السؤال:
سؤال بخصوص الآية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [سورة البلد: 4]
التفسير المشهور لها أن الله خلق الإنسان في المشقة والتعب، ولكني سمعت لها تفسيراً آخر متسقاً أكثر مع سياق الآيات، وهو أن “الكبد” هو تمام الشيء واكتماله على أكمل وجه؛ فمثلاً يقال إن فلاناً أصاب “كبد الموضوع” أو المسألة، بمعنى أنه أصاب صلب ولب المسألة.
ولو نظرنا للآيات التي بعدها، فإن الله يعدد للإنسان النعم: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ. وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ. وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [سورة البلد: 8-10]
فليس من المنطقي أن يقول الله “لقد خلقت الإنسان في مشقة” وقسم في أول السورة، ثم يذكر الإنسان بالنعم التي هي بمثابة مميزات فريدة للإنسان. أرجو التوضيح وشكراً مقدماً.
الجواب:
إن القول بأن “الكبد” تعني تمام الخلقة واكتمالها هو قول يُضعفه السياق القرآني العام والخاص؛ فالله سبحانه وتعالى حين أراد وصف كمال خلقة الإنسان واستوائه استخدم ألفاظاً صريحة ومباشرة في مواطن أخرى، ومنها:
- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4] فــ “أحسن تقويم” تعبر بدقة عن اعتدال القامة وكمال الخلقة.
- وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 7-8] فاستخدم “التسوية” و”العدل” و”التركيب” للدلالة على الإتقان الجسدي.
أما كلمة “كَبَد“، فهي مشتقة من “المكابدة” وهي تحمل معنى الشدة والمعاناة، ولا تُستخدم في سياق “الكمال الهيكلي” إلا تكلفاً.
فتبدأ السورة بقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ. وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ. وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: 1-3]
- فذكر تعالى “البلد” (مكة) وما فيها من مشقة السفر ووعورة المسالك، وما عاناه فيها نبيه ورسوله، والوالد وما يلقاه من نصب، والوليد وما يلقاه في صباه وشبابه ودراسته وتأمين مستقبله من عناء وكدح، كله يمهد للحقيقة الكبرى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]
- فالمناخ العام للسورة هو مناخ معاناة ومكابدة وليس مناخ استعراض كمال خِلقة، وتشير الآية إلى أن الدنيا ليست دار راحة مطلقة.
- وهذا يمنح الإنسان طاقة إيجابية لفهم الواقع؛ فالصعوبات ليست خللاً في حياته، بل هي جزء من تصميم الخلق، والراحة الحقيقية تكون فيما بعد هذه المكابدة في الآخرة.
لماذا ذكر الله “المكابدة” ثم ذكر “النعم”؟
إن السياق هنا ليس للامتنان المجرد، بل هو سياق إقامة الحجة بدليل قوله بعد آية (الكبد) وقبل ذكر النعم:
- ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا ﴾ [البلد: 5 -6] وذلك حين يشعر الإنسان بقوته وكمال خلقته ويظن أنه استغنى بها عن تدبير الخالق، ويتباهى بإنفاق المال الوفير في المفاخرة؛ فجاء ذكر “الكبد” قبله ليذكره بأصله الضعيف الذي يحتاج لمكابدة في كل شؤونه فلا يغتر بماله.
وهنا نلحظ دلالة بيانية دقيقة في كلمة “أهلكتُ“؛ إذ لم يقل (أنفقتُ)، ليدل على ضياع هذا المال في المباهاة وليس في وجوه الخير.
وكذلك كلمة “لُبَداً“ التي تشير إلى المال المتراكم الذي تلبَّد بعضه فوق بعض من كثرته، مما يعكس شدة تفاخر هذا المرء بحطام الدنيا.
فيأتي (الرد الإلهي) ليذكر الإنسان بنعم الله عليه التي هي في الحقيقة “أدوات المكابدة” والإدراك حين قال:
- ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ. وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ. وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8-10] فلم يكن الهدف وصف خلقه وتقويمه، وإنما لأن هذه الحواس هي الأدوات التي تعين الإنسان على التمييز بين طريقي الخير والشر، وهي حجة عليه ليوجه مكابدته في الطريق الصحيح.
اقتحام العقبة (أعمال المكابدة المثمرة)
وبما أن الحياة “كبد” وتعب مستمر، فإن العقل يقتضي أن يكون هذا التعب في الطريق الصحيح الذي ينجي صاحبه، وهو ما دعت إليه السورة بهذا التعبير: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11] فلفظ “الاقتحام“ هو الجسر البياني الذي يربط بين الكبد (طبيعة الخلق) وبين العمل الصالح (طريق النجاة)؛ فهو يخبرنا أن طريق الجنة لا يُنال بالراحة، بل بمكابدةِ واقتحامِ عقبات النفس والشح.
وجاء وصف هذا الفعل بـ “العقبة“ في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: 12] ليرسم اللفظان معاً (الاقتحام + العقبة) صورة حركية فاعلة؛ فالعقبة هي الحاجز الوعر والصعب، والاقتحام هو الفعل القوي المثابر لتجاوز هذا الحاجز.
وهذا يؤكد أن النجاة لا تأتي بالأماني السهلة، بل بمكابدة النفس وهواها واقتحام مشاق الطاعات للوصول إلى القمة والنجاة من المهالك. ثم تعطي السورة بعض الأمثلة على العقبة:
- ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 13-16].
هذه الأعمال (فك الرقاب، وإطعام الجائع، وكفالة اليتيم والمسكين) هي ذروة المكابدة؛ لأن الإنسان يشح بماله وقت حاجته، فإذا بذلها فقد اقتحم العقبة بنجاح.
وختمت السورة بأن هذه المكابدة في العمل الصالح يجب أن تُتوج بصفات نفسية تسمو بالروح:
- التواصي بالصبر: لأن طريق الحق يحتاج إلى نَفَس طويل وقوة تحمل، وهذا يحتاج من عباد الله أن يتواصوا بشأنه وتذكير بعضهم بعضا بفضله.
- والتواصي بالمرحمة: ليكون التعب موجهاً لخدمة الخلق والرحمة بهم:
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17].
فلو كان المعنى هو “تمام الخلقة” لكانت السورة سياق مديح للإنسان، بينما السورة في حقيقتها سياق وعظ، وتذكير بالضعف، ودعوة للعمل الصالح.
وختامًا:
إنَّ المتأمل في آيات الله تعالى وفي حال الدنيا يدرك أنَّ الإنسان قد خُلق في “كبد”، وهي مشقةٌ ملازمةٌ له منذ صرخته الأولى وحتى أنفاسه الأخيرة؛ فالدنيا بطبيعتها دارُ ممرٍّ وكدح، وليست دار استقرارٍ وراحة، كما قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]
والسبيل الوحيد للنجاة في عناء هذا الكبد هو توظيف المكابدة في طاعة الله تعالى، وتحويل الجهد البدني والنفسي إلى زادٍ يُبلغ الإنسان دار الراحة الأبدية.
فسورة البلد ترسم للمرء طريق البصيرة؛ إذ تقول له بلسان الحال: “بما أنك ستتعب وتكابد في هذه الدنيا لا محالة، فاجعل تعبك في اقتحام العقبة من فكِ رقبةٍ وإطعامِ مسكين، والتحلي بالصبر والرحمة”.
لتصل في النهاية إلى الفوز العظيم، بدلاً من أن تُذهب مجهودك سدى وتضيع عمرك في الغرور والتباهي بالمال الفاني وتكون ممن قيل فيهم:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]
فالعاقل هو من علم أنَّ الراحة الحقيقية والسكينة المطلقة لا توجد إلا فيما بعد هذه المكابدة، حيث يقطف ثمار صبره في دارٍ وصفها خالقها بقوله:
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: 4]
وأكد ديمومتها وفضلها بقوله:
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 17].
الباحثة: شيماء أبو زيد


معلتي بارك الله فيك وجزاك خيرا يارب و يديم عليك فضله و نعمه و ستره و أنار بصيرتك لما يحب و يرضي
بارك الله فيك أستاذة شيماء على جهودك في توضيح كل المعاني بما يتوافق مع الآيات القرانية والاستدلال بآيات قرانية.
شكرا للتوضيح شرح فوق الممتاز