السؤال:
السلام عليكم، لدي بعض التساؤلات و أرجو منكم سعة الصدر… وشكرًا مقدمًا
- من هم القرآنيون؟ وهل توجد فئة من المسلمين يؤمنون بالقرآن فقط ولا يؤمنون بالرسول عليه الصلاة والسلام وسيرته بالجملة؟ لقد قابلت شخصاً يتبنى هذا الفكر، ويقول إنه لا يؤمن بمحمد لأنه بشر يخطئ، بل قال بعض الكلام الممتهن في حقه! علماً بأن محمداً هو رسول الله المعصوم من الخطأ، وقد كان على خلق عظيم، بل كان قرآناً يمشى على الأرض.
- لماذا يتصرف معظم المسلمين بتعجب وامتهان مع من يراجع ويعرض ما نُسِب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام على القرآن الكريم؟ بل ويتهمونه بأنه في أول طريق الإلحاد؟ بالرغم من أنه من الواجب على المسلم الحق درأ الأذى وتنقية سيرة النبي مما أُلصِق بها من تشويه.
والله، على الرغم من إيضاحكم لهذه النقطة مسبقاً، إلا أن هجوم المجتمع مخيف جداً، لا سيما من أهالينا، ووالدينا، وأصدقائنا؛ فما هو التفسير النفسي والاجتماعي لهذا الرفض العنيف لكل ما هو غير مألوف حتى لو كان صحيحاً؟
- أحياناً كثيرة نشعر بالوحدة والاضطهاد من المجتمع، وقد لا يتقبلنا من هم حولنا لمجرد خوضنا في أصغر نقاش. فمثلاً، بعد اتساع وعيي، حاولت نصح مَن حولي من الأهل والأصدقاء، لكنهم سرعان ما يهاجمونني عبر إلزامي بالإتيان بالدليل من السنة التقليدية، وقد تكرر هذا مؤخراً عند مناقشة القانون الجديد في مصر الذي ينص على ضرورة استئذان وإعلام الزوجة الأولى قبل الزواج الثاني؛ إذ أخبرتهم أن هذا القانون صحيح دينياً؛ لأن الشرع والفقه يجب أن يقترنا بما وصانا به الله ورسوله من مراعاة المشاعر، وأن الله ورسوله حاشاهم أن يهملوا مشاعر النساء، فالله تعالى يراعي مشاعر خلقه، لكنهم بالطبع لم يتقبلوا كلامي، فانسحبت فوراً بعدما أوضحت أننا لا نتجادل، بل نبحث عن الحق.
وهنا تبرز معضلة أخلاقية ونفسية: هل النصح والإصلاح أفضل؟ أم ترك الأمور على وضعها اعتزالاً للفتنة أفضل حتى لا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة الاجتماعية؟ فترك الناس ينتشر بينهم الفوضى والفساد والظلم أمر سيء، والجدال أيضاً أمر سيء.
- بسبب انتشار سوء المعتقد لدى المسلمين في فهم صفات الله تعالى ومقام رسوله، أجد أن حتى قرار “اختيار الزوج” بات صعباً جداً بالنسبة لي في مجتمعي؛ نظراً للفكر المشوه السائد تحت غطاء الدين، حيث يرفض الجميع مراجعة المألوف والتقليدي؛ فكيف يتعامل المرء مع هذه الوحدة وهذا التحدي المستقبلي؟
الجواب:
وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، لا تقلقي أيتها السائلة الكريمة بشأن كثرة التساؤلات، فنحن لا نقل عن المتسائل في حجم الاستفادة والرغبة، لأن الأسئلة الجيدة مفتاح للمعرفة وسبب لأن ننهل من فيض: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.
أولاً: من هم القرآنييون؟
قبل التعرف على “القرآنيين” كتيار فكري معاصر، ينبغي التمييز الحاسم بين التسمية في أصلها الشريف وبين المسمى بها أو المنتسب إليها.
فمن حيث اللفظ والأصل، ينبغي أن تُطلق هذه التسمية على من يكتفي بالقرآن الكريم مصدراً وحيداً للتشريع والدين، أسوة بالرسول الكريم نفسه الذي أمره ربه بالاكتفاء بالوحي بلاغاً وتذكيراً: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45] وهو ما طبقه ﷺ قولاً وعملاً حاصراً مرجعيته الإنذارية في التنزيل قائلًا: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ، قُلْ لَا أَشْهَدُۚ، قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 19] توضح الآية بجلاء أن الشهادة والتشريع بغير القرآن مدخلٌ للشرك، بينما أعلن الرسول براءته التامة من ذلك مستمسكاً بالقرآن وحده؛ ولذلك صدق من قال إنه ﷺ “كان خلقه القرآن” وأنه “قرآن يمشي على الأرض”.
وهذا المبدأ الأصيل له جذور تاريخية بدأت بتوجس بعض الصحابة مبكراً من تدوين الأحاديث مع القرآن، ثم تبلورت كخلاف معرفي لدى المعتزلة وأهل الكلام في القرنين الثاني والثالث الهجري حول شروط قبول المرويات الشفوية وعرضها على القرآن والعقل، قبل إعادة تنظيم هذا الفكر في العصر الحديث.
هذا عن حقيقة التسمية وجذورها، أما عن التيار المعاصر الذي يبث أفكاره تحت لوائها فـ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. والسؤال المفصلي هنا: هل القرآنيون المعاصرون يمشون على خطى الرسول؟
هنا تبرز ضرورة التمييز المعرفي بين اتجاهات هذا التيار في الفضاء المعاصر:
- الاتجاه الأول (الانحراف والامتهان): وهم مَن قالوا بعدم الإيمان بالرسول وجرّدوه من مكانته بدعوى “أنه بشر يخطئ”، ووصل بهم الأمر إلى امتهان مقامه العظيم (كالشخص الذي قابلتِهِ). وهذا مسلك يهدم الرسالة ويكفر بالنبوة؛ فالقرآن حين أثبت بشرية النبي وإمكانية الخطأ الاجتهادي في شؤون الدنيا كما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ…﴾ [الكهف: 110]، وقوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2]، لم يأتِ للحط من شأنه – معاذ الله – وإنما لترسيخ التوحيد المطلق وحماية الأمة من الغلو واتخاذ الأنبياء أرباباً: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: 80]، ورداً على تعنت الأقوام في طلب خوارق كونية: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: 193].
فإن خطأ النبي في التطبيق اليومي لا يمس عصمته المطلقة كرسول في تبليغ الوحي، وهو صاحب أرفع مقام أخلاقي: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4] وهؤلاء الغلاة وقعوا في الكفر؛ لأنهم بدلاً من تنزيه الرسول وتبرئته من المرويات المتناقضة التي تصطدم بالقرآن، وجهوا سهام نقدِهم وسبهم إلى الرسول نفسه، وتناسوا أن الوحي صان مقام الرسالة وقطع أي احتمالية للتقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: 44-46].
- الاتجاه الثاني (بين التنزيه والتطويع): وهم باحثون يعرضون المرويات على القرآن تنزيهاً لمقام الرسول ودفاعاً عنه ضد روايات تشوه شخصيته الكريمة، لكن الكثير منهم وبسبب تمردهم الاندفاعي غير المنضبط على المفسرين والفقهاء، وقعوا في فخ التأويل الخاطئ ليوافق أهواءهم وقراءاتهم الشاذة بعيداً عن القواعد اللغوية والمقاصد التشريعية، فتحول منهجهم من “اتّباع القرآن” إلى “تطويع القرآن” متناسين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26] فهؤلاء ادعوا الإيمان المطلق بالمنهج لكن سلوكهم المعرفي جافاه، فينطبق عليهم قوله سبحانه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا، قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14].
- الاتجاه الثالث (الاتجاه المعتدل): وهو المنهج العلمي الهادئ؛ إذ يتدبر أصحابه القرآن مستندين إلى المنبع الإلهي النقي، إيماناً بأن القرآن كافٍ بذاته وتفصيله من عند الله تعالى مصداقًا لقوله لرسوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ العنكبوت (51). [العنكبوت: 51] ومرجعيتهم في التفسير هو الكتاب نفسه: ﴿وتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 37]، وهم قلة قليلة.
لكنه وكعادة البشر عبر التاريخ من انتشار الخبيث وقلة الطيب، وكما وصف الله أهل الكتاب ومن سار على نهجهم: ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110] فقد ذاعت التيارات المتطرفة والمحرفة وطغت شهرتها على التيار المعتدل؛ فأصبح هؤلاء الغلاة بمثابة دعاية سيئة لعنوان “القرآنيين” رغماً عن شرف التسمية وعظمتها، وتسببوا في تنفير المجتمع من أي شخص يتحدث عن محكم القرآن الكريم كمصدر أوحد للدين.
بينما الحقيقة المركزية تتلخص في التلازم العقلي والعقدي المطلق بين الكتاب والرسول؛ إذ لا يمكن لمؤمنٍ صادقٍ بالقرآن وحده كمصدر للتشريع أن يكفر بالرسول ﷺ، فكيف يستقيم في منطق العقل أن يؤمن المرء بالرسالة ويجحد صاحبها الذي نزل عليه الوحي وجسّده قولا وعملاً؟
فالجواب يكمن في أن الإيمان بالقرآن الكريم وحده هو الذي يورث المؤمن الصادق تعظيماً حقيقياً لحب الرسول ﷺ، وحرصاً بالغاً على الاقتداء به، والذود عن مقامه المعصوم ضد روايات التشويه، امتثالاً للأمر الإلهي الصارم الذي جعل الإيمان الفالح مشروطاً بنصرة الرسول النبي وتوقيره مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]
المخرج والحل الأسمى: تجريد الانتساب لله ورسوله
ومن هنا يتجلى لنا أن الحل الأسلم والأطهر للمؤمن هو عدم الانتساب لأي تيار فكري قديم أو معاصر تحت أي مسمى كان؛ فالتمسك بالكتاب وحده يجعل المؤمن ربانياً يؤمن بكل تعاليم ربه ورسله وكتبه السماوية، مستغنياً عن الألقاب الحزبية والفئوية: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 32] ومكتفياً بالتسمية الإلهية الشريفة التي ارتضاها الله لعباده: “مسلم”، وكفى بها شرفاً! وذلك امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33] هذا التجريد في العبودية هو التجلي الحقيقي للوحدانية التي أعلنها نبينا الكريم أسوة بملة أبيه إبراهيم حنيفاً حين قال: ﴿وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 163] وهو المسار الحكيم الذي يخرج المؤمن من ضيق الصراعات المذهبية والاتهامات المجتمعية إلى رحابة الوحي الإلهي المعصوم.
ثانياً: أزمة المجتمع في التعامل مع نقد التراث
أما بشأن أسباب الهجوم الشرس الذي يواجهه مَن يعرض المرويات على القرآن، فإنه يعود في عمقه إلى فخ نفسي وعقدي سائد، وهو (وهم صك الغفران الموروث، والهروب إلى الجهل الآمن)؛ فالمحرك الأساسي للإنسان التقليدي هو البحث عن استقرار وجداني مريح، وبناءً عليه يهرب فوراً من الجهد العقلي والمسؤولية الفردية، ويفضل تصديق ما بَثّه الخطاب التقليدي عبر القرون من أن عقله البشري قاصر ومحدود أمام ما أسموه بـ”علم التوفيق والجمع بين الآيات والروايات”، حتى لو كان هذا التوفيق قائماً على ليّ عنق الآية لتوافق الرواية!
لقد ارتضى هذا الإنسان بجهله واستسلامه المعرفي؛ لأنه يرى في هذا الاتباع الأعمى أمانه النفسي وضماناً لعدم زعزعة معتقداته، ممتثلاً للمنطق الجاهلي القديم: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 74] ومن هنا، فقد ضربت المرويات والتعصب للمذاهب والشيع أقفالاً منيعة على العقول لئلا تتأثر بنور القرآن، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].
ويتحكم هذا القفل المعرفي في توجيه فكر الناس عبر آلية خطيرة؛ إذ قامت المرويات المذهبية بتقسيم القرآن تجزئةً وتأويلاً، فجعلت آيات الوعيد، والمحاسبة الصارمة، والمسؤولية الأخلاقية موجهة في أكثرها إلى “أهل الكتاب” وكأن المسلمين غير معنيين بها! وفي المقابل، أصلت للمسلمين ثقافة الاكتفاء بالروايات البديلة التي تصوّر النجاة ودخول الجنان كمكافأة مجردة على الهوية الشفهية، ركوناً إلى مرويات تزعم أن مجرد النطق بالشهادتين يمحو أثر الخطايا والذنوب ولو كانت مثل زبد البحر أو جبل أحد، ويدخل الجنة بلا عمل!
وبسبب هذا التقسيم الجائر للقرآن، وقع أكثر المسلمين في ذات الفخ النفسي والمسلك العقدي القائم على الأماني، ونسوا أن السنن الإلهية في المحاسبة واحدة لا تجامل أحداً بنسب أو مسمى، وأننا جميعًا (أهل كتاب)، وقد تجلت هذه الأماني في دعوات فندها القرآن بالرد الحاسم نذكر منها:
- دعوى (وهْم الاصطفاء العرقي والقلبي): وتتمثل في ادعاء المحبة والخصوصية الناتجة عن مجرد الانتساب الشكلي للدين: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، ليتنزل الرد والتفنيد الإلهي المباشر الذي يسقط هذا الاستعلاء بالعمل والواقع: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ، بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: 18].
- دعوى (وهم العقوبة المؤقتة والشفاعة التلقائية): وتتمثل في ظنهم أن العذاب لن يمسهم إلا أياماً معدودة ثم يخرجون منها بموجب المرويات: ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً، قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 80]، ليعقبها الرد القرآني الحاسم والقانون الكوني العام الذي يربط المصير بالعمل لا بالهوية: ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سِيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 81].
وهنا تبرز الإجابة عن سر الهجوم الشرس؛ إذ كيف يمكن لأحدٍ – بجرة قلم أو بسؤال تدبري يعيد الاعتبار لمحكم القرآن – أن يأتي ويسحب من تحتهم هذا البساط الوهمي والخلد السهل الذي يستريحون عليه؟ إنهم لا يدافعون عن الدين في ذاته، بل يدافعون عن أمانهم النفسي المستعار من الروايات التي تجعلهم شعباً مستثنى من قوانين العدل الإلهي؛ ولذلك يثورون بعنف ضد كل مَن يحاول إيقاظهم من حالة التخدير الفكري التي جعلتهم يربطون بين النجاة الأخروية وبين الاستسلام المعرفي الأعمى، متناسين أن مسؤولية التنزيل والتدبر مسؤولية فردية لا تُفوّض لأحد، وأن الحساب غداً لن يكون طائفياً ولا مذهبياً، بل تجسيداً لوعيد الله الحاسم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ…﴾ [الأنعام: 94].
وعند تأمل هذا المجتمع الرافض للمراجعة بسبب أقفال الموروث تلك ، نجد أنهم كذلك ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، بل ينقسمون بحسب طبيعة تأثرهم بوهم الصك والموروث إلى فئات تفككها الآيات:
1_ فئة الأُميين (العاطفة والتقليد الشفوي):
وهم الكثرة الذين ينقادون وراء الموروث بالتبعية، فلا يعلمون من كتاب الله إلا الأماني والظنون التي لقنهم إياها الخطاب التقليدي: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: 78] وتدخل في هذه الفئة العاطفة الأبوية للوالدين والأقربين؛ إذ يدفعهم خوفهم غير الواعي والبرمجة التاريخية إلى محاربة أي خروج عن القطيع الفكري، مصداقاً لتصوير القرآن للتبعية الآبائية: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].
2_ فئة المستكبرين:
هؤلاء يستكثرون الفكر المستنير بالقرآن والتميز المعرفي والطهر الفكري على أشخاص بعينهم في محيطهم، ويظهر أكثرهم في العلاقات الندية في المجتمع القريب وفي بيئة العمل؛ فتحركهم غريزة الكبر، أو الغيرة الاجتماعية، أو المنافسة، مستصغرين شأنكِ أو شأن مَن يتدبر لسان حالهم كمن سلف من الجاحدين حين قالوا باستعلاء وتشكيك: ﴿أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا﴾؟ متناسين بقية الآية التي تجيب عليهم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾!! [الأنعام: 53].
3_ فئة الغافلين (الهامش المعرفي والبركة الجاهزة):
وصنف آخر لا تشغلهم قضايا التنزيه أو البحث المعرفي؛ إذ استغرقوا تماماً في لهو الحياة اليومية وزينتها، وأعرضوا عن تحذير ربهم: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ… وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20] هؤلاء يفضلون البقاء على هامش الوعي تجنباً لمعارك فكرية يرونها لا تسمن ولا تغني من جوع، ويكتفون بهز الرأس انهاءً للحوار والجدل؛ فهم لا يريدون بذل أي جهد في التدبر، بل ينتظرون البركة الجاهزة وصكوك الغفران من المشايخ والدعاة، لسان حالهم كمن وصفهم القرآن في التهرب من المسؤولية الفردية والانشغال بالدنيا مع طلب الطهر السهل كمن قالوا: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح: 11].
4_فئة المنتصف (الرمادية الواعية):
وهم فئة رمادية يعلمون في قرارة أنفسهم بالتعارض الصارخ بين الموروث ومحكم القرآن، لكنهم يفضلون “الاقتصاد” والوقوف على الحياد لعدم امتلاك الشجاعة الفكرية لتحمل الضريبة الاجتماعية؛ فيكتفون بالعبادات الظاهرة، ولسان حالهم: دعِ الخلق للخالق وللدين أهله، وكأن تعاليم القرآن طلاسم لا يجوز لهم قراءتها.
5_فئة السابقين بخيرات الفكر والتدبر:
تلك الفئة القليلة المتفكرة من أولي الألباب الذين استجابوا لأمر ربهم بالنظر والتدبر الإيجابي، فهم كما وصفهم ربهم وجعلهم الطليعة المقربة: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10-11]؛ أورثهم الله تعالى وعي الكتاب ونور البصيرة، وجعلهم في أعلى مراتب الاصطفاء المعرفي لأنهم قدموا محكمات القرآن الكريم على ما سواها من ظنون الموروث البشري، ولسان حالهم ويقين قلوبهم يعلنها صريحة مدوية: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: 114] وبذلك انطلقوا مصلحين ومفكرين ينشرون الخير والنور بعقول مستنيرة، ونالوا مرتبة “الفضل الكبير”.
الميزان الإلهي الحاسم للفئات:
هذه الفئات والمواقف البشرية جمعها الله سبحانه وتعالى في آية الاصطفاء والكتاب في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ، ذَٰلِكَ هوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32]
فالظالم لنفسه هو من عرف الحق وأعرض عنه باختياره الجهل أو الكبر، والمقتصد هو من يتبع الحق في نفسه لكنه وضع نفسه في المنتصف خشية معارك الإصلاح الفكري فحرم نفسه من مرتبة السابقين بالخيرات.
ثالثا: الحل العملي لمواجهة الخلاف
تذوب المعضلة النفسية والاجتماعية تماماً عند تطبيق التوجيه الإلهي الحكيم في التعامل مع البيئة الرافضة، وذلك عبر ثلاثة محددات مرتبة:
1. إنكار الذات
بما أن مواجهة المجتمع (الآباء، الأخوات، الزملاء) برأيكِ وتدبركِ المباشر يثير حفيظتهم ويدفعهم لاتهامكِ في دينكِ سواء أكان خوفًا أو كِبراً، فإن المنهج الحكيم يقتضي تنحية الأنا تماماً؛ فلا تقل: “أنا فكرت” أو “رأيت”، بل ارفع عن نفسكِ حرج المواجهة الشخصية واجعلهم يواجهون الفكرة مجردة عبر صيغ محايدة، مثل: “لقد قرأت أو شاهدت باحثاً/ عالماً يقول كذا ويستدل بهذه الآية”.
2. الانسحاب والصمت الواعي
إذا تطور النقاش إلى مشاحنة أو أذى نفسي يهدد سلامتك الأسرية وعلاقتك بوالديك، فإن السلوك الأسمى هو الانسحاب الذكي مع الاحتفاظ بوعيك النقي داخل قلبك؛ فالمرء قد يُضطر مداراةً لبيئته أن يخفي كشوفاته المعرفية ويصمت، ويكون في ذلك معذوراً ومحفوظاً عند ربه طالما أن عقيدته وتنزيهه للوحي ثابتان، تماماً كما عذر تعالى المضطرين في قوله: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ…﴾ [النحل: 106].
غير أن هذا الصمت الإجباري لا يعني أبداً مسايرتهم في الباطل أو هز الرأس مجاملةً لافتراءاتهم؛ إذ يوجب القرآن المفارقة الفورية والامتناع عن المشاركة الوجدانية في مجالس الخوض والتزييف التراثي: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68] وبذلك تجمع بين حماية نفسك والاستمساك بقداسة الوحي دون مداهنة.
3. فقه الموازنات: بين النصح والترك
بناءً على ما سبق، ينبغي الموازنة الدقيقة في حركتك المجتمعية بين مسارين:
- متى يكون النصح أوجب؟ عندما نجد عقلاً مرناً أو مسترشداً يسأل باحثاً عن الحق؛ هنا يكون الصمت تقصيراً، ويجب الصدع ببصائر القرآن بالتي هي أحسن.
- متى يكون الترك والصمت أفضل؟ عندما يتحول النقاش إلى جدال شخصي، أو بهتان، أو طعن في العقيدة؛ فالجدال هنا مذموم يوغر الصدور ولا يغير القناعات.
أنت لست موكلا بتغيير وعي عقول عاندت البصائر باختيارها، والقرآن حسم حدود مسؤوليتكِ بقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: 104].
رابعًا: واقعة قانون الزواج ومراعاة مشاعر النساء
ومثال ذلك ما حدث مع السائلة الكريمة عند مناقشة “القانون المقترح في مصر بضرورة إعلام واستئذان الزوجة الأولى قبل الزواج الثاني.
تفكيك واقعة الزواج الثاني وميزان المشاعر الإلهي
عندما جادلتِ محيطكِ بأن هذا القانون صحيح دينياً، كنتِ تنطلقين من رؤية قرآنية عميقة ترى أن التشريع الإلهي والفقه الحقيقي لا يمكن أن ينفصلا عن مقاصد العدل، والرحمة، ومراعاة المشاعر الإنسانية، لا سيما مشاعر النساء اللاتي تعرضن للظلم عبر قرون؛ والنبي الكريم نفسه – الذي يزعمون اتباع سنته – كان يحرم على نفسه الحلال لكي يرضي أزواجه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْواجِكَ﴾ [التحريم: 1] فإذا كان نبل الخلق النبوي يدفعه للتضحية بحقه إرضاءً لزوجته، فكيف يزعم التراثيون أن الدين يبيح للرجل التقليدي اليوم أن يجرح ويكسر مشاعر الزوجة الأولى استعلاءً وخداعاً دون إعلامها؟
لكن العقلية التقليدية المحيطة بكِ، لعدم تقبلها لغير المألوف، قدمت الروايات على أصل الرحمة والسكينة لسنة الله ورسوله في الزواج: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً…﴾ [الروم: 21] لذا، فإن انسحابكِ من ذلك الجدال العقيم بعد توضيح الحق كان سلوكاً قرآنياً حكيماً.
أما عن الوحدة الفكرية وتحدي المستقبل (كالزواج والعيش اليومي)، فإليكِ محددات التعامل معها:
- صناعة الفضاء الخاص: الوحدة الفكرية في البداية هي ضريبة التميز المعرفي، فتقبلي أن تكون لكِ حديقتكِ الفكرية الخاصة التي لا تشاركينها مع سائر الناس، واكتفي في علاقاتكِ العامة واليومية بالحد الأدنى من المشتركات الإنسانية والأخلاقية (كالبر، حسن الخلق، والعفو) دون اشتراط التطابق الفكري للتعايش.
- معيار اختيار الشريك (المرونة والعدالة لا التطابق): عند التفكير في الاستقرار وبناء أسرة، لستِ بحاجة لباحث فكري يطابقكِ في كل قناعاتكِ المعرفية بالتفصيل، بل ابحثي عن الإنسان المرن، المتسامح، ذي الخلق الرفيع، الذي يحترم عقلكِ ولا يملك نزعة تسلطية؛ فإذا توفرت هذه الصفات، فإن المساحة الآمنة للنقاش والتفكير ستكون مكفولة داخل بيتكِ المستقبلي، وسيكون قادراً على استيعاب تطلعاتكِ الفكرية وتوفير السكينة التي تبحثين عنها.
تتويجاً لكل ما سبق، فإن الضمانة الإلهية الكبرى لتبديد هذه الغربة وتيسير شريك الحياة الذي تقر به عينكِ، تكمن في الوعد الإلهي الذي يربط صلاح السعي بطيب العيش؛ فما دمتِ سلكتِ طريق طهر الفكر والتدبر، فإن الله سبحانه وتعالى متكفل بصناعة حياتكِ الطيبة وسوق أسبابها إليكِ، حتى لو كان المجتمع من حولكِ يبدو منغلقاً أو خياراته ضيقة، مصداقاً لوعده الحتمي في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97] فثقي بوعده واطمئني بأن من تولاه الله تعالى سيصنع حياته على عينه ويسوق له الطيبين سوقاً كما يسوق الماء إلى الأرض الجزر.
الباحثة: شيماء أبو زيد


ثبتك الله استاذتي الغالية وبارك لك
القرآن هو المرجع الأصلي للدين، وعندما هجرناه تحرفت معاني القرآن بسبب السفهاء الذين بدلوا معاني القرآن، ونحن ندفع الثمن، لأن جميع من يتكلم بالقرآن يسبح عكس التيار ويُتهم بالكفر.. سبحان الله، بل هم من كفروا وبدلوا كلام الله عن مواضعه..
بارك الله فيك أستاذة شيماء، دائما أستفيد بل وأستمتع بمقابلتك.. وتحيه طيبه لجميع القائمين على هذا الموقع الرائع.
جزاكم الله كل خير أستاذة شيماء وجميع العاملين في المنصة المحببة إلى قلبي
و الله كل يوم أستفيد بشئ جديد ينعكس بالخير في المعرفة و الخلق
شكراً جزيلاً لكم و بارك الله عليكم