السؤال:
لماذا اللغة العربية أغلب كلماتها ذكورية، ولماذا القرآن الكريم خطابه ذكوري؟
انتظر جوابكم وشكرا لكم مسبقا.
الجواب:
يُثار أحيانًا هذا السؤال حول سبب غلبة الصيغة المذكرة في اللغة العربية، ولماذا يأتي الخطاب القرآني غالبًا بصيغة المذكر عند مخاطبة عموم الناس أو جماعة فيهم الرجال والنساء، وهل كان يمكن أن يوجد تعبير لغوي محايد يشمل الجنسين دون تغليب أحدهما.
هذا السؤال في جوهره ليس دينيًا فقط بل لغوي وفلسفي واجتماعي كذلك، لذلك يحتاج معالجة تفصل بين البنية اللغوية وثقافة الخطاب.
طبيعة التذكير والتأنيث في اللغة العربية
اللغة العربية قائمة بنيويًا على نظام التذكير والتأنيث النحوي كغيرها من عائلة اللغات السامية. هذا التصنيف ليس تمييزًا بيولوجيًا ولا حكمًا بالقيمة بل هو نظام صرفي قديم ينظّم الأسماء والأفعال والضمائر. عند مخاطبة جمع مختلط من الذكور والإناث تستعمل العربية صيغة المذكر على سبيل العادة، وهو أسلوب معروف عند العرب قبل الإسلام واستمر في استعمالهم بعده.
والجدير بالانتباه أن في العربية أشياء كثيرة تُؤنَّث نحويًا من غير أن تكون أنثى حقيقية مثل: الشمس والأرض والسماء والنفس، كما أن كثيرا مما يذكر مفردا يؤنث عند جمعه، مثل: فَلك (أفلاك) أو الفُلك، وقطار (قطارات) ومطار (مطارات) ورصيف (أرصفة). وهذا يؤكد أن المسألة نظام لغوي لا تفضيل اجتماعي.
الخطاب القرآني وسنن العربية
نزل القرآن الكريم ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195] ، فخاطب الناس وفق القواعد المستقرة في لغتهم. فحين يأتي الخطاب بصيغة (يا أيها الذين آمنوا) فهو بحسب أسلوب العرب يشمل الرجال والنساء معًا لأنها قاعدة لغوية للاختصار لا للإقصاء.
وما أرسل الله تعالى من نبي إلا بلّغ قومه بلسانهم ليبين لهم مراد الله منهم، قال الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4]
فالهدف من الرسالة هو الهداية والبيان وليس تغيير قواعد اللغة.
وجريا على هذه القاعدة أرسل الله نبيه الخاتم بلغة قومه الذين بُعث فيهم.
وفي مواضع عديدة يصرح القرآن بشمول الخطاب للطرفين تصريحًا مباشرًا كما في قوله تعالى في سورة الأحزاب:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]
وقد جاءت الآية على هذا النحو للتأكيد على المساواة في الأجر والثواب. ويقرر مبدأ الشمول بوضوح في قوله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]
إذن المضمون القيمي للنص يقر بالمساواة في الأصل الإنساني والتكليف والجزاء وإن جاءت الصياغة غالبًا على وفق نظام المعروف في أصل اللغة.
هل توجد لغات محايدة جنسياً
بعض لغات العالم لا تُميز أصلًا بين المذكر والمؤنث في الضمائر أو الأسماء مثل اللغة التركية و اللغة الفنلندية و اللغة الصينية، ففيها ضمائر أو صيغ عامة لا تحمل تمييزًا نحويًا بين هو وهي.
في المقابل توجد لغات كثيرة تشبه العربية في اعتمادها نظام النوع النحوي مثل اللغة الفرنسية و اللغة الإسبانية، وهذه بدورها تستعمل صيغة المذكر عند الجمع المختلط.
إذن وجود الحياد أو عدمه مسألة بنيوية تاريخية في كل لغة وليست قرارًا أخلاقيًا اتخذه مجتمع ما في لحظة معينة.
هل يؤثر الحياد اللغوي في تحقيق العدالة
يمكن لطريقة التعبير أن تسهم في تشكيل بعض الصور الذهنية، لكن في المقابل فإن اللغة تعكس المجتمع ولا تشكّله، والحق أن الثقافة العامة والقوانين ونظام الحكم هي المؤثر الحقيقي في تحقيق العدالة.
انظر مثلا المجتمع العربي الذي عاصر الجاهلية والإسلام، فبالرغم من أن اللغة واحدة والشعب واحد إلا أن اختلاف المنظومة القيمية التي تمثلت باعتناقهم الإسلام هي التي خلقت التغيير للأفضل. قال الله تعالى:
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]
والتجربة المعاصرة في بعض المجتمعات التي حاولت تطوير صيغ شاملة في لغاتها لم تُنهِ الفوارق الاجتماعية، مما يدل على أن تغيير اللفظ لا يعني شيئا دون إصلاح القيم والرجوع إلى الفطرة السليمة:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30]
الخلاصة
اللغة العربية ليست ذكورية بمعنى التفضيل، وإنما هي لغة ذات نظام نحوي يقوم على التذكير والتأنيث والتغليب عند الجمع المختلط.
الخطاب القرآني جاء وفق هذا النظام اللغوي مع تقرير واضح لمبدأ المساواة في الكرامة والتكليف والجزاء.
الحياد اللغوي موجود في بعض اللغات وغير موجود في أخرى، وهو مسألة تاريخية بنيوية متعلقة في أصل اللغة. أما العدالة فهي أوسع من البنية الصرفية وتقوم على المنظومة القيمية والتشريعية والسلوكية داخل المجتمع.
وهكذا يتبين أن السؤال في جوهره يدعونا للتفريق بين شكل التعبير ومضمون الرسالة وبين البنية اللغوية والقيم التي تحملها تلك اللغة.


أضف تعليقا