حبل الله
الحكمة من استمرار الابتلاءات رغم تعلم الإنسان، وتطوره إلى حد كبير للأفضل

الحكمة من استمرار الابتلاءات رغم تعلم الإنسان، وتطوره إلى حد كبير للأفضل

السؤال:

السلام عليكم، كنت أود سؤالكم، ما هي الحكمة من استمرار الابتلاءات رغم تعلم الإنسان، وتطوره إلى حد كبير للأفضل.

بمعنى، لماذا تستمر المعاناة رغم أن العبد قد يكون صالحاً رغم وجود أخطاء عنده كإنسان طبيعي؛ لكنه يحاول التحسن باستمرار بفضل الله تعالى.

ولكن أحياناً مع طيلة فترة الابتلاءات المتتابعة أخشى أن الإنسان قد لا يتحمل أو يصيبه الحزن، أو الجزع خاصة إذا استمرت الأحداث السيئة لفترة تتجاوز 15عامًا.

رغم إدراكي التام حالياً عن رحمة الله بعباده، وحبه وحرصه على حالنا بسبب منصتكم – وفقكم الله – إلا أن مواجهة تحديات الحياة عمليًا هو أمر شاق ومرهق بنسبة كبيرة خاصة إذا طالت فترته ولا أنكر نهائياً أن الله سبحانه وتعالى سبق وأخرجني من الكثير من المشكلات التي كانت كفيلة بتدميري بالمعنى الحرفي ورزقني أضعافًا بعد خسارتي التي بدت كبيرة للبعض، ولكن أحيانًا الأشياء الحزينة لا تتوقف قليلاً

أتمنى أن آخذ هدنة في بعض الأحيان.. هل من نصيحة، وشكراً لكم مقدماً وجزاكم الله عني كل خير.

الجواب:

وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، أهلاً بكِ أختي الكريمة، ونسأل الله أن يربط على قلبكِ، وينزل عليكِ السكينة، ويشرح صدركِ بالرضا واليقين.

ونودّ في البداية أن نوضح أمرًا أساسيًّا يتعلق بعبارتكِ الكريمة حول زيادة العلم والتطور للأفضل؛ فإن ارتقاء الإنسان في علمه وصلاحه لا يعني أبدًا معافاته من الابتلاء، أو أنه أصبح أصلحَ من أن يُبتلى، ولا يجعله معصومًا من الشدائد أو يسقط عنه هذه السنة الإلهية؛ ذلك أن العلم والصلاح لا يمنعان وقوع البلاء؛ لأن الحياة في أصل خلقها وتكوينها إنما أُقيمت لتكون دار اختبار وابتلاء، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

ومن هنا، فإن نزول البلاء وتجدده على العبد ليس دليل كراهيةٍ من الله تعالى له أو هوانٍ منه عليه، وإنما هو طريقٌ لتمحيص القلوب وتبيين صدق الإيمان ودرجته، كما بيّن ذلك سبحانه وتعالى في قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]

بل إن هذا البلاء قد يشتد وتتسع رقعته كلما ارتقى العبد في درجات العلم والإيمان؛ لتثبيت صدقه، ورفعة قدره، وإعداده للتمكين والإمامة في الدين؛ ولهذا كان أنبياء الله هم أشد الناس بلاءً وهم أعلمهم وأرشدهم عملاً، كما ابتلى الله خليله إبراهيم عليه السلام فقال في شأنه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124]، ثم كشف سبحانه عن الركنين الأساسيين اللذين تُنال بهما هذه الدرجة الرفيعة، وهما: الصبر واليقين؛ الصبر على مرارة القضاء، واليقين الصادق بحكمة الله ووعده، فقال جلّ وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].

وهنا قد يخطر بالبال سؤالٌ تأملي: إذا كان العلم والإيمان لا يعفيان العبد من الابتلاء، فما الفائدة منهما إذن؟ وما الذي يضيفه العلم للإنسان إن لم يرفع عنه الشدة؟

والجواب؛ أن العلم الإيماني الحقيقي لا يُلغي سنّة البلاء، وإنما يُغيّر «كيفية استجابة العبد لهذا البلاء وتلقيه له»؛ فينقله من ضيق الجزع والاعتراض إلى سعة السكينة والرضا والتسليم، مستحضرًا حقيقة التوكل في قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51]، ومبتعدًا عن حال من يعبد الله على شرط العافية والسلامة الدائمة، أولئك الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ، ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11].

والمقصود بعبادة الله «عَلَىٰ حَرْفٍ»؛ أي على طرفٍ وحافة، كمن يقف على رأس جبل متذبذبًا لا تثبت قدماه؛ فإن كانت الحياة رغدًا وعافيةً اطمأنّ واستمر، وإن نزل به بلاءٌ أو ضيقٌ اهتزّ وانقلب. وإن من الناس من تجرفهم نفوسهم -دون قصدٍ منهم أو تصريحٍ بألسنتهم- إلى جعل العلاقة مع الله قائمةً على «شرط السلامة الدائمة»؛ حيث يتسلل إلى أعماق النفس شعورٌ خفيّ بالمرارة، لا يُترجم إلى كلام، بل يظهر في صورة حزنٍ متواصل ومقارنةٍ أليمة: “أنا أجاهد وأتعلم وأتغير للأفضل بينما غيري لا يفعل، فلماذا تستمر معي الشدائد ولا تصيب غيري؟”

وهذا الشعور الخفي يُعبّر في جوهره عن معاملة الله تعالى بمنطق المقايضة الخفية، وكأن ما قدمه العبد من علم وصلاح وقرب هو بمثابة “فاتورة” أو ثمنٍ يتوقع – شعوريًا – أن يفيض الخالق جلّ وعلا مقابلها سلامةً دائمة، ورغد عيش، وحماية مطلقة من أي ابتلاء، وهذا المسلك – وإن كان المؤمن لا ينطقه بلسانه صراحةً ولا يعتقده بقلبه – إلا أن لسان حاله وفكره يتحدث به في أعماق نفسه؛ وتكمن خطورة هذا الخاطر في أنه «مدخل شيطاني» يتسلل منه الشيطان إلى القلب ليُلقي فيه هذه الهواجس، ويورثه الحزن، ويُغيبه عن رؤية عدل الله ولطفه، ليبقى الإنسان سجينًا لمقارنات مؤلمة بين حاله وبين آخرين ممن لا يتحرون طاعة الله ورغم ذلك يعيشون في رغد وسعة.

وقد تناول القرآن الكريم هذا المفهوم النفسي الخطير وبيّن بطلانه وسُبل معالجته عبر معانٍ متكاملة:

أولًا: التمنُّن بالإيمان والعلم: يبين لنا الله تعالى أنه هو صاحب الفضل والأولى بالمنّة، فهو الذي وفق العبد لطلب العلم وأعانه على الصلاح، وليس للعبد فضلٌ يُدلي به على ربه أو يُقايضه به، فقال تعالى في ردّه على من استشعروا المَنّ بطاعتهم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17] فالعلم والصلاح هما نعمةٌ وتوفيق يستوجبان الشكر، ويتوجان بالصبر، فالصبر على الابتلاء هو الثمرة الحقيقية التي يطرحها العلم والإيمان وحصاده العملي في قلب صاحبه، فالعلم الذي لا يُثمر صبراً ورضاً يفقد معناه.

ثانيًا: تزكية النفس: حين يظن العبد – حتى لو بحديث النفس الخفي – أن صلاحه يرفعه إلى مرتبة تستوجب معافاةً خاصة من سنن الابتلاء، فيقع في خطر اﻹعجاب بعمله والغرور بطاعته، والقرآن ينهى عن ذلك صراحةً بقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [النجم: 32].

فالمؤمن الصادق العالِم لا يعبد ربه على شرط العافية فحسب، بل يعبده في السرّاء والضرّاء؛ فيعلم أن العافية تُقابَل بالشكر، وأن البلاء يُقابَل بالصبر، وهو في كليهما على خير، كما أن استمرار الابتلاء للعبد الصالح العالِم هو في جوهره تذكيرٌ دائمٌ بفقره وحاجته إلى مولاه، فتتحقق فيه الخشية الصادقة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 28]، ويدفعه ذلك دائمًا إلى دوام الانكسار والتضرع بين يدي ربه، فيظل العلم بلسماً يخفف ألم البلاء ويهدي القلب إلى رضا الله والتسليم له.

نماذج قرآنية لمُعاناةٍ طويلة أثمرت عِوضاً إلهيّاً أعظم مما فُقِد

وقد ضرب لنا القرآن الكريم أروع اﻷمثلة في قصص أنبياء ورسل عاشوا الشدائد والمتغيرات لسنوات طويلة، لتكون قصصهم تثبيتاً لقلوب المؤمنين، وبياناً لأن طول أمد البلاء ليس غضباً ولا إهمالاً إلهيّاً، بل هو إعدادٌ لعوضٍ ورفعة لا تتسع لها أوعية الصبر الصغيرة مصداقًا لقوله حين زلزلت قلوب أصحاب النبي: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].

1. يعقوب عليه السلام

عاش يعقوب عليه السلام ألم الفقد والعمى لعقود طويلة بعد فقد ابنه الأحب يوسف، ثم لحق به ابنه الثاني بنيامين، ومع طيلة السنين والابتلاءات المتتابعة، لم يقطع أمله بالله، بل كان يلجأ إليه بقلبٍ صابر ومستسلم؛ ففي لحظات الشدة وانعصار القلب، كان مفزعه الدائم هو بثّ الشكوى لربه وحده، كما قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 86].

وكان على يقينٍ تامٍّ بأن المؤمن لا يتسلل إليه اليأس مهما طال البلاء، بل يظل يتطلع إلى فرج الله ورحمته، واثقاً بأن ما فقده سينال عوضه وأعظم، ولذا كان يوصي بنيه دائماً بثبات اليقين وعدم القنوط قائلاً: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].

  • العوض الإلهي: لم يظفر يعقوب عليه السلام بعودة يوسف وحده، بل أرتدّ إليه بصره بمجرد إلقاء القميص عليه، وجاءته عائلته وأبناؤه جميعاً مكرّمين، وأصبح ابنه عزيزاً على خزائن اﻷرض، وتحقق  علمه ويقينه بربه حين ارتد بصيرا فــ ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 96] وهنا يظهر المعنى الحقيقي لثمرة العلم الإيماني الصادق؛ فليس المقصود بالعلم هنا المعرفة النظرية فحسب، بل هو اليقين الراسخ بأن الله لطيفٌ بعباده، وأنه سبحانه لا يقضي لعبده المؤِمن إلا ما هو خيرٌ له، فكان علمه هذا هو النور الذي يقيه من ظلمات اليأس، والبلسم الذي يخفف ألم الفقد والانتظار.

2. يوسف عليه السلام

وتعبه في تتابع الابتلاءات والمصائب منذ طفولته؛ فغدَرَ به إخوته وألقوه في البئر، ثم بيع كعبد مملوك، ثم ابتُلي في عفته وأمانته، ثم أُدخل السجن مظلوماً لبضع سنين بعيداً عن أهله ووطنه.

  • العوض الإلهي: لم يخرج يوسف من السجن مبرّأ الساحة فحسب، بل مُمكّناً له في الأرض، يملك خزائن مصر، ويدبر أمر أمّةٍ كاملة ويُنقذها من المجاعة، واجتمعت لديه النبوة والحكمة والمُلك، فقال مقراً بفضل الله عليه حين نال ثمرة تقواه وصبره: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].

3. أيوب عليه السلام

ابتُلي أيوب عليه السلام بفقده لماله، وموت أولاده، وابتلاء جسده بمرضٍ شديدٍ طال أمده حتى ابتعد عنه الناس ولم يبقَ معه إلا زوجته الصابرة، فسطّر أروع أمثلة الصبر واللجوء لأرحم الراحمين، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83].

  • العوض الإلهي: استجاب الله لدعائه، فبَرِئ جسده تماماً، ولم يُعد الله تعالى له صحته فحسب، بل أعاد له أهله وزاده مثلهم معهم رحمةً وذكراً للعابدين، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ، وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 84]، وأثنى الله على صبره فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ، إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44].

4. خاتم النبيين

مرّ النبي الكريم بسلسلة طويلة من الابتلاءات والشدائد المتتابعة طوال مسيرة دعوته؛ من أذى قومه وتكذيبهم، ومفارقة أحبابه، وضيق صدره من إعراضهم؛ فكان جزاء هذا الصبر الطويل أن أكرمه الله بالعوض العظيم، فشرح صدره ورفع ذكره وأعزّ دينه، ووعده بالعطاء الذي يرضيه في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ. وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 1-4]، وقال جلّ وعلا مبشراً له بالرضا التام: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 4-5].

ونؤكد على السائلة الكريمة على أن هذه المعاني والخلفيات النفسية غالباً ما تتسلل إلى النفس دون قصدٍ منكِ، فإن ما تجدينه في نفسكِ من حزنٍ أو تعبٍ مع طول أمد البلاء، لا يعني أبداً وجود خللٍ في إيمانكِ، ولا طاقة لكِ به؛ بل هي خواطر ووساوس يفتعلها الشيطان ليُعكّر صفو يقينكِ، ويُلقي في قلبكِ مثل هذه الهواجس ليورثكِ الحزن واليأس، كما قال تعالى: ﴿إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: 52].

​فإذا شعرْتِ بشرارة هذه الوساوس أو تسرّب إليكِ هذا الشعور بالضيق، فلا تستسلمي له ولا تلومي نفسكِ بسببه، بل كوني واعيةً لمدخل الشيطان، وافزعي مباشرة إلى الاستعاذة بالله منه مستحضرةً أمره سبحانه: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200]، لتستردي قلبكِ مطمئناً ثابتاً في رحاب ربكِ.

الهدنة في رحاب الله تعالى.

أمّا عن طلبكِ للهدنة والراحة؛ فهذا استشعارٌ إنسانيٌّ طبيعي، فالنفس تُجهَد وتتعب، وقد دلنا سبحانه وتعالى على المرفأ الآمن الذي تُفرغين فيه تعبكِ لتنزل السكينة على صدرك حين خاطب النفوس المؤمنة التي أثقلتها الهموم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] وحين يلجأ العبد إلى ربه في لحظات التعب، يتنزل عليه اللطف الإلهي وتغشاه السكينة ليستقر قلبه ويزداد إيماناً وثباتاً، كما وعد سبحانه ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]

ومن أعظم أسباب نيل هذه السكينة هو الفزع إلى الصلاة لتلقي بحملكِ بين يدي ربكِ وتستمدي منه القوة، امتثالاً لندائه العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، فتتلقين الابتلاء بتسليمٍ ورضا يغمركِ بصلوات الله ورحمته التي وعد بها عباده الصابرين عقبها: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157].

الخطوات العملية (مراجعة السعي وتجديد واقع الحياة)

وحتى تثمر هذه الهدنة أثرًا ملموسًا، فإن العلم والإيمان لا ينبغي أن يظلا مجرد معانٍ جامدة، بل هما وسيلة عملية لتطوير الذات وتجديد السعي؛ فالعبد أثناء هدنته ينبغي أن يقف مع نفسه وقفة صادقة ليتفكر: “ما الذي ينقصني في سعيي؟ وهل هناك تقصيرٌ في الأسباب أو حاجة لتعديل المسار؟”؛ فالله تعالى وضع قاعدة السعي في كتابه فقال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39] ووعد عباده بأن السعي الصادق والمجاهدة في أخذ الأسباب هي باب التوفيق والهداية لتعديل المسار حين قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]

 

وإليكِ بعض الخطوات العملية التي ربما تعينكِ على تجديد روحكِ وواقعكِ، ومنح نفسكِ هدنةً هادئة ومثمرة:

– الملاذ القرآني الخاص: خففي عن نفسكِ بتخصيص دفتر تُدوّنين فيه خواطركِ وتدبراتكِ الشخصية للآيات التي تلامس قلبكِ بأسلوب بسيط بعيدًا عن التعقيد، ولا مانع من مشاركة هذه النفحات الطيبة؛ فمشاركة المعاني الإيمانية الصادقة تريح النفس، وتفتح باباً للخير، كما قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55].

– تطوير المهارات وتغيير المسار: استغلي أوقاتكِ في اكتساب مهارات جديدة، أو التفكير الجاد في الانتقال لمجال عمل مختلف، أو البحث عن فرصة سفرٍ تُغير البيئة وتفتح لكِ آفاقًا أوسع، مستحضرةً سعة الأرض ووعد الله لمن يخرج فيها طالباً للرزق والتوسعة: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100].

– الخروج إلى الطبيعة والتأمل: احرصي على التواجد في المساحات المفتوحة والطبيعة؛ إحياءً لسنة التأمل في ملكوت الله، واستجابةً لقوله سبحانه في وصف أولي الألباب: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191]؛ فإن هذا التأمل الواعي يُفرغ الذهن من أعباء الماضي، ويُعيد إليكِ صفاء النفس وتجديد الشغف.

فالهدنة الحقيقية – أيتها السائلة الكريمة – ليست بالتوقف عن السير ولا بالابتعاد عن الله حزنًا واكتئابًا؛ فنحن لا نفرّ من الله، بل نفرّ إليه! استشعري المعنى العظيم حين تضيق الدنيا بما وسعت: ﴿وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: 118]، فلتكن هدنتكِ فرارًا صادقًا إليه سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: 50]، بأن تضعي حملكِ وتعبكِ بين يديه، وتستريحي في ظل رحمته ولطفه، متذكرةً دائمًا أنه سبحانه أرحم بكِ من نفسكِ، وأعلم بمقدار طاقتكِ.

أمّا بشأن عبارتكِ: «أخشى ألا أستطيع التحمل»؛ فلا تقلقي أبدًا! إن الله سبحانه وتعالى وهو العليم الخبير بخلقه، أرحم بكِ من نفسكِ وأقرب إليكِ من حبل الوريد، ولن يضيع إيمانكِ وعلمكِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وهو سبحانه لا يبتلي عبده إلا وهو يعلم أنه يملك من القدرة والقوة الإيمانية والنفسية ما يجعله يتجاوز هذا الابتلاء ويحتمله، وقد قرر الله هذه الحقيقة الإيمانية الثابتة في كتابه الكريم فقال جلّ وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

فسبحانه لا يبتلي عبده المؤمن ليُهلكه أو يكسره: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ، وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]

وتذكري دائماً أن الله تعالى قادرٌ على أن يُغيّر مسار حياتكِ ويقلب أحوالكِ من الضيق إلى الفرج في لحظةٍ واحدة: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]؛ ولهذا فإن كل تأخيرٍ في الفرج يحمل في طياته حكمةً ورحمةً بالغة لا يعلمها إلا علام الغيوب، لتستقبلي العوض في وقته الأجمل والأكمل.

فحين تضعف طاقتكِ رددي ما علمنا ربنا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250]

﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: 286]

وختامًا:

اطمئني وتيقّني وثقي أن رَبَّكِ الذي هداكِ للإيمان والعلم لم يترككِ؛ فالتأخير لا يعني التَّرْك والابتلاء لا يعني الكراهية فـــ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 3] وما هذا البلاء الطويل إلا محطّة تمحيصٍ وتهيئةٍ لعطاءٍ عظيم يقرّ عينكِ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 5].

وكوني على يقينٍ تامّ بوعد الله الصادق الذي لا يتخلّف؛ فإن العوض والجزاء الحسن ليسا مؤجلين للآخرة فحسب، بل إن الله يفيض على عباده المؤمنين الصابرين بركته وطمأنينته وعوضه الجميل في الدنيا أيضاً: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

فهو سبحانه لا يهمل العبد ولا ينسى صبره؛ فاستمري في طريق الصلاح، وحدّثي بنعمة الله عليكِ بما آتاكِ من العلم والإيمان: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]، واعلمي أن كل يومٍ تصبرين فيه، وكل حزنٍ تكتمينه، وكل دمعةٍ يمسحها يقينكِ بالله، هي خطواتٌ تقرّبكِ من فرجٍ قريب وسكنٍ روحي: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].

نسأل الله تعالى أن يربط على قلبكِ، ويهديكِ سُبل الرشاد، ويثبتكِ بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويؤتيكِ من لدنه رحمةً ويهيئ لكِ من أمركِ رشداً. 

الباحثة: شيماء أبو زيد

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.