حبل الله
هل اصطفى الله تعالى البنين على البنات أو العكس؟

هل اصطفى الله تعالى البنين على البنات أو العكس؟

السؤال:

ورد في القرآن الكريم الآيات التالية:

﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا ‌يَخْلُقُ ‌بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف: 16]  ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ ‌غَيْرُ ‌مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18]  ﴿وَيَجْعَلُونَ ‌لِلَّهِ ‌الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: 57]  ﴿‌فَاسْتَفْتِهِمْ ‌أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ﴾ [الصافات: 149]  ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ‌ضِيزَى ﴾ [النجم: 21-22] 

هنا في الآيات يظهر غضب الله من نسب البنات إليه، أعلم أنه لا ولد لله وأنه غضب من نسب الأولاد له عموماً، لكن حين نسبت الأنثى له أتت آيات كثيرة لا تشعرني إلا أن الله كره البنات وانتسابهن له وتدقيقه على فكرة كيف لله البنات ولهم البنون، أليس هو من خلق الجميع؟ لماذا جعل الأنثى تشعر بهذا؟ وكأن الأمر أقل غضباً لو نُسب له الذكور.

ثم يستنكر عليهم وأْدهم للبنات وكرههن، الإله أخبرهم أنه اصطفى البنين فالطبيعي أن يفعلوا كما فعل الإله، هذا ما تفعله مجتمعاتنا الآن وهم ليسوا مخطئين، بل متبعين عميان لسنة الأرض في كره الأنثى واصطفاء وحب الذكر.

الآن لم أفهم ما الشيء الذي خلقه فيهم مختلفاً ليكونوا الأحب والأكرم عنده وعند الناس، وما نحن؟

هل أمنا حواء وأبونا آدم أم أنّا خلقٌ آخر؟

عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله: أريت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء) قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: (بكفرهن) قيل: يكفرن بالله، قال: (يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت منك خيرا قط).

بعد عناء الدنيا كله أيضاً هي الخاسرة الكبرى في الآخرة على افتراض أن الجنة خير من النار وأهون قليلاً.

الجواب:

​إنَّ التصور الذي طرحته السائلة الكريمة يجعلها مُحقّة تماماً في وصولها لهذا الشعور بالمرارة والخسران؛ فالفطرة السوية تأنفُ بطبعها من تصوير الله تعالى وكأنه يفضل الذكور، أو أنَّ الجنة مكافأة ذكورية بامتياز.

ولكن عليها قبل أن تستسلم لهذا الشعور بالخيبة ليجرّها إلى اليأس، ندعوها لتتوقف لحظة وتسأل نفسها هذا السؤال الجوهري:

مَن الذي أودع فيكِ هذا الرفض للظلم؟ مَن الذي أيقظ في أعماقكِ هذه الفطرة التي تنشد العدل وتضيق بالجور؟

إنَّ الذي غرس فيكِ حسَّ العدالة هو اللهُ نفسُه، فكيف يكون الخالقُ أقلَّ رحمةً وعدلاً من قلبكِ الذي صنعه بيده؟ فهل يُعقل أن يزرع الخالقُ في الإنسان كراهية الظلم ثم يمارسه هو عليه؟ كيف يُتخيل أن يكون المصوِّر أدنى من الصورة؟ إنَّ كراهيتكِ للظلم هي في الحقيقة أعظم دليل على عدلِ الله؛ لأنه لا يزرعُ في عباده حباً لقيمةٍ (كالعدل) ثم يخالفها هو في تدبيره وجنته. فلمصلحةِ مَن يخلقُ الله كائناً (المرأة) ليكرهه أو ليعذبه أو ليكون خاسراً في ميزانه؟ فمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ!

فنحن على يقين أنَّ هذه البوصلة التي تسكن أعماقكِ، بما تحمله من حبٍ فطرِيٍّ للعدل ونفورٍ من الظلم، هي ذاتها التي ستوجهكِ لمعرفة الحق. فاجعلي من صدق وجدانكِ دليلاً يقودكِ لنور النص القرآني، ولتكن هذه الفطرة هي الميزان الذي تفرقين به بين حقيقة الخالق وبين أوهام المخلوقين؛ فحيثما وجدتِ العدل فثَمَّ شرع الله، وحيثما وجدتِ التكريم فثَمَّ مراد الله.

وبدلاً من أن تستهلك هذه الظنون روحكِ، دعينا نجعل منها نقطة انطلاقٍ ﻹزاحة ركام المفاهيم التي حجبت عنكِ نور الحقيقة.

فالسؤال الذي طرحتِه اليوم يصطدم بجدارين من التشويه أحدهما أشد خطرًا من الآخر، فالأقل خطرًا هو جدار المرويات الكاذبة التي نسبت إلى الرسول التي سوف نثبت لكِ بالدليل القاطع على أنها مكذوبة ومفتراة من داخلها حتى قبل عرضها على كتاب الله تعالى.

ولكن الجدار اﻷشد خطرًا هنا هو جدار الفهم المغلوط للنص القرآني ذاته وما يتعلق بسطحيتنا في قراءته؛ حيث سُحبت الآيات من سياقها الرباني الراقي لتُصبغ بـصبغة ذكورية محضة، فظننتِ أنَّ خطاب الله (الذي يهدف لإفحام المشركين) هو خطابٌ (ينتقص من شأنكِ)، وهذا هو الوهم الأكبر الذي سنقوم بتفكيكه.

ولا أطلب منكِ سوى ما أمرنا الله به حين قال: ﴿فَإِذَا ‌قَرَأْتَ ‌الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [النحل: 98]  فالاستعاذة بمثابة الحصن للعقل من كل وسوسةٍ تحاول تشويه صورة الخالق في قلبكِ، وذلك ببذل الجهد في تدبر الآيات وربطها بسياقاتها التي ذُكرت فيها.

آيات اصطفاء البنات ونفي الولد.. بين (مقام التنزيه) و(مقام التبكيت)

إن قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى ‌الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: 153]  لا يعني كما تعتقد السائلة الكريمة أن الإله أخبرهم أنه اصطفى البنين وأن الطبيعي أن يفعلوا كما فعل الإله!

​لقد وقعتِ في خلطٍ كبير بين سياقين في القرآن، سياق النفي عن “جنس الولد” تنزيهاً لله، وسياق الاستفهام عن “نسبة البنات” تبكيتاً للمشركين.

  • ​ففي مقام التنزيه عن نفي الولد والصاحبة: نرى أن الله ينفي عن نفسه “الولد” كحقيقة عقدية، ويستخدم صيغ النفي القاطع: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: 91]  ﴿أَنَّى ‌يَكُونُ ‌لَهُ ‌وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: 101]  وكان النفي حاسماً وتقريرياً.

وعلينا الانتباه هنا أن كلمة “الولد” في لغة العرب وفي الاستعمال القرآني تشمل الذكر والأنثى على حد سواء، والنفي هنا جاء مطلقًا ليقطع الطريق على أي تصور بشري مادي، فلا ذكر ولا أنثى ولا زوجة ، وهدفه إثبات أنَّ الله أحد صمدٌ: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. ‌وَلَمْ ‌يَكُنْ ‌لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]

  • ولكن حين جاء الحديث عن “البنات” وتخصيصهن بالذكر نجدُ ملمحاً مدهشاً، فلم يقل الله أبداً في كتابه “ما اتخذ الله من بنت” أو “ما كان لله من أنثى” بصيغة النفي التقريري المباشر كما فعل مع الولد، والسبب في ذلك أنَّ البنتَ منفيةٌ أصلاً، فهي مشمولة في نفي “الولد” ونفي “الصاحبة” ونفي “التناسل” عن ذاته القدسية، فلا حاجة لذكرها منفصلة في النسبة لله تعالى كابنة.

وإنما جاء الحديث عن الأنثى دائماً بصيغة استفهام إنكاري توبيخي: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ﴾؟ لماذا؟ ليواجه المشركين بتناقضهم المرير؛ فهم ينسبون لله ما يكرهونه لأنفسهم، فكان التوبيخ لـ “منطقهم الأعوج” و “قسمتهم الضيزى”، لا لجنس الأنثى.

ولذا أعقب هذا الاستفهام بقوله: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ و ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ وهذا يؤكد أنَّ القضية في هذه الآيات ليست قضية جنس البنت بل قضية فساد الحكم و جور القسمة فالله يُبكتهم لأنهم جعلوا لأنفسهم ما يحبون، ونسبوا لخالقهم ما يكرهون، وهذا قمة الاستهتار بمقام الألوهية.

إنها المحاكمة في قضية البنت للتناقض البشري، وليست تفضيلاً لذكورةٍ على أنوثة، فقد جاء الخطاب لنسف المنطق العبثي وازدواجية المعايير الذي يدير به المشركون عقائدهم فوصفهم بالكذب في قوله:  ﴿وَيَجْعَلُونَ ‌لِلَّهِ ‌مَا ‌يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62]  ليس لأنهم نسبوا البنت إليه سبحانه وإنما لأنهم يدعون عبودية كاذبة قائمة على التفريط في حقه كمعبود.

ومن الخطأ المنهجي أن نتصور أن غضب الله في القرآن كان مقتصراً على نسبة البنات إليه، بل إنَّ الزلزال الكوني الذي وصفه القرآن لم يأتِ إلا رداً على فكرة الولد مطلقاً، بغض النظر عن كونه ذكراً أو أنثى.

  • ​فحين ادعى البعض أن لله ولداً (ذكراً) وهو عيسى عليه السلام لم يكن الرد الإلهي هيناً، بل اهتزت له أركان الوجود: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْن مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 89-91] ، هنا الغضب ليس لأن الولد “ذكر”، بل لأن نسبة الولد لله هي قمة “الإدّ” (أي الأمر العظيم المنكر) الذي لا تحتمله السماوات والأرض.
  • فحتى عيسى عليه السلام – وهو مَن هو في علو مقامه – وضعه الله في كفة المساواة مع البشرية جمعاء أمام قدرة الخالق، لينفي فكرة “البنوة” في مقام الألوهية: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 17] ففي هذه الآية، جمع الله المسيح (الذكر) وأمه (الأنثى) ومن (في الأرض جميعاً) في سياق واحد، ليؤكد أن الجميع عبيدٌ له، ولا ميزة لذكر أو أنثى في التقرّب من ذاته عبر بوابة النسب.

إنَّ المشكلة الأساسية التي حاربها القرآن هي “النسبة إلى الله” سواء كانت النسبة لملائكة زعموا أنهم بنات الله، أو لعيسى الذي زعموا أنه ابن الله، أو لعزير، فمهما كانوا مكرمين فهم عباده وليس أحد منهم ولده سبحانه: ﴿‌وَقَالُوا ‌اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] .

وتدقيق القرآن على “البنات” في سياق المشركين كان لضرب “تناقضهم” (كيف تختارون لله ما تكرهون؟) وليس لأن نسبة البنين إليه مقبولة أو أقل إغضاباً.

أما بالنسبة لقوله تعالى ﴿‌أَوَمَنْ ‌يُنَشَّأُ ‌فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18]  فقد جاءت وصفًا لواقعهم لا لخلقة الله تعالى.

فاﻵية ليست تقليلاً من قدرات المرأة العقلية، بل هو توصيف لواقع الظلم في المجتمع الجاهلي الذي كان يحرم المرأة من التعليم، والقوة، والمشاركة في الرأي  في أمور الحرب و(الخصام)، ويحبسها في إطار “الزينة” فقط.

فجاءت اﻵية تستنكر عليهم ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ بمعنى لقد جعلتموها ضعيفة بسلبكم لحقوقها، ثم جئتم تنسبون هذا الضعف (الذي تسببتم فيه) لخالق القوة! فالآية تذمُّ التربية الجاهلية التي أنتجت إنساناً مسلوب الإرادة، ولا تذمُّ طبيعة الأنثى التي كُرمت وفُضلت مثلها مثل الذكر تمامًا.

بدليل قوله تعالى في ميزان التفضيل في الخَلق: ﴿‌وَلَقَدْ ‌كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]  فالتكريم وتسخير البر والبحر والرزق من الطيبات جُعل لبني آدم ذكورًا وإناثا على حد سواء.

والأمر نفسه في ميزان التفضيل في الخُلق: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ ‌وَأُنْثَى ‌وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13]  فجعل الفرق الوحيد المعول عليه في التكريم الخُلقي هو التقوى.

وهو ما يتوقف عليه ميزان الحساب والجزاء في الدنيا والآخرة مصداقًا لقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ‌وَهُوَ ‌مُؤْمِنٌ ‌فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]  ولوعده: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي ‌لَا ‌أُضِيعُ ‌عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195]  فجملة “بعضكم من بعض” تنسف أي فكرة للتفوق العرقي أو الجنسي.

فليست المرأة خلقًا آخر- على حد تعبير السائلة الكريمة – فلم يُفرّق الخالق في التكريم والتفضيل الخَلقي والكوني بين أحد من بني آدم، ولم يفرق بينهما في مادة الخلق أصلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1]

​بين جنة المذاهب وجنة الرحمن: ردٌ على أوهام الخسران

​إنَّ صرخة الألم التي أطلقتها السائلة هي نتيجة طبيعية لقرونٍ من “تأميم” الدين لصالح صنفٍ واحد، حتى خُيِّل للمرأة أنَّ وجودها في الدنيا عناء، وفي الآخرة إقصاء. ولكنَّ الحقيقة القرآنية تقف في وجه هذا الزيف ببيانٍ حاسم:

​خرافة “الجنة الذكورية”

​الجنة التي يتحدث عنها البعض، ويعدون فيها الذكور بما يشتهون ويصمتون عن أحقية الأنثى، هي جنة مذهبية صاغتها أهواءُ البشر واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً. أما جنة الرحمن، فهي مُلكٌ لكل نفس تقية، بلا تمييزٍ عرقي أو جنسي بين ذكر وأنثى ولا بين إنس وجان، وقد قال الله عنها: ﴿جنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا… تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63] فأورث الرحمن الجنة لعباده اﻷتقياء، ولم يجعل الوراثة حكراً على البنين دون البنات.

رواية أكثر أهل النار، وتكفير العشير..

تلك الرواية اﻷشهر في الحادثة المسماة بالمعراج، التي رأى فيها الرسول – على زعمهم – النساء أكثر أهل النار! ولن نتعرض هنا للحادثة التي رددنا عليها من كتاب الله تعالى الذي أثبت عدم وقوعها وأن ما حدث للرسول هو اﻹسراء  فقط لا غيره، وبالتالي مادامت الحادثة لم تقع فكل ما بني عليها لا أساس له من الصحة، وحتى لا نطيل الحديث يمكن للسائلة الكريمة الاطلاع عل الفتوى التالية: حقيقة المعراج

ورغم أن نفي الحادثة ينفي رواية (النساء هن أكثر أهل النار..) ولكن حتى يطمئن قلب السائلة فسوف نقوم بتفنيد الرواية بوضعها في ميزان القرآن والمنطق حتى يتبين إن كانت من عند الله أم أنها افتريت عليه وعلى رسوله، فإذا أمعنا النظر سنجد أنَّ هذه الخرافة تنهار من أساسها لأسباب زمنية وعقدية واضحة:

فالقرآن الكريم وضع تسلسلاً مرتبًا لأحداث الآخرة (موت، ثم برزخ، ثم بعث، ثم حساب، ثم جزاء)، ولا يمكن تجاوز هذه المراحل إلا بهدم العقيدة القرآنية ، فالمرويات تُصور الآخرة وكأنها “فيلم مسجل” انتهى عرضه، بينما القرآن يصورها كـوعدٍ صادق سيتحقق بعد انتهاء الاختبار الدنيوي .

1-  فهل وقع الحساب (في زمن المعراج) أم أنه مؤجل ليوم القيامة؟

  • يقول تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: 25-26] فالحساب يبدأ بعد “الإياب” (الرجوع الجماعي يوم البعث) وليس قبل ذلك.
  • ​ويقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47] فالموازين لا تُنصب إلا في يوم القيامة، فكيف يُعرف “أهل النار” قبل وضع الموازين؟

​فالقرآن يصف حال الناس بعد موتهم  بأنهم في قبورهم رقود لا يشعرون بمرور الزمن حتى يبعثوا:

  • ​يقول تعالى على لسان المبعوثين: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا، هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 52] كلمة “مرقدنا” تنفي أنهم كانوا يُعذبون أو ينعمون في جنة ونار فعلية مأهولة بالبشر قبل ذلك اليوم.
  • ويقول تعالى عن أحداث يوم القيامة: ﴿وَإِذَا ‌الْجَحِيمُ ‌سُعِّرَتْ ﴾ [التكوير: 12]  فهل سعرت الروايات الجحيم ليلة المعراج خاصة للنساء ثم أطفأت بعدها؟

​يوم الفصل هو ميقات الجمع:

  • ​يقول تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا . يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 17-18] فالجزاء مرتبط بـ “يوم الفصل” والنفخ في الصور، وهم يزعمون أن النبي ﷺ عُرج به والناس لا يزالون في الدنيا أو في البرزخ، ولم يأتِ يوم الفصل بعد.

فكما نرى أن النار لم يدخلها أحدٌ بعد والقرآن الكريم صريح في أنَّ الحساب والدخول إلى الجنة أو النار لا يكون إلا بعد البعث والنشور ويوم الحساب. فكيف يرى النبي ﷺ “أكثر أهل النار” وهم لم يُحاسبوا بعد، بل إنَّ أغلبهم لم يكن قد وُلد أصلاً في زمن المعراج؟

هذا بخلاف قوله تعالى: ﴿قُلْ ‌لَا ‌يَعْلَمُ ‌مَنْ ‌فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65] ، فادعاء أنَّ النبي ﷺ رأى توزيع الأنصبة في النار هو ادعاءٌ باطلاع البشر على خواتيم الخلق قبل وقوعها، وهو مناف لكتاب الله شكلًا ومضمونًا.

2- “شهوانية التنكيل الجسدي”.. لماذا يُقحم جسد المرأة حتى في النار؟

إنَّ أكثر ما يثير العجب والاستنكار في تلك المرويات هو “هوس الوصف الجسدي” للمرأة حتى وهي تُعذب!

إن هذه المرويات سقطت في فخ (شهوانية التنكيل)، حيث اختزلت عقاب الخالق في تصويرات مادية فجة تستهدف جسد المرأة ومواضع فتنتها، وكأن العين التي وضعت هذه الروايات لم تستطع تجاوز جسد الأنثى حتى وهي تتخيلها في النار؛ ففكرة تصوير النساء “معلقات من أثدائهن” ليست مجرد خرافة زمنية، بل هي دليلٌ صارخ على عقلية ذكورية لا ترى في المرأة إلا جسداً، ولا تدرك كينونتها إلا من خلال أنوثتها الحسية.

فهذا الوصف في الرواية يلمس وتراً حساساً جداً، وهو كرامة المرأة الإنسانية التي تُنتهك حتى في وصف النار المزعوم. والحديث عن شكل العذاب لأولئك النساء اللاتي شوهدن يعذبن يبيِّن لنا مدى العوار الأخلاقي في تلك المرويات! والذي يدور حول النظرة المادية الحسية التي صاغها المؤلف البشري لهذه الأساطير، حتى صبغ بها عذاب الله – تنزه وتقدس – بصبغة جنسية فجة! والذي يطرح سؤالًا هامًا، لماذا يُقحم جسد المرأة حتى في النار؟

  • ​فالرواية تغذي النظرة الجنسية للعذاب: حين يتم التركيز على أجزاء حيوية وجنسية في جسد المرأة لوصف عذابها! نجد أنَّ الوصف يعكس “خيالاً بشرياً” مريضاً، ينظر للمرأة كـ (جسد) حتى في أحلك لحظات الغيب، فهم ينقلون شهوانيتهم من الدنيا إلى الآخرة، فيصيغون عذاباً يشفى غليل النظرة الدونية للمرأة.
  • ​أما في القرآن فنجده يعذب “النفس” والجسم “بالعدل” فحين يتحدث القرآن عن عذاب أهل النار، يتحدث عن “الجلود” كأداة للإحساس بالألم وعن “الوجوه” كمركز للكرامة الإنسانية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56] ﴿‌وَمَنْ ‌جَاءَ ‌بِالسَّيِّئَةِ ‌فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: 90] ، وهو خطابٌ شمولي للإنسان (ذكراً وأنثى) لا يخصص عضواً أنثوياً للإمعان في الإذلال أو “التحرش اللفظي” تحت مسمى الوعظ.

إنَّ وصف الذات الإلهية بأنها تنتقم من المرأة عبر “أعضائها الحيوية” هو قولٌ عظيم ومنكر: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ ، فالله تعالى الذي كرّم الإنسان وصوّره في أحسن تقويم، أسمى من أن يُصوَّر في هيئة “سجّان سادي” يركز على عورات النساء في عقابه ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ فالمؤلف المتمثل في الرواي حين وصف العذاب بهذه الطريقة لم يصف “عدل الله” بل وصف انحراف خياله ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾

إنَّ العجب ليس في “عذاب الله تعالى” بل العجب في قولهم وتصورهم حين جعلوا من المرأة جسداً في الدنيا لتُفتن، وجسداً في الجنة لتُمتع، وجسداً في النار لتُعذب

أما سبحانه وتعالى، فقد خاطبها كـنفس وكـعقل وكـإرادة، وساوى بينها وبين الذكر في شكل الثواب والعقاب حين قال في سورة سميت باسمها تحفظ لها حقوقها من طغيان الذكر وتصون كرامتها في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ‌وَلَا ‌يُظْلَمُونَ ‌نَقِيرًا ﴾ [النساء: 124]  ​

3-  “السيئة” في ميزان القرآن.. كفرٌ بالخالق أم كفرٌ بالذَّكر؟

​ إن الرواية تكشف عن وثنية خفية في الموروث، حيث تم استبدال عبادة الله بعبادة العشير، فجُعل كفر المرأة بالرجل مساوياً أو أعظم من كفرها بخالقها!

فعندما وضع الله تعالى قانون “السيئة والجزاء” في كتابه، لم يخصصها بجنس دون آخر، ولم يحصر مفهوم الإساءة في علاقة المرأة بالرجل كما تفعل الروايات، بل جعل المقياس هو العمل والاعتقاد: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: 40] هذا هو الدستور الإلهي، أما الرواية المزعومة فتقدم ديناً موازياً يصدمنا بمفارقات عجيبة:

  • ​الرواية تصرُّ على أنَّ سبب استحقاق النساء للنار ليس كفرهنّ بالله تعالى، بل هو كفر العشير، فحتى حين سُئل النبي (في الرواية) “أيكفرن بالله”؟ جاء الرد لينفي الكفر بالله ويُثبت “الكفر بالرجل” وكأنَّ الجريمة العظمى التي تستوجب الخلود في النار هي كفر العشير!
  • ​إنَّ هذا التصوير يكرس لفكرة عبودية المرأة للرجل، فجعلت الروايات والمذاهب من رضا الذكر بوابةً وحيدة للجنة، ومن غضبه سبباً وحيداً للنار. ​فمَن المعبود.. الله أم العشير؟ فوالله إنهم يقولون “منكرًا من القول وزوراً”

​ إنَّ هذه الرواية لم تُورد وصف النار، بل أرادت تأليه الذكر في حياة المرأة؛ لتعيش في رعبٍ دائم من تقصيرها تجاهه، متناسيةً أنَّ صلاتها، وصيامها، وتقواها لله هي المعيار، وأن التقصير في حق البشر (مهما عظم) هو خطيئة بشرية تُعالج في ميزان الحقوق، لا أن تكون هي الكفر الذي تُملأ بسببه جهنم بالنساء!

​وأن مَن عملت سيئة (أياً كانت) فجزاؤها بمثلها، ومن عملت صالحاً (وهي مؤمنة بالله لا بالعشير) فهي في الجنة تُرزق بغير حساب، بعيداً عن صكوك الغفران الذكورية.

  • هل كفران العشير: خُلُقٌ إنساني أم جبلّة نسائية؟

​إنَّ محاولة حصر جحود الإحسان في النساء هي قراءة قاصرة تخالف استقراء القرآن للنفس البشرية، فالقرآن حين أراد وصف الجحود، وجّه أصابع الاتهام لـلإنسان بجنسيه، ففي سورة سميت باسم (اﻹنسان) يقول تعالى في وصفه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ ‌نُطْفَةٍ ‌أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 2-3]  ثم بيَّن لنا في مواطن أخرى أن أكثر هذه النفس الإنسانية تتصف بقلة الشكر والجحود والنكران.

  • فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ ‌عِبَادِيَ ‌الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]  ولم يقل وقليل من النساء الشكور
  • وقال: ﴿إِنَّ ‌الْإِنْسَانَ ‌لَكَفُورٌ ‌مُبِينٌ﴾ [الزخرف: 15]
  • وقال: ﴿إِنَّ ‌الْإِنْسَانَ ‌لِرَبِّهِ ‌لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6]
  • وقال: ﴿إِنَّ ‌الْإِنْسَانَ ‌خُلِقَ ‌هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: 19-20]
  • ولم يقل إن المرأة لكفور أو كنود أو هلوعة جزوعة.

​فهذه الصفات (الكنود، الكفور، الجزوع، المنوع) هي أمراضٌ تصيب النفس البشرية حين يضعف إيمانها واتصالها بخالقها، وهي تصيب الرجال والنساء على حد سواء، فهي ليست جبلة ملتصقة بجنس الأنثى، بل على العكس تمامًا، والتاريخ القرآني خيرُ شاهدٍ على ذلك:

  • ​موقف الرجال: حين استعرض القرآن أقوام الأنبياء الذين جحدوا الرسالات، ومكروا بالرسل، وحاربوهم وقتلوهم، كان السواد الأعظم من هؤلاء المكذبين والمحاربين من الذكور.
  • ​موقف المرأة: وفي المقابل، حين أراد القرآن أن يضرب لنا مثلاً “للعقل الرشيد” والقلب الذي يستجيب للحق دون حرب أو مكابرة، لم يجد أعظم من نموذج “ملكة سبأ” ، تلك المرأة التي وصفها الله بأنها: ﴿‌وَأُوتِيَتْ ‌مِنْ ‌كُلِّ ‌شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23]  فرغم قوتها وسلطانها، لم يمنعها كبرياء المُلك من الإذعان للحق بمجرد معرفته، فقادت قومها للنجاة والإيمان، بينما قاد الرجال من ملوك الطغاة (كفرعون وهامان) أقوامهم إلى الهلاك.

وإن قيل أن المرأة تنسى الفضل واﻹحسان لزوجها، يرد على ذلك من كتاب الله تعالى الذي وضع دستور الفضل المتبادل في قوله للزوجين: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237] هذا النداء الإلهي موجّه للطرفين معاً، مما يؤكد أنَّ نسيان الفضل هو “خطرٌ” يهدد الرجل والمرأة على حد سواء، وليس خصلةً نسائية كما يحلو للبعض تصويرها.

فالعبرة ليست بـالجنس بل بـالنفس؛ فكم من امرأةٍ ملكت بصيرتها فآمنت، وكم من رجلٍ أعمى الكبرُ قلبه فكفر. والله تعالى يقول مخاطبًا البشر جميعًا: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ‌وَإِنْ ‌تَعُدُّوا ‌نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34]  فهذا هو حال البشر تجاه نعم خالقهم التي لا تعد ولا تحصى، فمنهم من جحد بآيات الله، ومنهم مَن كفر بالنعمة، ومنهم مَن نسِي الفضل عند الخصام ذكراً كان أو أنثى ، ولم تكن المرأةُ يوماً هي المتهم الوحيد في محكمة الأخلاق الإلهية.

5-  معضلة “الضحية التي تحرس سجنها”

​إنَّ أعجب ما في هذه القضية ليس وجود روايات ذكورية تهمش المرأة، بل هو وجود قطاع من النساء يدافعن باستماتة عن هذه التفسيرات! فنجد المرأة هي من تروج لفكرة نقصان عقلها، وهي من تؤصل لكونها أكثر أهل النار، وهي من تحرس حدود الجنة الذكورية التي لا تجد لنفسها فيها مكاناً يليق بآدميتها، وصدق الله العظيم حين قال: ﴿إِنَّ ‌اللَّهَ ‌لَا ‌يَظْلِمُ ‌النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44]

هذه هي المفارقة الأكثر إيلاماً في واقعنا، وهي ما يمكن تسميته بـ “استعمار الوعي”؛ حيث تتحول الضحية إلى حارس للسجن الذي وُضعت فيه. إنَّ دفاع بعض النساء عن هذه الجنة الذكورية وتصديقهنّ بأنهنّ أكثر أهل النار هو ظاهرة تستحق التأمل والتحليل، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا:

  • ​لماذا تصدق المرأة أنها مهانة؟ يحدث ذلك حين يتم إقناعها بأنَّ التسليم بهذه المرويات هو جزء من الإيمان بالغيب، وأنَّ الاعتراض عليه هو تمرد على الدين، فعندما تم خلط كلام البشر (الروايات) بـ كلام الخالق (القرآن) أصبحت المرأة تخشى أن تدافع عن كرامتها لئلا تخرج من الملة.

ولكن الحقيقة أنَّ تصديق المرأة بأنها حطب للنار أو كافرة للعشير بالولادة، هو استسلام لعملية غسيل دماغ ممنهجة نتج عنها تزييف فطرتها التي جبلها الله عليها ككائن مكرم، وهؤلاء النسوة اللواتي يدافعن عن رؤية مذهبية تحصر النعيم في شهوات الذكور وتصمت عن مكافأة الإناث، إنما يبعن حقّهن الذي كفله الله بقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ‌وَلَدَيْنَا ‌مَزِيدٌ ﴾ [ق: 35]  فالخطاب الإلهي هنا للنفوس البشرية كافة، وليس للمؤمنين الذكور فقط.

  • تثبيت الدونية بالخوف:

إنَّ الهدف من ترويج فكرة “أكثر أهل النار النساء” هو كسر إرادة المرأة وإشعارها بالذنب الفطري الدائم، لتظل في حالة استجداء للرضا والقبول، خوفاً من مصيرٍ غيبي لم يقله الله في كتابه.

  • ​ولو تفكرت قليلًا لأيقنت أن المرأة كائنٌ مُكرّم لا حطب جهنم، وكيف يُعقل أن يكون أكثر أهل النار من النساء، والقرآن يضرب المثل للمؤمنين (رجالاً ونساءً) بامرأتين: آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران؟ إنَّ اختيار امرأتين لتكونا نموذجاً يُحتذى لكل المؤمنين في سورة التحريم ينسف تماماً فكرة الغلبة العددية للنساء في النار.

وختامًا:

يا ابنةَ آدم..

إنَّ وقوفكِ اليوم لتتساءلي عن هذه المنظومة هو بداية التحرر بالقرآن، فلا تكوني ممن يشرعنّ إهانتهنَّ باسم الدين. فالله الذي خلقكِ لم يطلب منكِ أن تلغي عقلكِ لتثبتي إيمانكِ، ولم يطلب منكِ أن تقبلي بدونيتكِ لتنالي جنته.

​إنَّ دفاع بعض النساء عن دونيتهن لا يجعل الظلم حقاً، بل يؤكد عمق الجرح الذي أصاب الوعي النسائي وتزييف الحقيقة التي نطق بها الوحي: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾.

إنَّ الخسران الذي تشعرين به هو وهمٌ زرعته المرويات، وبدده القرآن، فالمرأة في دين الله تعالى ليست خلقاً آخر أو درجة ثانية، بل هي شريكة الأصل، وشريكة التكليف، وشريكة الميراث السماوي. والجنة التي لا تشعر فيها الأنثى بأنها مُكرمة لذاتها وبإرادتها، ليست هي الجنة التي وعد الرحمن بها المتقين: ﴿جَنَّاتِ ‌عَدْنٍ ‌الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: 61]  ؛ فالجنة الحقيقية لا يُظلم فيها أحد نقيرًا، ولا يُفاضل فيها بين نفسٍ ونفس إلا بالتقوى.

إنَّ الذي خلقكِ من ذات المادة التي خُلق منها الرجل، ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا ‌رِجَالًا ‌كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾ [النساء: 1] ، هو أعدلُ من أن يحتقرَ خلقَه، أو يجعلكِ خاسرةً كبرى في دار البقاء بعد أن كنتِ كادحةً كبرى في دار الفناء.

​فلا تنظرِي إلى خالقكِ بعيونِ الروايات التي غلبت عليها ثقافةُ عصر الوأد وإن تلبّست بلبوسِ الدين. إنَّ الشعور بالخسران الذي يتسللُ إلى قلبكِ ليس نابعاً من قرآنِك، بل من جنةٍ ذكورية صنعها البشرُ في ذاكرتهم، ووعدوا بها أنفسهم، واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً متناسين أنه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ‌وَلَا ‌يُظْلَمُونَ ‌نَقِيرًا ﴾ [النساء: 124] 

يا ابنةَ آدم..

إنَّ مقعدكِ في الجنة لم يكتبه بشر، ولن يصيغه مذهب، وإنما هو إرثٌ لمن اتقى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي ‌نُورِثُ ‌مِنْ ‌عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63] فكوني مع الله بقلبٍ مطمئن، وثقي أنَّ الذي استأمنكِ على الحياة (الأرحام) وقرن اسمَه بالتقوى معها، لن يترككِ نهباً لظنونِ الخبثاء أو أوهام المخذولين.

​فأنتِ مكرّمةٌ عند خالقكِ لذاتكِ، ومجزيةٌ بعملكِ وإيمانكِ، والجنةُ التي تنتظركِ هي دارُ السلام التي: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا ‌لَغْوًا ‌وَلَا ‌تَأْثِيمًا. إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: 25-26]  لقد جعل الله دينه حياةً للنفوس وتكريماً لها، ولم يربط الكرامة بذكورةٍ أو أنوثة، بل جعل التقوى هي الميزان الوحيد: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ ‌عِنْدَ ‌اللَّهِ ‌أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] . كوني مع الله بصدق فطرتكِ، تجدي أنَّ الله أعدلُ وأرحمُ بكِ مما صوروا لكِ.

يا ابنةَ آدم..

نحن لا نحاول إقناعكِ بشيء غير حقيقي، ولا نسعى لتجميل الواقع قسراً، فالمبدأ القرآني ثابت: ﴿لَا ‌إِكْرَاهَ ‌فِي ‌الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]  و ﴿فَمَنْ شَاءَ ‌فَلْيُؤْمِنْ ‌وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: 29] .

​نحن فقط ندعوكِ لاسترداد بصيرتكِ؛ استجيبي لنداء قلبكِ واستجيبي لنداء ربكِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] وتحرري من قيود الروايات التي حبست كرامتكِ في أوهامِ الموروث. اجعلي من بوصلة العدل التي أودعها الله في قلبكِ هي القبلة التي توجهكِ للحق، وتيقني أنه سيولينكِ قبلة ترضينها وتذكري أنه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ‌يَهْدِ ‌قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]

ندعو الله أن يهدينا وإياكِ سواء السبيل.

الباحثة: شيماء أبو زيد

التعليقات

  • بارك الله فيك وجزاك خيرا يارب.. يقول الله تعالى: {و إذ قال الله يعيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذونى و أمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق} صدق الله العظيم.
    الآيه الكريمه هنا بتوضح أن الله ليس له أحد لا رجل و لا أثنى و أنه بنزول القرآن الله كرم الأنثي بأن لا تكون ارثا او متاعا وإنما لها رأي و حق و إرث لها… وفقك الله لما يحبه و يرضاه.

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.