاطرة إفشاء أسرار الملأ لحماية الحق.
  • الرجولة في الباطل (تحمل التبعات) كما أن للحق رجالاً يقودونه، فإن للباطل رجالاً يتصدرون مشهده ويتحملون وزر إضلال غيرهم، كما في قوله تعالى عن الجن والاستعاذة بغير الله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] فالوصف بـ الرجال هنا يشير إلى فئة من الإنس اتخذت موقفاً وقراراً (وإن كان ضلالاً) وتحملت تبعات هذا المسلك.

لننتقل لأصحاب الأعراف ليتضح معنى كونهم رجالا، وقبل ذلك نوضح السؤال حول ثنائية أم ثلاثية المصير:

يرى أكثر المفسرين أن هناك ثلاثية للمصير يوم القيامة وينطلق أصحاب هذا الرأي بتفسيرهم مشهد الأعراف في قوله تعالى:

﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ. وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 46-47]

فذهبوا إلى أن أصحاب الأعراف هم أناس استوت حسناتهم وسيئاتهم، فحبسهم الميزان في منطقة بينية بانتظار مآلهم النهائي، وأنهم حين  ينظرون إلى أصحاب الجنة يطمعون في دخولها: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ وعند نظرهم لأصحاب النار يدعون ربهم بألا يجعلهم معهم.

فعلى زعمهم فإن المصير ينقسم إلى فئات ثلاثة؛ هم أصحاب الجنة، وأصحاب الأعراف، وأصحاب النار!

إشكالية المقام: بأي صفة يتحدث أصحاب الأعراف؟

ولو افترضنا جدلاً صحة هذا الزعم، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة حول فئة أصحاب الأعراف التي لم تطل الجنة ولم تُلق بعد في النار.. بأي صفة وبأي سلطة يتحدث هؤلاء الذين يقفون في المنتصف؟

إن تدبر الآيات يضعنا أمام مواقف حازمة وكلمات قاطعة يصعب أن تصدر عمن هو في حالة حيرة أو قلق على مصيره ويظهر ذلك في:

  • نداء الأمان والتحية لأهل الجنة: كيف لمن لا يعرف مستقره ولم يضمن دخوله أن يُلقي بتحية السلام والأمان على غيره؟ في قوله: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، فهذا النداء ينمّ عن يقين تام بوعد الله وبصيرة بحال أهل الفوز.

وإن قيل أنهم يلقون السلام آمالين أن يلحقوا بهم كنوع من الاستعطاف والرجاء.

يرد على ذلك بأنه إن كان هذا حالهم مع أهل الجنة فكيف نفسر اللوم والتوبيخ لأهل النار؟!

  • توبيخ أهل النار: فهؤلاء يتحدثون بلهجة الواثق المُحاجج لرجال النار وطواغيتها: ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 48] فالتوبيخ على الاستكبار وفشل الجمع لا يصدر إلا عمّن مكّنه الله تعالى وجعله في موضع الحاكم على الأحداث.
  • دلالة الضمير، إن القول بأن الضمير في قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ يعود على أصحاب الأعراف أنفسهم، أي أنهم لم يدخلوا الجنة بعدُ وهم يرجون دخولها، لا يتناسب مع صدارة الآية التي وصفتهم بأنهم: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾، وهذه المعرفة الدقيقة لعلامات الوجوه (بياضاً وسواداً) هي صفة أصحاب البصيرة واليقين والتمكين، وليست صفة من تاهت بهم السبل أو تعثرت بهم أعمالهم بين كفتي الميزان.

إن صفة المتحدث في هذه الآيات تضعنا أمام ضرورة ملحة لإعادة قراءة آيات سورة الأعراف بتدبر وعمق؛ ليتبيّن لنا من هم هؤلاء الرجال في قوله تعالى: (وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ) ، والذين أقامهم الله تعالى ليكونوا لسان عدله وشهوده على خلقه، وهو ما سنوضحه بإذنه تعالى كالتالي:

تفنيد النظرة الحسابية الضيقة في ميزان العدل الإلهي

إن القول بوجود فريق ثالث “تائه” بين الجنة والنار تحت دعوى استواء الحسنات والسيئات هو اختزال قاصر للميزان الإلهي في صورة عملية حسابية بحتة؛ وكأن الأمر مجرد أرقام صماء (كعشر حسنات مقابل عشر سيئات) تُبقي صاحبها معلقاً في المنتصف.

وقد تناسى أصحاب هذا الرأي أن الحساب عند رب العالمين لا يخضع للمنطق البشري الرياضي، بل هو ميزان ثقل وخفة وقائم على القبول والعدل والفضل؛ وهو ما تؤيده النصوص القاطعة في مضاعفة الحسنات ومحو السيئات:

  • مبدأ المضاعفة والفضل: في قوله: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160] وقوله: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ، وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261]
  • قاعدة المحو والإذهاب: في قوله : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]

ومن المؤكد أن كل مؤمن قد فعل بعض السيئات في حياته، وهؤلاء هم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ… وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:102- 106] فهؤلاء إما أن يتوب الله عليهم في الدنيا بفضل أعمالهم الصالح وصدقهم واستغفارهم وبلاءاتهم التي تُكفر خطاياهم، أو يُتركوا لعذاب الآخرة إن لم يتوبوا، لكنهم في النهاية مآلهم إلى أحد الفريقين.

لذا، فإن حصر المصير في “عملية جمع وطرح” يتنافى مع سياق القرآن الذي جعل الناس فريقين: إما ناجٍ مُبشر أو خاسرٍ مُنذر، وليست الأعراف محطة انتظار لمن استوت حسناتهم وسيئاتهم.

وإن قيل لماذا لا يكون هؤلاء الذين خلطوا الأعمال الصالحة بالسيئة هم أنفسهم أصحاب الأعراف الذين يجهلون مصيرهم الذي سيحدد يوم القيامة.

يرد على ذلك بأدلة حسم المصير ونفي “المقام المجهول”

حيث تؤكد آيات القرآن الكريم أن المصير يُكشف للإنسان وتتحدد وجهته منذ لحظة خروج النفس وما يتلوها من مراحل الحساب:

  • كشف الغطاء عند خروج الروح: يؤكد القرآن أن الموت هو لحظة الإبصار اليقيني للحقيقة: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22]
  • مآل النفس عند الحلقوم: يُقسم القرآن الناس لحظة بلوغ الحلقوم إلى مصائر محسومة، وليس بينهم صنف معلق حين قال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: 83-84] ثم فصل المآل فوراً للمقربين: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: 89] ولأصحاب اليمين: ﴿فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 91] وللمكذبين الضالين: ﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ. وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: 93-94]

مع ملاحظة أن الأزواج الثلاثة مقسمة بين فريقين، اثنان مكانهم في الجنة، وثالث في الجحيم.

فالمتقون لا ينتظرون المحشر ليعرفوا مستقرهم، بل تتنزل عليهم البشرى وهم في لحظة الموت؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]

والظالمون في المقابل: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ الأنعام (93).

  • سِمة الوجوه يوم القيامة: حيث يُعد بياض الوجه بالنور وسواده بالظلمة والكآبة علامة تُعرف بها العاقبة يوم الحشر لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: 106-107]،  فلا مجال لـمجهولي السيماء.
  • حسم المصير بلحظة استلام الكتاب: تتأكد الوجهة النهائية فور توزيع الصحف واستلام العبد لكتابه بين: فريق اليمين والفرح: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19] وفريق الشمال والندم: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 25]

هذه الشواهد تقطع بأن اليقين بالمصير عملية متتابعة تبدأ من الموت وتتوج باستلام الكتاب، وأنه لا يوجد أُناس يقفون بلا صحف تُبين مآلهم، وبلا سِمة تميز وجوههم؛ فإما بياضٌ يعكس نور الإيمان، وإما سوادٌ يفيض بظلمة وكآبة الكفر والمعصية.

وهذا التحديد القاطع ينفي وجود فريق تائه مجهول المصير يقف في المنتصف لا يعرف مكانه؛ مما يعزز أن رجال الأعراف هم أهل مسؤولية وولاية أقامهم الله للشهادة على الفريقين، وليسوا فريقاً ينتظر دوره في حيرة وقلق بين كفتي الميزان لا يدري أين يسلك به.

ويبقى السؤال هنا: من هم أصحاب الأعراف؟! وما دورهم في مشهد الحشر؟!

للجواب عن هذا السؤال علينا بالعودة إلى سورة الأعراف – وهي ذات السورة التي استدل بها أصحاب الرأي القائل بوجود فريق ثالث بين أصحاب الجنة وأصحاب النار تحت دعوى الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم – نجد أنها كغيرها من السور تحدثت عن فريقين لا ثالث لهما، ويتضح ذلك من خلال الآتي:

ثنائية المصير في سورة الأعراف ونفي الفريق الثالث:

  • في معيار الميزان: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَن خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم﴾ [الأعراف: 8-9] فقد حصرت العاقبة في طريقين لا ثالث لهما: فلاحٌ بثقل الموازين، أو خسارةٌ بخفتها.
  • وفي طريق الهداية والضلال: ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: 30] فالنص صريح في تقسيم الناس إلى فريقين فقط، مما ينفي وجود فريق ثالث مستقل في مآله النهائي.
  • جزاء المتقين والمستكبرين: ﴿فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزُنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: 35-36] ليفصل بين أمن المتقين وخلود المستكبرين في النار.
  • استقرار كل فريق في داره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ. لَهُمْ ‌مِنْ ‌جَهَنَّمَ ‌مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: 40-42]

تؤكد هذه الآيات استقرار كل فريق (أصحاب النار وأصحاب الجنة) في داره المعدة له.

ولم يأتِ في آيات سورة الأعراف ولا في غيرها أن هناك أشخاصا يقفون في المنتصف بين الجنة والنار مجهولي المصير ممن استوت حسناتهم وسيئاتهم ينتظرون دخول الجنة، ولا توجد “حالة تائهة” في الحساب؛ فإما فضل بالمغفرة وإما عدل بالعذاب.

السور والحجاب في سورتي الحديد والأعراف

يتطلب فهم هوية أصحاب الأعراف النظر في مشهد سورة الحديد الذي يفصل بين المؤمنين والمنافقين: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: 13].

تبين هذه الآية مشهداً حاسماً يسبق الاستقرار في الجنة أو النار، وهو مشهد يضرب فيه السور الفاصل، وهو ذاته الحجاب الذي يقف عليه أصحاب الأعراف، وسموا بذلك لأنهم كما وصفهم ربهم: ﴿رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ أي أنهم أهل بصيرة ومعرفة، أقامهم الله على ذلك المكان المرتفع (الأعراف) ليكونوا شهوداً على الفريقين.

نداء السلام وطمع الدخول:

فعندما نظر هؤلاء الرجال من فوق الحجاب الفاصل، أبصروا أصحاب الجنة الذين تميزوا بنور وجوههم وسيماهم، فنادوهم بتحية أهل الجنة: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ وهذا السلام هو الذي وعد الله تعالى به أولياءه في مواطن شتى، منها:

  • ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46].
  • ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق: 34].

دلالة الضمير في قوله ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾  حيث يعود الضمير هنا على أصحاب الجنة الذين ناداهم أصحاب الأعراف، وهذا العود يحتمل معنيين دقيقين:

  • المعنى الأول (طمع المؤمنين في دخول الجنة) أي أن أصحاب الجنة في تلك اللحظة التي ناداهم فيها أصحاب الأعراف، كانوا وقوفاً أمام أبوابها، قد عاينوا نورها واشتاقت نفوسهم لاستقرارها، فهم في حالة “طمع إيماني” مشروع وهو رجاء رحمة الله وجنته، وهو حال المؤمنين الصادقين الذين وصفهم الله في مواطن أخرى بقوله:

﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا…﴾ [السجدة: 16].

﴿وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: 84]

فهذا الطمع هو ذروة الرجاء واليقين بموعود الله عند معاينة الحقيقة.

  • المعنى الثاني (نفي الطمع الدنيوي) أي أن هؤلاء الذين استحقوا نداء السلام ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ وهم من أهل “الطمع الدنيوي” أو من الذين استبد بهم الحرص على عاجلة الدنيا وزينتها، بل دخلوها بسلام لأن قلوبهم كانت سليمة من ماديّات الأرض، فجاء الطمع هنا مقيداً بالآخرة وجزائها، ومنقطعاً عما سواه من حطام الدنيا الذي أغرق غيرهم في الفتن.

فيكون المعنى أنهم لم يدخلوا الجنة وهم من أهل الطمع الدنيوي الزائل.

المشهد المقابل: صرف الأبصار ورجال النار (أهل السطوة والاستكبار)

وكما كان لأهل الجنة نداء سلام وأمان، يظهر الجانب الآخر من الحجاب حين تُصرف أبصار أصحاب الأعراف جهة الشمال: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ حيث تبرز المقابلة بين (رجولة الحق) و(رجولة زيف الاستكبار) من خلال الآيات التالية:

  • حين تُصرف أبصار أصحاب الأعراف جهة الشمال، يقع نظرهم على أصحاب النار فيفزعون من هول ما رأوا: ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ، وهذا الدعاء هو أصدق تعبير عن رهبة المعاينة للحقيقة، وطلب النجاة من مصير الظالمين.
  • وبعد الرؤية، يوجه أصحاب الأعراف خطاباً مباشراً لطواغيت النار الذين عرفوهم بعلامات الذل: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:41]
  • لقد وبخهم أصحاب الأعراف بعدم انتفاعهم من جمعهم الذي كانوا يفاخرون به في الدنيا: ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 48] وهو المصير الذي أكده القرآن في قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُولُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]

فالأعراف ما هي إلا مشهد مكاني وزماني في أرض المحشر لبيان عدل الله وفضله، وأصحاب الأعراف هم رجالُ الموقف والولاية والشهادة ووصفهم بـ ﴿رِجَالٌ﴾ هنا يندرج تحت المعنى الثالث للرجال أي (أهل الثبات والمسؤولية)؛ فهم في موضع “الأعراف” (المكان المرتفع والمشرف) يمارسون الشهادة والتمييز بين أهل الجنة وأهل النار، وهذا الدور يتطلب ثباتاً ويقظة وقدرة على قراءة “السيماء” (العلامات)، وهي صفات الرجولة الإيمانية التي تشمل كل من ارتقى لهذا المقام.

ونحن لا نعلم من هم على سيبل الجزم واليقين، أهم من الملائكة، أم من الرسل والأنبياء، أم من السابقين من الشهداء الأحياء عند ربهم الذين حدثنا عنهم في محكم آياته: ﴿‌وَجَاهِدُوا ‌فِي ‌اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: 78]

بناءً على ما سبق، نخلص إلى أن أصحاب الأعراف ليسوا صنفاً تائهاً بين الجنة والنار أو مجهولي المصير، بل هم “رجالُ الموقف والولاية والشهادة، وهم الموكلون من قِبَل الله تعالى باستقبال الخلق والتمييز بينهم بالقول والشهادة في أرض المحشر. وقد اختار الله لهم لفظ “الرجال” لا كتقسيم جنسي، بل كدلالة على “كمال الأهلية” والقيام بأعباء هذه المسؤولية العظمى فهم:

  1. وفد الاستقبال الإلهي: يبشرون أهل الجنة بسلام الأمان.
  2. شهود العدل: يوبخون طواغيت النار ويفضحون استكبارهم.
  3. أهل البصيرة: الذين مكنهم الله من قراءة “السيماء” والتمييز بين الحق والباطل.

وهذا كله يرجح أنهم “رجالٌ أولو بصر وبصيرة” استعملهم الله تعالى في هذا المحشر المكاني ليكونوا لسان عدله ورحمته في أعظم مشهد يمر به البشر، وهو ما يفسر عدم ذكر مآلهم صراحةً؛ لأنهم في جوهر الأمر قائمون بأمر الله وشهودٌ على خلقه، وليسوا تحت طائلة الحساب المجهول، وأن مشهد الأعراف ليس مقام حيرة، بل هو تجلٍّ لسيادة الحق وعلوّ شأن أهله.

جعلنا الله وإياكم من المؤمنين الرجال الذين: ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ… وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ فمن ثبتت رجولته بصدق الموقف في الدنيا، أقامه الله شاهداً بلسان عدله في الآخرة، ليتحقق وعد الله القاطع الذي حسم المصير في كتابه وبشر به الصادقين حين قال: ﴿لِّيَجْزِيَ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 24]

الباحثة: شيماء أبو زيد

التعليقات

  • بسم الله ماشاء الله عليكي و علي شرحك السلس زادك الله من علمه و فضله

  • ما شاء الله مقال رائع اول مره أفهم معنى الأعراف شكرا استاذه شيماء جزاكم الله كل خير

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.