دين الله هو فطرته

دين الله هو فطرته

أنس عالم أوغلو

مقدمة

الحمد لله الذي فطرنا على دينه القويم، وهدانا صراطه المستقيم بكتابه المبين الذي هو “هدى للمتقين”، والعاقبة للذين حفظوا فطرتهم فعبدوا ربهم حتى يأتيهم اليقين، والصلاة والسلام على عبده وخاتم أنبيائه ورسوله محمد الأمين. وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:

ما من إنسان في الأرض إلا وله دين، وما من مجتمع من مجتمعات الناس إلا وله طقوس دينية يجتهد أبناؤه في حفظها ورعايتها. وكلٌ يدَّعِي أنه على الحقّ، والحالُ أنَّ من حفظ فطرته واستقام على سبيل من أرسله الله تعالى إليه من رسولٍ فهو على الحقِّ، وإلا كان على الباطل الذي اختلقه بنفسه أو وجد عليه آباءه، وهذا ما يُفسّر كثرة الأديان واختلافها عبر تاريخ الإنسانية، وقد عَرَّفَ الناس دينَهم بتعريفات مختلفة. وأما دينُ الله فقد عرَّفه تعالى نفسه؛ بأنه الفطرة في الآية الثلاثين من سورة الروم. قال تعالى:

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم30).

“فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا” أي أقبل إلى الدين غير ملتفت يمينا أو شمالا واستقم عليه كما أُمرت، يعني لازم الخلقة التي تكيَّفت عند خلق الله المخلوقات وشقِّها، وهي خِلقة خُلق الناسُ عليها، اتبعها وانسجم معها، ولا تخالفها ولا تتعارض معها.

“لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ” أي لا يمكن تبديل حالةٍ مكان هذه الحالة، لأن استمرار الحياة متوقفٌ على بقائها كما هي، فإذا فسدت يفسد التوازن فتتعسر الحياة.

“ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ” أي الدين الذي فُسِّر بالفطرة هو الدِّين المستقيم الذي تدوم به الحياة في مجراها الطبيعي فتقوم به السعادة.

“وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” لا يعلمون هذه الحقيقة ولا يبالون بما تمليه عليه فطرتهم ولا يصغون إلى دعواتها، بل يعيشون حسب أهوائهم أو وفق وساوس الشياطين، فيحدث الفساد في الكون وتضيق طرق الحياة أمام الأحياء.

وقد حاولت أن أفهم تعريف الله تعالى لِدِيْنه مستلهما الآية السابقة والآيات الأخرى المتعلقة بالموضوع، وكتبت ما ظهر لي من خلال الآيات، ثم جمعته ورتَّبْتُه في بحث قصير بين يديك، راجيا من الله تعالى التوفيق والسداد.

1- الفطرة وماهيتها وهدفها

والفطرة من فطر بمعنى خلق وشق[1]، وهي مصدر نوعي على وزن الفعلة ومعناها الخلقة وهي الحالة الطبيعية المكيَّفة عند الخلق وعند الشقِّ. والحالة الطبيعيّة للمخلوقات تكيَّفت مشتملة على وحدانية الله في الخلق والملك والرزق والاستحقاق للعبادة، وعلى حُسْن الحَسن وقُبْح القَبيح من الأقوال والأفعال. وقد تكيَّفت كذلك متهيِّئَةً لخدمة الإنسان.

وهدف الفطرة نفع الإنسان بمنافعها المتنوعة، وإلهام الخير والشر له، والدعوة إلى فعل الخير واجتناب الشر، والطلب منهم أن يعيشوا في الأرض مسالمين غيرهم من المخلوقات، وأن يعرفوا حدودهم وحقوقهم وحقوق الآخرين، وأن لا يتجاوزوا حدودهم ولا يتعرضوا لحقوق الآخرين. قال الله تعالى:

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس، 10).

فمن لازم الفطرة كانت علاقته مع الله توحيدا وعبادة، ومع الناس صداقة وعدالة، ومع الحيوانات رعاية ورحمة، ومع الطبيعة إحياء وإعمارا. وكانت عاقبته خيرا وجزاؤه إحسانا. قال تعالى:

{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل، 97).

ومن خالف الفطرة كانت علاقته مع الله شركا وعصيانا، ومع الناس بغيا وظلما، ومع الحيوانات وحشيَّة وعدوانا، ومع الطبيعة إعداما وإفسادا، لذا استحق من خالفها العقوبة. ومن كانت مخالفته للفطرة جزئية تكون عقوبته مناسبة للمخالفة. قال تعالى:

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(الروم، 41).

{وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (الشورى،30).

2- القرآن ومحتواه ومقصده

القرآن هو كتاب الله تعالى، أنزله على عبده محمد ليكون للعالمين نذيرا. وهو يشتمل على الحقائق كلها، ويشير إلى العلوم جميعها، ولكن ما وجّهه إلى الإنسان لتنظيم حياته ومعيشته وتقويم سيره وسلوكه وإصلاح معاملته وعلاقته مع غيره من المخلوقات كلها ينحصر في أربعة مسائل: تصحيح عقيدته، وتزكية نفسه، وتهذيب أخلاقه، وتأدبه مع الآخرين وحسن معاشرته لهم.

ومقصد القرآن من توجيهاته وتعليماته هو هداية الإنسان وإرشاده إلى الصراط المستقيم الذي يوصله إلى السعادة[2]. وهدايته وإن كانت عامة للناس كلهم باعتبار النزول[3] إلا أنها خاصة للمتقين باعتبار النتيجة [4].

والمتقي مَن وقى فطرته من أهواء النفس وتزيين الشيطان، وحفظها كما خُلقت، ولم يدنسها بأيِّ دنس، ولا يزال يفعل ما ألهمته إليه فطرته. فحين يبلغه القرآن يرى فيه كلَّ ما في فطرته، ويرى فيه أيضا طريق الوصول إليه، فيقبله بلا تردد ولا ارتياب. ويبدأ يعيش على مبادئه، فيسعد في حياته الدنيوية ويفوز في حياته الأخروية، وذلك هو الفوز المبين.

فمن اعتصم بالقرآن فقد خصَّ الله بالعبادة، وطهَّر نفسه من الأدناس المعنوية، وأصلحها بالأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة، ونمَّاها بالعلوم النافعة. واحترم حقوق غيره من الناس، وراعى حقوق الحيوانات، وحفظ البيئة والمحيط. ومن أعرض عن القرآن فقد أشرك بالله، ودنَّس نفسه، وجاوز حدَّه، وظلم غيره، وأفسد البيئة واستحق العقوبة[5].

3- المقايسة بين القرآن والفطرة

إن مضمونَ القرآنِ الأمَّ منحصرٌ في مسائل أربعة، وماهية الفطرة الأساسية متكوَّنة بتلك المسائل. وفيما يلي نذكرها بالمقايسة بينهما:

أ- العقيدة الصحيحة

العقيدة: هي على وزن فعيلة، بمعنى مفعولة، من عقد يعقد عقدا. يقول أحمد بن فارس بن زكرياء (المتوفى: 395هـ)  في معجمه (مقاييس اللغة): “العين والقاف والدال أصلٌ واحدٌ يدلُّ على شَدٍّ وشِدّةِ وُثوق، وإليه ترجعُ فروعُ البابِ”. فهي إذن ما عُقِدَ عليه بشدِّة واستحكام. لذا يمكننا تعريفها بأنها ما استقر في القلب بحيث لا يتطرق إليه شك ولا يصل إليه ريب ولا يتسرب إليه شبهة.

 والقلب قائد البدن، لأنه مركز القرار والحكم، وهو يحكم ويخرج قراره بما وضع صاحبه فيه وعقد فمه عليه. فإذا وضع إنسان في قلبه ما تلهمه فطرته، وهو نفس ما يذكره كتابه، فهذا القلب يحكم به ويجريه البدن. وأما إذا وضع فيه ما تهوى به نفسه الذي هو عين ما توسوس به شيطانه، فهذا القلب يحكم به أيضا ويجريه البدن.

والعقل رسول الفطرة والمتحدث باسمها، فهو يقول للقلب حينما يحكم على توجيهه: “أحسنت، أصبت، أنت على الحق”، فيفرح القلب لقراره بالصواب، ويرتاح البدن لفعله بالصالح. وهذا ما يسمى “راحة الوجدان”.

والهوى رسول النفس والمتحدث باسمها، ويقول للقلب حينما يحكم على توجيهها: “أحسنت، أصبت، أنت على الحق”، والعقل يقول: “أسأت، أخطأت، ضللت, أنت على الباطل”، فينزعج القلب لحكمه بالخطأ، ويضطرب البدن لفعله بالطالح، وهذا ما يسمى “عذاب الوجدان”.

والحديث التالي يؤيّده: “أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ”- متفق عليه.

ومن الحقائق الظاهرة في القرآن وحدانية الله في الألوهية. وجميع الرسل أرسلوا للدعوة إلى تلك الحقيقة والنهي عن الشرك بالله فيها[6]. والقرآن يكرر هذا التوحيد وأثره وعاقبته التي تظهر في ميادين الحياة وساحاتها من اطمئنان داخلي وحرية من كل وجه.

ومنها الإيمان بالآخرة والحساب والميزان ودوام الحياة فيها. والآيات في القرآن الكريم مستفيضة فيها. والفطرة تعرف كلتيهما، لأجل ذلك لم يخل أي زمان من المعترفين بها بفطرتهم. يقول الزمخشري في كشافه عند تفسيره في الآية الثانية والعشرين: قال زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق دين قومه:

أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبٍّ … أَدِينُ إِذَا تَقَسَّمَتِ الْأُمُورُ

تَرَكْتُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى جَمِيعًا … كذلك يفعل الرجل البصير

وكما أنه لم يخل أي زمان من المؤمنين باليوم الآخر وبما يجري فيه، ولذلك يقول الشخص لخصمه حينما لا يستطيع أن يسترد حقه منه: “سأحاسبك يوما”، “يأتي يوم ترى فيه ما ترى”، “أمامك يوم يكون لك عسيرا”. ويشعر كل إنسان بانتهاء أيام الدنيا وبابتداء أيام أخرى، ويشعر أيضا أنه سيحاسَب على أعماله في الدنيا وسيؤجر على حسناته ويعاقب على سيئاته، فيضيق صدره ويتحرج عند فعله السيئات ويرتاح وينشرح عند فعله الحسنات.

ب- الأعمال الصالحة

والأعمال الصالحة التي يطلبها القرآن من المؤمن هي أعمال نافعة للعامل ولأهله ولأبناء بلده. وتعلم العلوم النافعة وتعليمها، وتنمية الخيرات وتشجيعها، وفعل الحسنات والترغيب فيها عِدَّةٌ منها.

وهذه الأمور وضع الله تعالى حسنها في الفطرة كما ذكرها في كتابه. لذا فإن كل إنسان يحب العلوم النافعة ويطلبها ويحصل عليها بحسب طاقته وجهده، وكذلك يحاول طول حياته أن يقوم بالأعمال الصالحة لنفسه ولأهله ولأهل بلده. والمؤسسات الخيرية المتنوعة العالمية والمحلية التي أسسها الناس المتفقون على تأسيسها رغم اختلاف معتقداتهم الدينية والدنيوية تدلُّ عليها.

ج- الأخلاق الحسنة

الخلق: سجية النفس وطبعها، وهو يقبل التربية والتهذيب، فإذا رُبِّي وهُذِّب يصدر عنه أفعال جميلة وخصال حميدة كالعدل والصدق والسخاء وما إلى ذلك. وهذه الخصال تسمى مكارم الأخلاق ومحاسنها، وأما إذا أهملت ولم تُهَذَّب يصدر عنه ضدُّها كالظلم والكذب والبخل… وهذه الخصال تسمى مساوئ الأخلاق ومذمومها. وعادة تُستعمل كلمة الأخلاق _التي هي جمع الخُلْق_ ويراد منها تلك الخصال. كما في الحديث التالي:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»[7].

والقرآن يعدُّ الْحَيَاء، والسخاء، والعدل والإعتدال، وصِدْق الْحَدِيثِ، وَإِعْطَاء السَّائِلِ، وَحِفْظ الْأَمَانَةِ، وَصِلَة الرَّحِمِ، وإِقْرَاء الضَّيْفِ… من مكارم الأخلاق، وهو يعدُّ الظلم والحسد والغش والرياء والكبر والعجب والكسل والعجز… من مساوئ الأخلاق.

والفطرة تعرف حُسْن ذلك وقُبْح ذاك، ولذلك يجتهد الناس في أنحاء العالم في التحلي بمحاسنها والتخلي عن مساوئها، وهم مع اختلاف اعتقاداتهم وآرائهم يؤسسون مؤسسات مختلفة للترغيب في الأولى وللترهيب من الثانية، لكي يحصلوا على السعادة.

د- الآداب الرفيعة

الإحسان للوالدين والأقربين وإعانة ذوي القربى وكفالة الأيتام ورعاية الفقراء والمساكين وإيتاء كل ذي حق حقه، والتلطف بالقول والمجاملة في مخاطبتهم، والقول الحسن وحسن العشرة مع الناس كلهم والتأدب مع الآخرين، كل هذه آداب قرآنية يجب أن يمتثلها المسلمون. وكذلك الرفق بالحيوان والعناية به، والمحافظة على البيئة والممتلكات العامة آداب قرآنية أيضا.

والفطرة تعرف كلَّ واحد من تلك الآداب، وتُرَغِّب في القيام بها وتدعوا الناس إليها. والناس يحاولون أن يصغوا إلى دعوات فطرتهم وأن يعملوا بمقتضاها، فتراهم يؤسسون مؤسسات خاصة ترعى جانبا مما تدعوهم فطرتهم إليه، وينفقون في سبيل ذلك أموالا طائلة. مثلا: “جمعيات الحفاظ على البيئة”، “مؤسسات حقوق الإنسان” “مؤسسات حفظ حقوق الحيوان”. “جمعيات رعاية اللاجئين” “دور الأيتام” “جمعيات إيواء المشردين” وغير ذلك من الجمعيات والمؤسسات…

4- الدين والفطرة شيء واحد وكل شيء في الكون متديّن

إنّ ما بَيَّنَهُ الله تعالى في كتابه القرآن نفس ما أودعه تعالى في الفطرة، وهما شيء واحد أصلا، فهذا كتابه الذي أنزل، وهذا كتابه الذي أوجد. وكل قطعة في الكتاب المنزل آية, كذلك كل شيء في الكتاب المُكَوَّنِ آية. والقيام بأوامر المنزَّل، والانتهاء عن مناهيه، والتخلق بأخلاقه، والاتعاظ بمواعظه والاعتبار من قصصه تديُّن, كذلك الإذعان لأسرار الكتاب المكَوَّن وحِكَمِه، والاجتناب عن الإضرار به، والانسجام مع متطلباته، والاعتبار من مناظره تديُّن كذلك. وهدف كليهما واحد، وهو سعادة الإنسان. فكيف خلق الله تعالى كتابه المخلوق لها[8]، كذلك أنزل كتابه المنزل لها[9]. وبالنتيجة يكون الدين للإنسان، وليس الإنسان للدين.

والمخلوقات كلها_غير الإنسان_ تلازم الفطرة، أي تعيش وفق ما تقتضيه فطرتها وتتحرك حسب ما تدعوها إليه. ولا تتعارض مع غيرها ولا تُخِلُّ بحقوقه. وما خالف الفطرة منها فهو هالك. وهذا معلوم لكل ذي عقل. وأما الإنسان فاستجابته لدعوات الفطرة تأتي على ضربين: أحدهما جبرية والأخرى اختيارية، والقسم الثاني هو مقتضى التكليف (الإمتحان)، فخصّه الله تعالى بالميزات وأعطى له الحرية والإرادة، وقد علق سعادته في الدارين بها (باستجابته الاختيارية). قال تعالى:

{قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة38).

والناس جميعهم يستجيبون لدعوات وطلبات الفطرة الإجبارية فترى كلَّ إنسان يأكل ويشرب ويتداوى ويلبس دون مجادلة… وأما إذا جاء الدور لطلبات الفطرة التي أعطى الله لهم الحرية والإختيار في القبول أو عدمه، فبعضهم يقبل ويفعل كلُّ ما تمليه عليه فطرته، وبعضهم يفعل جزءا ويترك جزءا. مثلا: يوجد في كل المجتمعات من لا يكذب ولا يشرب الخمر، ولا يظلم أحدا من خلق الله, حتى يوجد فيها من يفعل الحسنات. وبهذا الإعتبار لا يوجد في الكون من لا يعدُّ ملازما لفطرته. أو لا يوجد في الكون من لا يعدّ عاملا بالقرآن. قال تعالى:

{أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} (آل عمران، 83)

5- التدين التام شرط لسعادة كاملة

والتدين الجزئي السابق ذكره لا يكفي لسعادة الإنسان. إذن إقامة الوجه للدِّين وملازمة الفطرة المذكور في الآية شيء آخر، حيث يُقصد به العمل بجميع ما في القرآن بنية التعبد لله، أو ملازمة الفطرة تلازما تاما كما ينبغي بنية الانقياد لحكم الله تعالى. قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (البقرة، 208)

والسلم بفتح السين وكسرها وسكون اللام وفتح السين واللام، معناه الإسلام والمسالمة، وهو الكلمة المشتركة بين الفطرة والدين. وتفسير الآية على أن السِّلم هو الإسلام:

«أيها المؤمنون! ادخلوا في الإسلام كله، أي اقبلوا كل أحكامه، وقوموا بها كلها، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بقبول بعضها ورد البعض». وهذا المعنى لا يتحقق إلا بالاعتصام بالقرآن اعتصاما تاما وبالاستسلام له استسلاما كاملا.

 وعلى اعتبار أن السِّلم هو المسالمة: «أيها المؤمنون! ادخلوا في المسالمة كلها، أي كن في سلام مع الله، وفي سلام مع الكون، وفي سلام مع الحيوان. وفي سلام مع الناس، وفي سلام مع أنفسكم. وهذا المعنى لا يتحقق إلا بالإصغاء إلى دعوات الفطرة كلها، وتلبية مطلباتها جميعها».

ومهما كان معنى “السلم” في الآية لا تتغير النتيجة. لأن من دخل في الإسلام كله فقد دخل في المسالمة كلها، ومن دخل في المسالمة كلها فقد دخل في الإسلام كله.

ولهذا كان الايمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه مرفوضا، وقد نعى الله تعالى على بني إسرائيل هذا الفعل بقوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة، 85)

6- دين الله واحد وأديان الناس متعددة

قال الله تعالى:

{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران، 19)، {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (سورة الروم، 30).

والإسلام هو دين الله تعالى وليس غيره، والدين هو فطرة الله التي فطر الناس عليها. إذَنْ لا بد أن يكون الدين الذي نزلت به كتبُ اللهِ جميعُها وبلَّغَهُ رسلُه كلُّهم دينا واحدا، وأن يوافق العقل والمنطق، والعلم والحكمة، والواقع والحقيقة. ولكن يوجد هنا فوق الأرض أديان مختلفة لا توافق أي واحد منها، بل يوجد في المسلمين معتقدات وأعمال لا توافقها، ولا يزالون عليها وإن خالفت عقولهم.

ذلك بأن الله تعالى أرسل إلى كل قوم رسولا لينذرهم. ولكن الشيطان قعد على رأس الصراط المستقيم لإغواء من أراد أن يتبع الرسول، ثم أتاه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فأكثرهم تبعه، ولم يقبلوا دعوة الرسول. ثم إن الشيطان لم يألُ جهدا في إغوائهم، حتى إذا مات الرسول ارتدَّ بعض القوم على أعقابهم والتحقوا بقافلة من لم يؤمنوا بالرسول أصلا. ثم بدأ بعض أتباع الرسول يخلطون آراءهم بدينهم، ولم ينظروا إلى الأمور بعقولهم بل بمشاعرهم وأحاسيسهم، ووزنوا المسائل بموازينهم وتركوا ميزان الله تعالى الذي أودعه في الفطرة وأنزله في الكتاب، فأبعدوا الدين عن طريقه القويم.

ثمَّ أتى الأولاد فقلدوا آباءهم تقليدا أعمى، وأضافوا إلى الدين بعض الإضافات من عند أنفسهم كما أضاف إليه آباؤهم، فخرج الدين عن كونه دين الله، وصار آلة لطبقة علماء السوء لإشباع طموحاتهم الفاسدة ولتحقيق أهدافهم الخبيثة. أما السلطة فقد أيَّدتهم لتقوية تحكمها على الناس، والعامة مشوا خلفهم طوعا أو كرها، ثم صارت آراء هؤلاء العلماء وأفعال هؤلاء السلاطين دينا لمن بعدهم. فحيئذ أرسل الله رسولا جديدا فأتى وبَلِّغَ رسالته، وذكَّر الناس بدينهم الأصلي. وتبعه من لا يرجو من الدين منفعة دنيوية من العوام من منتسبي الدين المنحرف[10]، وخالتفه الطبقة المنتفعة وأتباعهم ممن تمسكوا بمودة أسيادهم، ولم يزالوا على دينهم المنحرف. قال الله تعالى بلسان إبراهيم: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} (العنكبوت، 25). وهكذا حدث أديان عديدة، وأحدث الناس مذاهب كثيرة في كل دينٍ، ثم صار كل مذهب دينا على حدة، فبلغ الأمر إلى ما بلغ.

7- الخلاصة

إنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ الكون وما فيه لصالح الإنسان وسخَّرَ كلَّ شيءٍ فيهما له[11]، وجعل انتفاعه متوقفا على حفظه فطرة كل شيء وفطرة نفسه من الفساد. ثم أودع في فطرة نفسه حُسْنَ الحسن وقُبْحَ القبيح، وجعل عقله داعيا إلى الحسن ومانعا من القبيح، ولكن العقل قد يقصر ويضعف فيعجزُ أحياناً عن إجراء وظيفته، لأنَّه في صراع دائم مع الهوى، ولا بُدَّ له من ناصر ينصره ويؤيده. لذلك أنزَلَ اللهُ كتبًا إلى الناس لينير أمامهم طريقهم[12]، وأرسل إليهم رسلاً ليكونوا أسوةً لهم فيه.

فمن خصّ الله بالعبادة من توحيد وغيره، وزكّى نفسه، وهذّب أخلاقه، وتأدّب مع الآخرين، وأعطى كلَّ ذي حق حقَّه، فقد تبع فطرته واتَّبع كتابه، وبذلك يبلغ القمة في الحريَّة والكرامة، وينال السعادة ويشعر بآثارها في ميادين حياته كلها، ويذوق دائما حلاوتها ولذَّتها. وإذا عمّت هذه الحسنات والخيرات بين أبناء بلد فلا بدّ أن يعمَّ فيه الأمن والإئتمان، وينتشر فيه الصدق والوفاء، ويحكم فيه الحق والعدل، فحينئذ ينصلح الحال ويرتاح البال، وتحصل السعادة لهم جميعا البتة.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين الفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com



[1] {فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} الأنعام 79 {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} الإسراء 51 {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} الزخرف 27 {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ} الشورى 5 {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} الانفطار 1 {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا} المزمل 18.

[2] {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى. إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى} طه 2_ 3.

[3] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} (النساء 174. {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} البقرة 185.

[4] {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} البقرة 2.

[5] {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} فصلت 46 {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} الجاثية 15

[6] {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} الأنبياء 25 {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل، 36) {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} الكهف 110.

[7] الموطأ لمالك، والمسند لأحمد، والأدب المفرد للبخاري.

[8] {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} البقرة 29

[9] {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الشورى 52. وهنا قد وصف الله تعالى كتابه بالروح، والقرآن للبشر كالروح للانسان، فبها تميز عن الحيوان، وكذلك البشرية لا ترتقي إلا بالقرآن.

[10] {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} هود 27. {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} الشعراء 111.

[11]  سورة البقرة 2/29، سورة إبراهيم 14/32-33؛ سورة النَّحل 16/12_14؛ سورة الحجِّ 22/36_37_65؛ سورة العنكبوت 29/61؛ سورة لقمان 31/20_29؛ سورة فاطر 35/13؛ سورة الجاثية 45/12-13.

[12] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} النساء 174.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 590 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع