السؤال:
السلام عليكم، لا أعترف بالنسخ داخل القرآن، ولكني توقفتُ عند الآية الأولى والأخيرة من سورة المزمل، واحترتُ في تحديد المخاطب في الآية الأخيرة في قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ هل المخاطب هو النبي وطائفة من الذين معه، أم الطائفة فقط؟ لأننا إن قلنا أن النبي معهم، إذن سيكون هناك نسخٌ لقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وما الأدلة على أنها (أي آية التخفيف) خاصة بالطائفة التي قلدته فقط، دونه عليه الصلاة والسلام؟
الجواب:
وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، نشكر السائلة الكريمة على سؤالها الذي يعكس تدبرها الواعي لكتاب الله تعالى، فالتدبر السياقي لسورة المزمل والوقوف الدقيق على الفوارق الدلالية بين المصطلحات القرآنية، يكشف عن إحكامٍ بنائي ينفي التعارض والإلغاء، ويُبين كيف تنسجم الآيات لترسم مراتب التكليف بين مقام الرسالة وعموم الأمة.
أولاً: تحديد المخاطب في آية التخفيف
عند تلاوة الآية الأخيرة من السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20] يتضح أن المخاطب بأمر التخفيف ﴿فَاقْرَءُوا﴾ هم المؤمنون (الطائفة) وليس النبي صلى الله عليه وسلم بمفرده، والدليل من النص نفسه:
- صيغة الجمع: جاء الأمر بلفظ الجمع ﴿فَاقْرَءُوا﴾ و ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، ولو كان النبي مقصوداً بالتخفيف لكان الخطاب بالإفراد (فاقرأ)، كما بدأ في أول السورة بالإفراد الحاسم في قوله: ﴿قُمِ﴾ ﴿وَرَتِّلِ﴾.
- العلل المذكورة: علّل الله تعالى التخفيف بأعذار بشرية مجتمعية حين قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20] وهي أحوال الأمة والمجتمع في كل زمان ومكان، وهي تختلف عن أحوال النبي الذي كان الوجه الدعوي ومسؤولية الرسالة تقع على كاهله في المقام الأول.
ثانياً: أدلة خصوصية التكليف بالنبي عليه الصلاة والسلام
ثمة أدلة قاطعة على أن قيام الليل ظل فرضاً ثابتاً في حق النبي، بينما خُفف عن الطائفة التي قلدته:
- أصل التكليف في مطلع السورة: جاء الخطاب فردياً ومحدداً للنبي حين ناداه ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2] كجزء من إعداده لحمل القول الثقيل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5] وهذا القول يستدعي التفرغ التام عن شواغل الدنيا، بدليل قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هي أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا. إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 6-7]؛ فضمائر الخصوصية (عَلَيْكَ) و(لَكَ) تؤكد خصوصية الخطاب بالتفرغ ليلاً لترتيل الوحي.
- طبيعة حركة الطائفة: النص لم يذكر أن الله تعالى فرض على الطائفة قيام الليل بأمر سابق، بل قال: ﴿وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: 20]؛ أي أنهم قاموا تطوعاً ومحبةً واقتداءً، فلما ثقل الأمر عليهم بسبب مشاق الحياة والسعي في طلب الرزق، جاء اللطف الإلهي ليرفع الحرج عنهم ويبين أنهم ليسوا ملزمين بهذه العبادة.
- الشواهد من مواطن أخرى: يعتضد هذا الحكم بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] فقوله: ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ لغوياً تعني: زيادة تخصك وحدك وتُفرض عليك لعلو مقامك مما يؤكد على أن الأمر بالنسبة للرسول لم يُلغ أو يخفف.
ثالثاً: البُعد اللغوي (المعضلة بين الترتيل والقراءة والتلاوة)
إن الخلط وسوء الفهم الذي أوقع البعض في مأزق إلغاء الحكم جاء نتيجة عدم التفريق الدقيق بين مفهوم الترتيل ومفهومي القراءة والتلاوة في المعجم القرآني.
فالأمر حين جاء للنبي الكريم في مطلع سورة المزمل جاء بلفظ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4] وفعل الترتيل لم يأتِ في كتاب الله تعالى متعلقاً إلا بالله سبحانه أو برسوله، فجاء في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32].
- الترتيل الإلهي والنبوي: يعني التنظيم، التدقيق، وإحكام بناء الآيات ووضعها في سياقها الصحيح؛ فالقرآن ينزل مفرقاً ومتنوعاً، ويتنقل بين عدة سياقات في السورة الواحدة، ثم يكرر المقاصد بأساليب أخرى؛ وهي مهمة بنائية تشريعية تخص الرسول المصنوع على عين الله تعالى لتلقي الوحي وربطه بواقعه.
- القراءة والتلاوة للأمة: حظ الأمة هو القراءة: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ والتلاوة؛ والتلاوة في عمقها اللغوي تعني تتبع هذا الترتيل الإلهي البديع عبر ربط الآيات والسياقات المتفرقة التي تتحدث عن موضوع بعينه لاستنباط أحكامه وبيان مقاصده، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: 121] وقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: 45].
خلاصة القول في المسألة
بناءً على هذا التفصيل، يزول وهم التعارض تماماً وتوضع الآيتان في سياقهما المستقيم دون الحاجة لدعوى الإلغاء/النسخ، ويتضح الترتيب التشريعي على النحو التالي:
- مقام الآية الأولى [المزمل: 1-2]: حددت الفرض العيني الدائم على النبي وحده؛ لأن رتبته هي رتبة العزيمة والاصطناع الإلهي لمن يُوحى إليه الكتاب دون غيره من الأمة؛ لأنه الوحيد الملقى عليه القول الثقيل وهو المكلف وحده بالترتيل الذي رُتل عليه عن طريق الوحي ليربط النص بسياقه وواقعه.
- مقام الآية الأخيرة [المزمل: 20]: رفعت الحرج عن الأمة الطائعة التي حاولت تقليد نبيّها، فبيّنت أن رتبة الأمة هي رتبة التيسير والسعة عبر تتبع الترتيل بالقراءة أو التلاوة.
إذن؛ لا يوجد إلغاء لحكم الله تعالى؛ فالأمر لرسول الله بـ ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ للترتيل والتلقي ظل سارياً في حقه حتى توفاه الله تعالى، والتخفيف بـ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ جاء رحمةً بالعباد السائرين خلف نبيهم، ليُبين الله سبحانه وتعالى لهم حدود طاقتهم البشرية في العبادة والسعي.
الباحثة: شيماء أبو زيد


شكرا جزيلا دائما وابدا