السؤال:
لماذا أشعر أن الله لا يريدني؟ فدعواتي لم تستجب منذ زمن طويل، نصف سنة وأنا أسعى بحثًا عن الرزق ولا يوجد أي نتيجة، ليس ذلك فقط فأنا بالطبع لدي مشاكلي الصحية والعائلية وقلة الصداقات، و حتى عدم تقدير أحد لهواياتي، أشعر أنني منسية في هذه الحياة مقارنة بغيري، فهناك من أعرفهم رزقهم الله بكل شيء من وظائف مرموقة، عدم البطالة، السفر لكل أنحاء العالم، العلاقات الاجتماعية، التقدير لهواياتهم وهويتهم. ماذا عني أنا؟ أنا لا أتمنى أن الله يزيل نعمته عنهم، بل أؤمن أنهم يستحقون هذه النعمة، لكن أنا أتساءل لماذا الله تعالى الذي لا يكفّ عن إعطائهم لا يريد إعطائي نتيجة سعيي على الأقل؟
الجواب:
ندعو الله تعالى الذي: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أن ييسر للسائلة الكريمة سبلها ويدبر لها أمورها، ونحسبها على خير إذ أنها ترجو الخير من ربها وتدعو بسعة الرزق دون أن تستكثره على غيرها أو تتمنى زواله، فهي ليس كمن: ﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ، بل تمتثل لأمره تعالى بعدم تمني ما فُضل بها غيرها وتسأله تعالى من فضله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ… وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ النساء (32).
إن الشعور بضيق الرزق أو تأخر الاستجابة ليس دليلاً على نسيانه تعالى لعبده أو علامة على كرهه له، فهو سبحانه أرحم الراحمين وهو اللطيف بعباده، فالذي وهب سليمان عليه السلام ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى قارون من الكنوز ما تعجز العصبة عن حمل مفاتحه، وأنزل على الحواريين مائدة من السماء، لا يعجزه تحقيق أمانينا البسيطة ولا يُنقص ذلك من ملكه شيئاً. لكنه سبحانه يبتلي عباده ليمحص إيمانهم مصداقًا لقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد :31).
فتأخر العطاء لا يعني إهانة كما يصوره لنا الشيطان ليوقعنا في فخ السخط والقنوت، وإنما هو تدبيرٌ من لطيفٍ خبير يختبر فينا الرضا والصبر؛ ليعلم هل نعبده ونرجوه في الضيق كما في الرخاء:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ (الفجر: 15-16).
فالدعاء في جوهره نداء من الروح إلى خالقها، يقتضي استجابة العبد لأوامر ربه كما بيَّن لنا سبحانه في قوله:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ البقرة (186)
فاستجابتنا له تعالى المتمثلة في اتباع هداه والرضا والصبر تحقق لنا الرشد: (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) ، والمؤمن الراشد هو الذي يدرك حكمته تعالى في المنع قبل العطاء، فكثيرًا ما يجهل الإنسان مآلات الأمور، ولكنه بالرشد سيوقن ويثق أن الله سبحانه يمنع عنه أمرًا ليحميه من ضرر لا يعلمه، وأن هذا المنع هو عين العطاء والرحمة، فقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء :11).
ولن أقول لكِ أن انتظارك نصف السنة لا يُعد انتظارًا في عُرف الصبر – حتى لا تظنين الاستهانة منا بما تعانيه – ولكن الحق والحق نقول؛ أن هناك من صبر سنوات عجاف وينتظر اليوم الذي يُغاث فيه، ولنا العبرة في قصص الأنبياء كأيوُب وزكريا ويوسف عليهم السلام أعظم دروس الصبر، فقد انتظروا سنوات طويلة قبل أن تأتيهم الاستجابة، لذا فإن الثبات وعدم القنوط هو سبيل المؤمن الحق، فنرى أنه رغم الحزن الذي عاناه يعقوب حتى عندما ابيضت عيناه عليه السلام لم ييأس وكان قوله:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف :87)
ورغم الكبر الذي مس الخليل لم يقنط حتى جاءته البشرى:
﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (الحجر :56)
فهل كره الله سبحانه وتعالى رسله وأنبيائه المصطفين الأخيار؟!
وأما فيما يخص ضيقكِ من جفاء المحيطين بكِ، فتذكري أن صفوة الخلق من الأنبياء مروا بهذا المسار الوعر، فيوسفُ أوذي من إخوته، وإبراهيمُ حُرّض عليه من أبيه، ونوحٌ فُجع في ابنه. لقد كان ذلك رفعةً لدرجاتهم وتزكيةً لنفوسهم، فليكن لكِ في الصبر عليهم أنسٌ وعزاء. وإن ضاقت دائرة الأصدقاء، فاعلمي أن الله قد يصرف عنكِ الكثير ليجمعكِ بالقلة الصالحة الشاكرة :﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: 13)، فحسبُكِ الله أنيساً ومستمعاً: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (يوسف: 86) وبتقواكِ وإحسانكِ سيجعل الله لكِ مكاناً علياً: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل: 128)
وبالنسبة لهواياتكِ، فقد يحتاج الأمر منكِ صمودًا وإظهارًا لها بشكل أفضل، فابحثي عن كيفية تطوير مهاراتك وهواياتك، وقد أصبح كل شيء سهلًا ميسرًا، فالدورات التدريبية أصبحت في متناول الجميع بشكل مجاني عبر وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك تسوقيها. وبالإصرار والتقوى ستحصلين على المكانة التي تليق بكِ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف :90)
كما أنه عند التخطيط للمستقبل، فمن الضروري أن يتوافق سعيكِ مع إمكاناتكِ، وألا تتقيدي بهدف واحد قد يصيبكِ عدم تحققه بالإحباط؛ فربما صرفكِ الله عن وظيفة أو أمرٍ تمنيتِه حمايةً لكِ من شرّ لا ترينه، وقد يغلق باباً ليفتح لكِ آفاقاً أرحب تتوافق مع قدراتكِ التي يعلمها هو سبحانه. إن التوكل الحق هو أن تسلمي دفة حياتكِ لمن هو أرحم بكِ من نفسكِ، موقنةً أن المنع أحياناً هو قمة اللطف ليحميكِ من فتنة أو ضرر لا تدركينه الآن، فابذلي كل ما في وسعكِ وثقي بوعده حين قال:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 2-3).
وانظري بعين الرضا لمن هم أشد ابتلاءً لتدركي عافية الله فيكِ، فالبلاء يمحص القلوب ليبقى فيها الطيب الصافي:
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 179)
ختامًا:
اطمئني بذكر ربك فلن ينساكِ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (مريم: 64) فلطف الله يحيط بالمؤمن في كل تفاصيل حياته وسكينته التي ينزلها على القلوب: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (الفتح :4)
وما على العبد إلا مواصلة السعي والثقة بأن ربه لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
فتلمسي لطفه الخفي فهو: ﴿اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الذي يدبر أمركِ ويحيط بكِ في كل سكنة وحركة، في نسمة هواء تشرح صدرك، أو آية تلمس جرحكِ، أو سكينة تغمر روحكِ فجأة، حتى في دمعة أزاحت همك.
ولا تتركي للشيطان ثغرة ليزرع فيكِ اليأس والشك في رحمته وعدله: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175)
بل تمسكي بصلاتكِ واستغفاركِ لتنجي بقلبكِ من الهلع والجزع:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانُ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ (المعارج: 19-22)
فالرؤوف الرحيم لا يضيع إيماناً استقر في صدركِ، ولا سعياً بذلتِ فيه جهدكِ فــ ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾.
الباحثة: شيماء أبو زيد


أضف تعليقا