حبل الله
هل لفظ “النُّصُب” المذكور في القرآن يشمل النُّصُب التذكارية  لِعَالِم كـ “ابن سينا”؟

هل لفظ “النُّصُب” المذكور في القرآن يشمل النُّصُب التذكارية لِعَالِم كـ “ابن سينا”؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

ما معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾؟

وهل لفظ “النُّصُب” المذكور في القرآن يحتمل المعنى الجيد؛ كالنُّصُب التذكارية المقامة في الدول الأوروبية أو الشرقية لحيوان كرمزية لوفاء الكلب، أو تمثال للعائلة، أو لِعَالِم كـ “ابن سينا”؛ حيث يُحتفظ بها للذكريات الإيجابية كالعلم والوفاء والعائلة؟

وهل تُعد هذه الأنصاب رجساً من عمل الشيطان بعدما انتفى عنها التعظيم والتعبد؟ وهل المقصود بالتحريم أصلاً هو التعظيم؟ أي عندما يتحول التمثال بدلاً من كونه معظَّماً إلى خادمٍ للإنسان ويجعله يتفكر في آية الرزق وفي آية الاجتناب، فهل هذا يعني أن الأمر لا دخل له مطلقاً بالتماثيل؟

وكيف نفهم هذا بأسلوب تعمّه الرحمة دون أن نغرق في التدقيق في دقائق الأمور؟ فقد اختلطت عليّ الأمور بسبب من يقول إن التماثيل محرمة مطلقاً، بينما نرى في الواقع زينة الملاهي للفرح والبهجة، والشخصيات الكرتونية المحبوبة، والمشاريع الحديثة في المملكة العربية السعودية، في حين يراها بعض الناس انحرافاً وتشبهاً بالعبادات الهندوسية، مع أنه لا دخل لها بذلك إطلاقاً؟ 

الجواب:

وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، نرحب بالسائلة الكريمة ونحييها على تدبرها، ولكي نفهم أصل هذه المسألة فهمًا جليًّا مستنيرًا بعيدًا عن الغلو أو الإفراط والتفريط، لا بدّ أن نردّ الأمر إلى مصدره الأول والأسمَى؛ وهو كتاب الله تعالى وحده، لنتدبر كيف خاطبنا القرآن باللسان العربي المبين، وكيف حدد المقاصد والعلل دون مشقة أو تضييق.

أولًا: التأسيس اللغوي والقرآني لجذر (نصَبَ) ومعنى “الأنصاب”

لكي نتبيّن حقيقة كلمة “النُّصُب” و”الأنصاب” وهل تنطبق على المجسمات والنُّصُب الحديثة، ينبغي أولاً أن نفهم الجذر اللغوي للكلمة وكيف استعمله القرآن الكريم:

1. المعنى اللغوي لجذر (ن ص ب)

في أمهات معاجم اللغة (كـ مقاييس اللغة لابن فارس ولسان العرب):

  • المادة تدل على أصلٍ واحد محوري وهو: «البروز، والارتفاع، والثبات مع الانتصاب».
  • يُقال: “نَصَبْتُ الشيءَ” أي أقمته وثبّته بارزاً شاخصاً، ومنه: نَصْبُ الخيمة، ونَصْبُ الراية.

2. ورد الجذر في القرآن الكريم في مواطن متعددة تؤكد هذا المعنى الجامع:

استُعمل هذا الجذر في القرآن الكريم ليدل على أشياء مختلفة تتفق كلها في أصل (البروز والثبات والارتفاع أو التوجه الشديد):

  • بمعنى الإقامة والتثبيت والبروز: كما في قوله تعالى عن الجبال: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: 19]؛ أي أُقيمت وثُبتت بارزةً شاخصة كالأوتاد على الأرض.
  • بمعنى التعب والجهد الشديد (النَّصَب): كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: 62]، وقوله: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: 3]؛ وسُمّي التعب نصباً لأن البدَن يتصلّب ويتحمّل جهداً بارزاً وضاغطاً.
  • بمعنى بذل الجهد والانتصاب للعبادة: كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح: 7]؛ أي أقم نفسك واجهَدْ في الدعاء والعبادة.
  • بمعنى العلَم أو الهدف الشاخص: كما في قوله تعالى في وصف الخروج من القبور يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: 43]؛ أي يسرعون نحو هدفٍ أو علَمٍ منصوب بارزٍ يتجهون إليه.

3. المعنى الخاص بـ “الأنصاب” و”النُّصُب” المحرمة في القرآن

عندما وردت الكلمة في سياق التحريم والنهي كما في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]، وفي قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: 3]:

  • المقصود بها قرآنيّاً: هي حجارة وشواخص كان أهل الجاهلية ينصبونها ويرفعونها لغرضٍ واحد وهو التعبد بها، وتأليهها، والتقرب إليها بالذبح وإراقة الدماء.

ثانيًا: التأسيس اللغوي والقرآني لجذر (زَلَمَ) ومعنى “الأزلام”

لكي يكتمل فهم الشق الآخر من الآية، نأتي إلى كلمة “الأَزْلَامُ”، لنتبين جذرها اللغوي الدقيق وكيف وردت في كتاب الله تعالى:

1. المعنى اللغوي لجذر (ز ل م)

في أمهات المعاجم اللغوية (كـ مقاييس اللغة لابن فارس ولسان العرب لابن منظور):

  • المادة تدل على أصلٍ صحيح واحد وهو: «المَلاَسَةُ، والاعتدال، والاستواء، مع الدقة والتسوِية».
  • يُقال لغةً: “زَلَمْتُ العُودَ” أي قَلَمْتُهُ وَسَوَّيْتُهُ وجمّلت أطرافه حتى أصلحت مَلاسته.
  • ومنه “الزَّلَمُ” (بفتح الزاي واللام) وجمعه “الأَزْلَامُ”: وهي السهام الصغار الملساء المستوية التي لا ريش لها ولا نَصْل، والتي كان يُصنع منها أدوات الاقتراع والتخمين.

2. ورود الجذر في القرآن الكريم

  • ورد هذا الجذر في القرآن الكريم في آيتين، وفي كلا الموطنين جاء بلفظ الجمع نفسه (الأَزْلَامُ)، وكلاهما في سورة المائدة:
  1. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ… وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: 3].
  2. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].
  • المعنى المراد: “الاستقسام” (من طلب القِسْمة والحَظّ)؛ فكان أهل الجاهلية يستعملون هذه السهام (المرقومة بـ “افعل” أو “لا تفعل”) لطلب القِسْمة والحَظّ وما قُدر لهم في المستقبل؛ فيخرج الشخص سهماً ليقرر بناءً عليه سفره أو زواجه أو تجارته.
  • وهذا المسلك يُعد نوعًا من الخرافة، والتكهن، وادعاء معرفة الغيب، وإلغاء العقل والأسباب والتوكل على الله؛ حيث يُرهن الإنسان إرادته وقراره للمصادفة والوهم.

وبعد هذا البيان اللغوي والقرآني لمدلولَي “الأنصاب” و”الأزلام”، تتجه الأفهام إلى السؤال الجوهري: ما العلة التي من أجلها قرن القرآن بينهما ووصفهما بـ “الرِّجْس” وأمر باجتنابهما؟

ثالثًا: مفهوم “الرِّجْس” وعلّة تحريم الأوثان والأنصاب (علاقتها بالتعبد وطلب الرزق)

1. المعنى القرآني لـ “الرِّجْس”

  • “الرِّجْس” في القرآن الكريم ليس نَجاسة مادية تصيب الأحجار أو الأخشاب كذوات، وإنما هو النجاسة المعنوية، والمقت الإيماني، والعمل الشيطاني الخبيث القائم على الشرك والافتراء.
  • فالآية قرنت بين هذه الأربعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ والوصف بـ الرِّجْس يقع على الفعل والممارسة والغاية الشيطانية القائمة عليها، لا على أعيان الذوات المادية من حيث هي أعيان، وبيان ذلك كالآتي:
  • الأنصاب والأزلام: الأحجار والمجسمات بذاتها ليست محرمة ولا نجسة، وليست الأدوات والخشب والأقلام المستخدمة في الأزلام كذوات مادية نجسة؛ وإنما جاء وصف “الرجس” والتحريم بسبب الفعل الشيطاني المقترن بها.
  • فـ “النُّصُب” لم يُحرم لمجرد كونه حجراً أو مجسماً بارزاً، وإنما حرمت العلة التعبدية التي حفت به؛ (وهي العبادة والذبح لغير الله، والتكهن، واستقالة العقل، والتعظيم بالتقرب بها إلى الله تعالى).
  • كما في الخمر والميسر: فالعصير في أصله ليس نجساً، ولكن تحريمه جاء لكونه يؤول إلى السُّكْر وغياب العقل والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، كما أن النرد أو أدوات اللعب في الميسر ليست أعياناً نجسة بذاتها، وإنما حرمت لما يقترن بها من أكل أموال الناس بالباطل وإثارة العداوة والبغضاء.

2. ارتباط الأوثان والأنصاب بـ “طلب الرزق والتعظيم” في القرآن.

كما أن القرآن ربط تحريمها باعتقاد المشركين أنها تضر وتنفع وتجلب الرزق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: 17]

فالعلة القرآنية الصريحة هنا هي: أن المشركين اتخذوا هذه الأنصاب والأوثان آلهةً يُرجى منها البركة، ويُطلب منها الرزق، ويُتقرب إليها بالذبح والنذور. فكان هذا الاعتقاد وهذا التعبد هو الرِّجْس الشيطاني الذي حذر منه القرآن في قوله ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: 30-31].

ومتى انتفت علة التعبد والتعظيم وطلب الرزق من غير الله، انتفى وصف “الرِّجْس” و”الوثنية” عنها تماماً وفق الهداية القرآنية، ويتضح ذلك جليًا عند تدبر شأن التماثيل والصروح والمعالم العمرانية في كتاب الله تعالى، نجد أن القرآن الكريم يضع ميزاناً حاسماً يُفرّق بين فلسفتين متناقضتين تماماً:

الميزان القرآني بين فلسفتَي العمران

وهذا التمايز يتأكد جلياً حين ننتقل من المستوى الجزئي إلى الكليات العمرانية في القرآن الكريم؛ إذ يضع ميزاناً حاسماً يُفرّق بين فلسفتين متناقضتين للتشييد والبناء:

1. الفلسفة الأولى: عمران الأنبياء والصالحين (النفع والعدل والجمال)

وهي الفلسفة القائمة على تسخير العمران والمجسمات لخدمة الإنسان، وتجميل حياته، والتذكير بعظمة الخالق، مع اقترانها التام بالعدل الاجتماعي وسد جوعة الفقير، وهذا النموذج هو الذي تنطبق عليه قاعدة الزينة المباحة في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]

وقد تجلت هذه الفلسفة في كتاب الله تعالى في نموذجين بارزين لنبي الله سليمان عليه السلام:

  • نموذج التماثيل: فالله عز وجل ذكر امتنانَه على سليمان عليه السلام بتمكينه من بناء المحاريب والتماثيل والصروح؛ ولو كانت ذات التماثيل “رجساً” لذاتها في كل حال، لما أقرّها الله لنبي من أنبيائه حين قال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13] وإنما كانت مباحة لأنها خالية تماماً من نية العبادة أو التعظيم الشركي.

فهذا هو العمران الذي يجمع بين الجمال، والإتقان، والعدل الاجتماعي؛ حيث شُيّدت له المحاريب والتماثيل للجمال والعبادة، وقُرنت فوراً بشرط الرعاية الاجتماعية وسد جوعة الفقراء في قوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ وهي الحياض والأواني الضخمة المقامة لإطعام الجياع والمساكين؛ فلم يكن الفن والعمران هنا ترفاً معزولاً عن حاجة الناس، بل كان مقترناً بالسخاء والعدل.

  • نموذج الصرح: في قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44].

فالصرح الزجاجي الفاخر لم يُبنَ للكبر ولا التفاخر، بل كان إتقاناً هندسياً أظهر عظمة الخالق وسعة ملكه، وتصحيح الفكر الفوضوي عن المؤمن، وإثبات أنه قادر على التطور ومواكبة عصره مع الحفاظ على إيمانه وتوحيده؛ فكان سبباً في الهداية إلى دين الله تعالى.

2. الفلسفة الثانية: عمران الجبابرة والطغاة (الاستكبار، العبث، والظلم)

وهي الفلسفة التي يذمها القرآن الكريم ويُحذّر منها؛ لأن من العمران والصروح ما لم تُقَم لمنفعة الإنسان ولا لإطعام جائع، بل أُقيمت بدافع الكبرياء، والتفاخر، والعبث، وهدر أموال الشعوب لصالح ترف الحكام والأغنياء.

وقد عرض القرآن هذا الطغيان العمراني في صور متعددة:

  • صرح فرعون الاستكباري: أُقيم بدافع الكبر والجدال الباطل وتسخير الرعية في مشروع عبثي، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: 36].
  • قوم عاد وبناؤهم للعبث والبطش: أنكر عليهم نبيهم هود عليه السلام بناءهم للقصور والمصانع الشاهقة لمجرد العبث والتخليد الزائف مع البطش بالضعفاء: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُم جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: 128-130]

فبيَّن تعالى أن عظمة البناء والهندسة المعمارية الشاهقة في ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 7-8] لم تمنع عنهم العذاب؛ لأنها كانت مجرد ضخامة مادية خالية من الإيمان والعدل الاجتماعي، ومترافقة مع طغيانهم في البلاد، والعبث، والتفاخر، وأذيتهم للعباد والبطش بالضعفاء.

  • تشييد القصور مع إهمال حوائج الناس: قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: 45].

فالقرآن الكريم يذم إقامة القصور المشيدة والمظاهر العمرانية الفاخرة بينما تُترك أسباب حياة الفقراء والضعفاء واحتياجاتهم الأساسية (البئر) معطلة ومهملة.

التطبيق المعاصر لـ الأنصاب والأزلام:

وإذا كان هذا الميزان القرآني قد فكَّك الصورة المادية للأنصاب والأزلام في بيئتها الأولى، فإن الفهم التدبري للكتاب يقتضي تنزيل هذه العلل على الواقع المعاصر؛ إذ لم تعد هذه المفاهيم مجرد أحجار صلدة وسهام صماء، بل امتدت لتتجسد في صور مادية ومعنوية حديثة:

1. التطبيق المعاصر للأنصاب (المعنوية والمادية):

  • التعصب الأعمى والأيديولوجيات (الأنصاب الفكرية): تحويل الفكرة أو الحزب أو الراية إلى صنم يُضحّى في سبيله بالحق والدماء، ويُوالى ويُعادى عليه؛ وهذا الانغلاق الفكري يُشبه العكوف حول الأنصاب وهو ما حذر منه القرآن في التعصب للموروث: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].
  • التقديس الأعمى للأشخاص (الأنصاب البشرية): جعل الشخص مرجعية مطلقة تُسلم لها العقول وتُقدس قراراتها حتى الخاطئ منها؛ كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31] حيث كانت عبادتهُم في الاتباع المطلق والتسليم الأعمى.
  • هوس الشهرة والهوى (أنصاب المادة): عندما يُضحّي الإنسان بدينه، وأمانته، وأسرته، وصحته في سبيل “جمع المال” أو “المظهر الاجتماعي” أو تتبع المشاهير والفنانين ومؤثري “الإعلام الاجتماعي والرقمي” فيصير هؤلاء وهوس الشهرة هو المرجعية التي تُستباح لأجلها القيم والمبادئ؛ فهذا مالٌ وهوىً يُعظم كما كان النُّصُب يُعظم؛ قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23].
  • (الأنصاب القبورية): ومن أبرز التطبيقات المعاصرة للأنصاب المادية والمعنوية هي الغلو في قبور الأنبياء والصالحين أو الشواخص والأنصاب المقامة لهم، والتوجه إليها بالدعاء، أو الذبح، أو طلب الرزق والبركة، أو الاستغاثة بذوات أصحابها من دون الله تعالى، وهذا عين ما حذر منه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: 194] فالقبر أو الشاخص في أصله مجرد حجر أو بناء، ولكن تحويله إلى مزار يُطلب منه ما لا يُطلب إلا من الله، و يُستجدى منه النفع والضر، يُعيده فوراً إلى حقيقة “النُّصُبِ والوَثَنِ” والإفك الذي حَرّمته الشريعة لكونه اعتداءً على حق الله الخالص في التوحيد والعبادة والدعاء: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾.

2. التطبيق المعاصر للأزلام (استقالة العقل):

  • قراءة الأبراج والطالع والفنجان والكف: ومن ذلك رهن القرارات المصيرية (كالزواج والعمل) بكهانة الأبراج؛ وهو عين الاستقسام بالأزلام والمصادم لقوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65].
  • التطير والتشاؤم (الأزلام النفسية): إيقاف المشاريع أو اتخاذ القرارات بناءً على علامات عشوائية وتطيّر؛ كمن يرى قطة سوداء فيلغي مشروعه، أو ينتظر ظهور رقم معين ليُقدم على خطوة استثمارية، أو اعتماد القرعة أو حجر النرد لحسم قرارات فارقة؛ فهذه “أزلام نفسية” ترهن إرادة الإنسان للوهم، وهو المسلك الذي ذمه القرآن في قوله تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ [يس: 19]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ، أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُم عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 131].

تنبيه حاسم (الفرق بين الأزلام المحرمة والقرعة المشروعة): تجدر الإشارة إلى أن «القرعة» ليست محرمة لذاتها؛ فقد أقرها القرآن لرفع التنازع عند تساوي الفرص تماماً؛ كما في كفالة مريم عليها السلام ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44]، وقصة يونس عليه السلام ﴿فَسَاهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: 141] وإنما تكمن الحرمة والتشابه مع الأزلام عندما تتخذ القرعة أو المصادفة بديلةً عن العقل والشورى والتفكير في القرارات المصيرية. 

وبناءً على هذا الميزان القرآني الحاسِم، يتضح التطبيق المعاصر بجلائه ورحمته:

فإن النُّصُب التذكارية المقامة في مختلف البلدان لحيوانٍ يرمز لقيمة إنسانية كالوفاء، أو مجسمٍ يجسد العائلة والتلاحم، أو تمثالٍ لِعَالِم كـ “ابن سينا” يُحتفظ به استحضاراً لمعانٍ تاريخية وتنويرية محمودة، فضلاً عن زينة الملاهي، والشخصيات اللطيفة والمحبوبة، والمشاريع المعمارية الحديثة؛ متى كان الهدف منها إدخال البهجة والسرور على الصغار والكبار، وتجميل البيئة، ونفع الناس؛ فهي مباحةٌ وتُعدُّ من زينة الله الطيبات التي أخرج لعباده، ولا ضَرر فيها ولا حَرَج.

تنبيهٌ خاصٌّ في احترازِ التشبّه بالرموز والشعائر الدينية:

وتجدر الإشارة إلى أنه يُستثنى من أصل الإباحة والترخيص في ألعاب الأطفال والمجسمات الترفيهية: ما كان يُجسّد رموزاً أو شخصياتٍ ذات دلالةٍ دينيةٍ شركيةٍ قائمة (كالمجسمات والشخصيات التي ترمز للآلهة الهندوسية أو البوذية والشعائر الدينية الخاصة لغير المسلمين)؛ إذ إن اقتناءها أو محاكاتها يُخرجها من نطاق اللهو والزينة المباحة إلى دائرة (اتباع الضلالات والأهواء العقائدية الباطلة)، وهو ما حذّر منه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77].وفي البدائل الكرتونية والألعاب الترفيهية الخالية من هذه الرموز الدينية متسعٌ غنيٌّ يُغني عن الوقوع في هذا المحذور العقدي، حيث تعتاد معه مخيلة الأطفال على ما يُنمّي أنفسهم دون أن تأنس أبصارهم أو تتقبل أذهانهم أشكال الشعار الشركي أو رموزه.

فهذه المعالم تبقى على أصل الإباحة والانتفاع ما دامت قد انتفت عنها علة العبادة والتعظيم من دون الله تعالى أو تطابقها الهيكلي مع أوثان المشركين، ولم تقترن بظلمٍ أو تجبّرٍ أو تعدٍّ على حقوق الفقراء والمحتاجين، وانتفت عنها علة الخرافة فلم تدع إلى سلب العقول والتواكل، بل غدت مسخرة لخدمة الإنسان، وتجميل حياته، وتذكيره بالقيم.

أما رميُ هذه المعالم الجمالية بالانحراف العقائدي أو التكفير والتحريم المطلق؛ فهو غلوٌّ وتضييقٌ يرفضه هديُ القرآن الكريم القائم على السعة والرحمة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116].

خلاصة القول

إن الشريعة الإسلامية لم تأتِ لتُحارب الجمال أو المعمار أو الفن النافع، وإنما جاءت لتتحرَّر العقول والأنفس من كل شكل من أشكال الاستعباد المادي منه والمعنوي؛ فمتى قام البناء على المنفعة، والجمال، والعدالة الاجتماعية، وخلا من التعظيم المحرم والخرافة؛ كان عمراناً راشداً ينسجم مع فلسفة الاستخلاف في الأرض وإشاعة الرحمة والسعة في حياة العالمين، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [لقمان: 20].

فقوله تعالى ﴿سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ نصٌّ صريحٌ في أن أصل الكون بما فيه مُسخّرٌ لخدمة الإنسان ونفعه وتسهيل حياته (عمراناً، وجمالاً، وزينةً مباحة) وختام الآية بقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ..﴾ فيه ردٌّ بليغٌ على من يُحَرِّمون المعالم والنُّصُب المباحة والديكورات النافعة بغير دليلٍ شرعي، ويمارسون الغلو والتضييق على الناس فيما وسّعه الله تعالى عليهم.

الباحثة: شيماء أبو زيد

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.