السؤال:
لدي صديق لديه إشكال حول مسألة العَول في المواريث ويزعم أن العَول يؤدي إلى نقص في أنصبة الورثة وأنه خطأ أو تعارض مع القرآن، كما يقول إنه ليس مبنيًا على استقراء نصوص القرآن والسنة. فكيف يمكن مناقشة هذا الإشكال والرد عليه بالأدلة من القرآن والسنة؟
الجواب:
نرحب بالسائل الكريم، ونُحيّي فيه حرصه على تدبر كتاب الله والسعي لفهم أحكامه وإدراك حكمته البالغة، فإن السؤال والبحث عن وجه الإحكام في التشريع الإلهي هو مدخل العلم واليقين.
تأصيل منهجي هام:
بداية وقبل الحديث عن حل إشكال العول، نودّ أن نبيّن حقيقة منهجية إيمانية حاسمة – وقد تحدثنا عنها كثيرًا في موقعنا – ألا وهي أن “السُّنَّة” في حقيقتها هي سُنَّة الله تعالى وحده، وأن النبي الكريم كان أوّل الناس تطبيقاً وتمثلاً لهذه السنة الإلهية، وليس هناك “سُنَّة خاصة” بالرسول منفصلة أو معزولة عن سُنَّة الله في كتابه، فالمصدر واحد والسُّنَّة واحدة لا تتجزأ مصداقًا لقوله ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 62]
وفي هذا المبدأ العظيم يقرر القرآن الكريم بصريح العبارة أن عمل النبي والأنبياء والرسل من قبله إنما يجري وفق الفرض الإلهي والسُّنَّة الحاكمة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: 38]
وبناءً على هذا الأصل: فإن نظام المواريث والتركات هو من “سُنَّة الله” المحكمة المقدرة بقدرها، وما طبّقه النبي ﷺ في حياته لم يكن إلا تجسيداً تاماً ومستقيماً لهذه السُّنَّة الإلهية التي لا يعتريها التعارض أو العول أو التبديل.
ما هو العول؟
أما بالنسبة لما يُعرف بالعول، فيُحسن بنا أولاً أن نوضح للمتلقي الكريم ما هو العول في المفهوم الفقهي التقليدي وكيف نشأ وتكوّن عند الفقهاء، حتى نستوعب أصل المسألة قبل مناقشتها والرد عليها.
يُعرف “العَول” في اللغة وفي كتب المعاجم كـ مقاييس اللغة لابن فارس، بأنه يدور حول معانٍ تكشف عن عدم الاستقامة، وأبرزها:
- الميل والجور: يُقال “عال في الحكم يَعُولُ عَوْلاً” إذا مال وجارَ ولم يعدل.
- الزيادة والارتفاع والقلة: يُقال “عال الرجلُ” أي كَثُرَ عِيالُه أو فَقُرَ ومال عن الاستغناء.
- والعَوِيل: هو الصُّراخ والبكاء عند الشدة والجور.
أما في الاصطلاح الفقهي، فهو: زيادة مجموع سهام الورثة عن أصل التركة، مما يدفع الفقهاء إلى تقليص حصص الجميع لجبر هذا النقص المزعوم.
- كيف يُحل عندهم؟ عندما يجد الفقهاء أن مجموع النِّسَب المطلوب توزيعها يتجاوز المال الموجود، يقومون بنقص حصة كل وارث قليلاً لكي يستوعب المال جميع الورثة، تماماً كما يُفعل عند توزيع خسارة شركة على المساهمين بنسبة حصصهم!
متى وكيف ظهر العول؟
- قيل إن العول لم يحدث في زمن التشريع الأول: وهذا هو سبب الاختلاف في المسألة لقولهم أن العول لم يحدث مطلقاً في عهد النبي ولا في عهد أبي بكر؛ ولم يُطبق هذا المفهوم في زمن التنزيل والوحي.
- وقيل إن أول ظهور لتطبيق العول كان في عهد عمر بن الخطاب، عندما توفيت امرأة وتركت: (زوجاً وأختين شقيقتين)؛ فلما وجدوا أن فرض الزوج (النصف) مع فرض الأختين (الثلثين) والمجموع يتجاوز كامل التركة، اجتهد الصحابة وقتها وقرروا توزيع النقص على الجميع.
وقبل الرد على مفهوم العول – أو بالأحرى: رَدُّه – فإننا عندما نتأمل هذه المنظومة الفقهية وحدها، نجد فيها من الثغرات والتناقضات ما يتضارب مع العقل والواقع قبل أن يتضارب مع كتاب الله تعالى.
وعلى ضوء ما تقدّم من نشأة العول، والزعم باجتهاد الصحابة واختلاف الفقهاء من بعدهم لإيجاد حلولٍ له، تتوالى تساؤلات كثيرة تطرح نفسها بقوة، نقسمها إلى قسمين رئيسيين: أسئلة عامة تخص كمال التشريع، وأسئلة خاصة بآيات المواريث ذاتها:
أولاً: تساؤلات عامة في كمال التشريع وعصمته:
- ألم يمت أي إنسان – رجلًا كان أو امرأة – طوال عهد النبي (والذي امتد لسنوات طويلة، وفيه حروب وفتوحات ووفيات كثيرة) وترك زوجاً وأخواتٍ، أو ترك أمّاً وأباً وزوجاً وبنات، أو غير ذلك من مسائل الميراث التي حدث فيها ما يسمى بالعول؟! فكيف يستقيم عقلاً أن تتأخر هذه الحالات جميعاً طوال عهد الوحي والتشريع، ولا تظهر فجأة إلا في زمن عمر رضي الله عنه؟
- هل يجوز عقلاً ومنهجياً أن يُقال إن أحكام القرآن خاصة فقط بوقائع جزئية محدودة دون غيرها، أو أنها عجزت عن استيعاب صور التركات المتشابكة حتى اضطر البشر لاحقاً لاختراع “العول” لتدارك القصور؟ أليس القرآن كتاباً مهيمناً ووصفه الله تعالى بأنه ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]؟!
- إن القول بوقوع “العول” (أي حدوث عجز ونقص رقمي في التركة يتطلب تقليص حصص الورثة لجبره) يصطدم مباشرة بأصل عقدي حاسم، وهو قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. فكيف يكون الدين قد كُمِل وأُتمّ ببيان الله تعالى وتطبيق رسوله ﷺ، ثم يأتي من بعد ذلك من يفترض أن نظام التركات الإلهي شابه قصور أو تزاحم يتطلب تعديل الأصول وإعادة تقليص السهام؟ أليس هذا القول مفضياً إلى اعتبار التشريع ناقصاً يحتاج إلى استدراك بشري وكأنه تعالى نسيه — معاذ الله — وتذكره خلقه؟! والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64].
- كيف يُعقل أن يُطلق اسم “العَول” — وهو المادة اللغوية الدالة في أصل وضعها على الجور والميل والارتفاع عن الحق — على عملية حسابية يُدّعى أنها من التشريع الإلهي المحكم؟! ومن ذا الذي يجرؤ على فرض “العول والعوج” والحسابات القاصرة على أحكام كتاب الله المبرأ من كل عوج، وهو القائل جل جلاله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1]؟! إن رب العالمين المنزه عن النقص والنسيان قد أحصى كل شيء عدداً وحساباً، فقال سبحانه: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: 28]، فكيف يُنسَب النقص أو الاضطراب إلى تقدير أنصبة الورثة وعددهم في شريعة أحصت كل شيء عدداً؟!
ثانياً: تساؤلات خاصة بآيات المواريث وسياق سورة النساء
- يقول الله تعالى في مطلع سورة النساء، وفي سياق أحكام النكاح والأموال والأسرة: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3]. فكيف ينفي سبحانه “العول” (أي الميل والجور والظلم) ويحذر منه في مطلع سورة الأحكام والتشريعات، ثم يفترض الفقهاء والمذاهب بعد بضع آيات فقط في السورة نفسها أن الله تعالى شرع فروضاً تعول وتتزاحم وتُدخل الجور والنقص على الورثة؟! كيف يأتي العول في مقام النهي عن الميل والظلم، ثم يُجعل قاعدة للحساب وآلية لتقسيم التركات؟!
- ثم افتتح الله عز وجل تشريع المواريث بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ…﴾ [النساء: 11]؛ والوصية إذا صدرت من الحكيم الخبير العليم بأحوال عباده، كانت عدلا لا يأتيه الباطل. فكيف يُتصور أن ينزل الله “وصية” محكمة ومقدرة منه مباشرة، ثم يُفترض فيها عجز مالي يضطر الخلق إلى إنقاص مقادير هذه الوصية لتستقيم أرقامها؟!
- ثم عَقّب الله تعالى على تفصيل أحكام المواريث بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: 13]. والحد في لغة القرآن هو الفاصل المحكم الذي لا يجوز الميل عنه ولا تعديه. فالقول بالعول يعني تداخل هذه الحدود وتزاحم السهام لتتعدى الوعاء الكلي، وهو ما يصادم وصفها بأنها “حدود الله” المقفلة القائمة على العدل التام لا على المداخلة والنقصان.
- ثم ختم الله تعالى سورة النساء كلها بأهم آية حاسمة في المواريث والكلالة، فقال سبحانه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: 176]. فقد أعلن الحق جل وعلا أن الغاية الكبرى من هذا البيان التفصيلي الدقيق هو ألا يضل الناس في قسمة أموالهم وتركاتهم. فكيف يصح عقلاً أو إيماناً أن يُنزل الله تبياناً مانعاً من الضلال، ثم يُدّعى أن هذا التبيان أدى بظاهره إلى أزمة حسابية وقصور رقمي يُوقع الناس في الحيرة والجور المقنن تحت مسمى “العول”؟!
مما سبق يتبين بجلاء أن كتاب الله تعالى منزه تمام التنزيه عن العول والعوج، وأن كل من افترض وجود “عول” في نظام المواريث الإلهي إنما هو الذي أدخل الخلل والعول والعوج على القراءة والفهم، بدلاً من أن يتدبر دقة التشريع، وقد حذرنا القرآن الكريم ممن يسعون لإسقاط القصور البشري على استقامة النص الإلهي، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: 45]
البديل القرآني المحكم لإلغاء العول
إذا لم يكن في كتاب الله تعالى عول ولا عجز حسابي، فكيف يتم تقسيم الميراث في القرآن الكريم إذا تزاحمت الفروض الظاهرية؟ وكيف حَمَى النص الإلهي حقوق أهل الفرائض دون أن ينقص مثقال ذرة من نصيب أي وارث؟
إن التدبر الدقيق لآيات سورة النساء يكشف عن منظومة قرآنية متكاملة تعتمد على الترتيب المرحلي، وقاعدة استحقاق الموالي، وفصل حقوق الميثاق عن طبقات النسب، وتتضح تفاصيل هذا البديل القرآني المحكم فيما يلي:
1- المبدأ العام للمواريث ومنظومة الموالي
يبدأ التشريع القرآني بوضع القاعدة الكلية الشاملة لاستحقاق الأموال والتركات، حيث يقول الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: 7] ثم يبيّن سبحانه الآلية المحددة لتوزيع هذه الأنصبة وتنظيم مسار التركة لمنع العشوائية والحد من التزاحم، فيقول جل وعلا: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: 33].
فالميراث في المنظومة القرآنية لا يُوزّع ككتلة صماء تتزاحم فيها الفروض بأسلوب صوري، بل هو درجات ومراتب منظمة:
-
- فالفاء في قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ تدل على سرعة وإنجاز حقوق أصحاب العقود والميثاق أولًا
- وبعد استيفاء حق العقد، يأتي دور ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ والموالي مشتقة من الولاية والأولوية؛ حيث تُقسّم التركة المتبقية الصافية على أصحاب النسب والقرابات (الوالدين والأقربين) بحسب مراتبهم وأولوياتهم، فيستوفي كل ذي حق حقه كاملاً دون أي زيادة رياضية أو عول.
ويتعزز هذا المعنى البياني والتشريعي بالوفاء بالعهود والميثاق المالي، لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] فالوفاء بالعقود يأتي في المرتبة المتقدمة للذمة المالية، فتبرأ ذمة الميت بتسديد الديون، وتنفيذ الوصايا المشروعة، والوفاء بالعقود القائمة، ثم يلتفت بعد ذلك إلى وعاء التركة الصافي لتوزيع الأنصبة على مستحقيها بسلام ودون أي تصادم.
2- استقلالية حق الزوجية
ويتضح هذا المفهوم عند تأمل الآية الخاصة بالزوجين، حيث توجد إشارة بالغة الدقة تكشف كيف يُحسم نصيب الزوج أو الزوجة أولاً وقبل الدخول في تشعبات منظومة الموالي، حين قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ… وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ…﴾ [النساء: 12].
فقد علّق النص القرآني نصيب الزوج أو الزوجة على شرط وجود الفرع الوارث أو عدم وجوده حصراً؛ فالزوج له النصف أو الربع، والزوجة لها الربع أو الثمن، دون أن يرتبط هذا النصيب بوجود أي ورثة آخرين (كالإخوة أو غيرهم) أو يتأثر بتزاحم الفروض الظاهرية.
قد يوجه معترض اعتراضاً بالقول: “إن نصيب البنت ثابت، وكذلك نصيب الأخت أو الأبوين معلق أيضاً على شروط الوجود والعدم، فلماذا تخصون الزوجين وحدهما بالتقدم والاستقطاع المبكر؟.
والرد المنهجي يكمن في الفرق الجوهري بين طبيعة “حق الميثاق والعقد الخارجي” وبين “نظام الموالي والنسب الداخلي”:
- طبيعة استحقاق الزوجين (أصحاب الميثاق الخارجي):
حقهما ناشئ عن عقد وميثاق غليظ مستقل بذاته، وليسا جزءاً من شجرة النسب والرحم، كما أن نصيبهما محصور بين نسبتين ثابتتين لا ثالث لهما بناءً على شرط الوجود والعدم للفرع الوارث حصراً (النصف أو الربع للزوج، والربع أو الثمن للزوجة)، ولا تتغير طبيعة هذا الاستحقاق أو تتبدل صفته الإرثية تحت أي ظرف آخر.
- طبيعة استحقاق البنات والأبوين والأخوات (منظومة النسب الداخلي والموالي):
فهؤلاء ليسوا مجرد حالات تقف عند حد الوجود والعدم المجرد، بل هي منظومة تتفاعل فيها شروط أخرى متعددة ومتغيرة كـ الانفراد، والعدد، والذكورة والأنوثة، ومواقع الترتيب الطبقي:
-
- البنت: لا يقتصر أمرها على الوجود أو العدم، بل يخضع توزيعها لشروط الانفراد والعدد والاجتماع بالذكور؛ فترث النصف عند الانفراد، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: 11]، وتأخذ الثلثين عند التعدد، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11]، وتتغير صورتها تماماً وتدخل في القسمة المشتركة إذا وجد الذكر مع الأنثى بقاعدة: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11].
-
- الأخت: وتأتي في مرتبة تالية ومتأخرة في حالة عدم وجود الفرع الوارث (كالأبناء)؛ فهي ليست ثابتة بإطلاق، بل تتوقف على شروط دقيقة؛ إذ تأخذ النصف عند الانفراد وعدم وجود الأصل الوارث المذكور والفرع، لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 176]، وقد تتعدد حصتها وتتغير صورتها بحسب العدد، والأخت قد توجد وقد لا ترث أصلاً (أي قد تُحجب كلياً) بحسب وجود من يتقدم عليها في سلم المراتب (كوجود الأب أو الأبناء).
النتيجة القاطعة: بهذا يتبين أن البنات والأبوين والأخوات هن جزء أصيل من “الموالي” الذين تتغير أحوالهم وتتعدد نسبهم بين الانفراد، والعدد، والترتيب، ومواقع الظهور والحجب. أما الزوج والزوجة فهما أصحاب “عقد وميثاق” خارجي مستقر لا يتأثر بتلك التعقيدات الداخلية، ويُحسم نصيبهما أولاً من أصل التركة استجابة لقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33]، لتصفوَ بعد ذلك التركة المتبقية للموالي، ويستوفي الجميع حقوقهم بانتظام دقيق ينفي أي تزاحم أو عول.
تطبيق عملي: امرأة ماتت وتركت (زوجاً، وأباً، وأماً، وبنتين)
1. القسمة في الفقه التقليدي (التي أدت إلى العول):
قام الفقه التقليدي بجمع الفروض معاً في وعاء واحد متزاحم:
- الزوج: له الربع لوجود الفرع الوارث.
- الأب: له السدس لوجود الفرع الوارث.
- الأم: لها السدس لوجود الفرع الوارث.
- البنتان: لهما الثلثان.
- الحساب بالعول: توحيد المقامات أخرج الميزان الحسابي من (24) سهماً، فجاءت توزيعات السهم كالتالي:
- الزوج (الربع): 6 سهام.
- الأب (السدس): 4 سهام.
- الأم (السدس): 4 سهام.
- البنتان (الثلثان): 16 سهماً.
المجموع: 6 + 4 + 4 + 16 = 27 سهماً!
فعالت المسألة ورُفعت من 24 إلى 27، ونقصت حصة كل وارث بنسبة عن فرضها القرآني الصريح.
2. القسمة بالبديل القرآني الترتيبي (المنزه عن العول):
تُحل المسألة عبر الترتيب المرحلي وفصل عقد الميثاق عن طبقات الموالي دون أي زيادة في الميزان الحسابي:
- المرحلة الأولى (حق الميثاق والعقد الخارجي): يُحسم نصيب الزوج أولاً من أصل التركة استجابة لقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33]؛ فيأخذ الربع كاملاً غير منقوص، وهو يعادل 6 سهام من أصل 24 سهماً.
- المرحلة الثانية (توزيع الصافي المتبقي على الموالي): يتبقى من التركة ثلاثة أرباعها، وتساوي 18 سهماً، وهي الوعاء المستقل الذي يتوزع على منظومة الموالي والنسب الداخلي (البنتين، الأب، الأم) بحسب درجاتهم وأولوياتهم القرابية كالتالي:
- البنتان: تستوفيان الثلثين من هذا الصافي المخصص للموالي، وهو ما يعادل 12 سهماً (أي ثلثي الـ 18 سهماً المتبقية).
- الأب: يستوفي حقه من باقي الوعاء بواقع 3 سهام.
- الأم: تستوفي حقها من باقي الوعاء بواقع 3 سهام.
الميزان الحسابي النهائي: 6 (للزوج) + 12 (للبنتين) + 3 (للأب) + 3 (للأم) = 24 سهماً كاملة!
- النتيجة الحسابية والشرعية: اكتمل الميزان بنسبة مئوية تامة (24 من 24)؛ أخذ الزوج رُبُعه كاملاً، واستوفى الموالي أنصبتهم من وعائهم الصافي بانتظام دقيق ينفي وقوع العول أو الحاجة إلى زيادة الميزان الإلهي المقدر.
تطبيق عملي آخر: ماتت وتركت (زوجاً، وأختين شقيقتين)
1. القسمة في الفقه التقليدي (التي أدت إلى العول):
- الزوج: له النصف.
- الأختان الشقيقتان: لهما الثلثان.
- الحساب بالعول: إذا وُحّدت المقامات بناءً على أصل سهمي قدره 24 سهماً:
- الزوج (النصف): 12 سهماً.
- الأختان (الثلثان): 16 سهماً.
المجموع: 12 + 16 = 28 سهماً.
فعالت المسألة وارتفعت عن أصلها من 24 إلى 28، واضطر الفقهاء إلى إنقاص حصة الزوج وحصص الأخوات لمعالجة هذا الخلل الحسابي.
2. القسمة بالبديل القرآني الترتيبي (المنزه عن العول):
تُحل المسألة عبر الترتيب المرحلي وفصل عقد الميثاق عن طبقات الموالي دون أي عول، ولو فرضنا أصل المسألة 24 تسهيلاً للمقارنة:
- المرحلة الأولى (حق الميثاق والعقد الخارجي): يُحسم نصيب الزوج أولاً من أصل التركة استجابة لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12]؛ فيأخذ النصف كاملاً غير منقوص، وهو يعادل 12 سهماً من أصل 24 سهماً.
- المرحلة الثانية (توزيع الصافي المتبقي على الموالي): يتبقى من التركة النصف الآخر وهو 12 سهماً، وهو الوعاء المستقل الذي يتوزع على الأختين الشقيقتين؛ فتأخذان حصتهما الأصلية (الثلثين = 8 سهام)، أما الأربعة سهام المتبقية فتعد فائضاً يعود على الأختين من الموالي ولا يعود على الزوج منها شيء؛ لأن عقد الميثاق يعطى بدقة تامة، فهو لا يحتمل النقصان كما أنه لا يحتمل الزيادة، ويُرد الباقي دائماً على أهل الموالي والقرابة.
الميزان الحسابي النهائي:
12 (للزوج) + 8 (نصيب الأختين) + 4 (الفائض العائد على الموالي) = 24 سهماً كاملة!
الرد على اعتراض المساواة في النقص (العول الجماعي):
هنا قد يقول قائل: “أليس العول الذي تتبعه المذاهب أفضل؛ لأنه يُحدث تخفيضاً نسبياً عادلاً للجميع، بينما الحل الترتيبي يجعل الزوج يأخذ حقه كاملاً ويترك النقص كله يقع على عاتق الأختين؟”
الرد الحاسم: إن أصل وقوع العول نابع من خطأ افتراضي اعتبر التركة وعاءً أصماً متزاحماً، بينما المنظومة القرآنية قامت على هرمية الاستحقاق والترتيب المرحلي. فعندما يأمر الله سبحانه وتعالى بأداء حقوق أصحاب العقود والميثاق فوراً (﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33])، فهذا يمنح هذه الحقوق صفة الأسبقية الثابتة التي لا تتأثر بالتزاحم الداخلي. وما ابتكرته المذاهب من “تخفيض نسبي” هو هروب حسابي أدى إلى جور وتعدٍ على الأنصبة المقدسة.
وحين نُعيد الأمور إلى نصابها القرآني المحكم بالبدء بتصفية الديون والوصايا، ثم استقطاع حقوق الميثاق المباشرة للزوجين (الوفاء بالعقود)، ثم توزيع المتبقي على الموالي والأقارب وفق مراتبهم وأولوياتهم؛ تنتفي كل أشكال التزاحم الرياضي ويتسق التشريع الإلهي دون تعارض.
وليس من القسط ولا من العدل الإلهي أن يُنقص حق الميثاق والعقد الثابت للزوجين للفرار من خلل حسابي ظاهري؛ إذ أمرنا الله تعالى بالقيام بالعدل والحق المطلق دون محاباة أو حيف، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
ختاماً:
يتجلى أن الاعتقاد بوقوع العول في فرائض القرآن الكريم هو نتيجة حتمية لقراءة بشرية أهملت هرمية الترتيب الإلهي، وخلطت بين استحقاقات العقود والمواثيق المستقلة وبين تشعبات منظومة الموالي والنسب الداخلي.
فالمواريث في كتاب الله هي حدود إلهية حاسمة ومحكمة لا تقبل التلاعب ولا التعدي ولا الاجتهاد بالنقصان أو الزيادة، وقد ختم الله تعالى آيات الفرائض ببيان هذه الحدود وجزاء من يقف عندها ومن يتعداها، فقال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 13-14].
الباحثة: شيماء أبو زيد


أضف تعليقا