حبل الله
مناقشة حديث حذيفة: أوَّلُ ما تَفقِدون مِن دِينِكم الخُشوعُ…

مناقشة حديث حذيفة: أوَّلُ ما تَفقِدون مِن دِينِكم الخُشوعُ…

السؤال:

عن حُذَيفةَ رَضيَ اللهُ عنه، قال: أوَّلُ ما تَفقِدون مِن دِينِكم الخُشوعُ، وآخِرُ ما تَفقِدون مِن دِينِكم الصَّلاةُ، ولَتُنْقَضَنَّ عُرى الإسلامِ عُروةً عُروةً، ولَيُصلِّيَنَّ النِّساءُ وهُنَّ حُيَّضٌ، ولَتَسْلُكُنَّ طَريقَ مَن كان قبْلَكم حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، وحَذْوَ النَّعلِ بالنَّعلِ، لا تُخطِئون طَريقَهم، ولا يُخطِئَنَّكم حتَّى تَبْقى فِرقتانِ مِن فِرَقٍ كثيرةٍ، فتَقولُ إحداهما: ما بالُ الصَّلواتِ الخمسِ؟ لَقدْ ضلَّ مَن كان قبْلَنا، إنَّما قال اللهُ تَبارَك وتعالَى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود: 114]، لا تُصَلُّوا إلَّا ثَلاثًا، وتقولُ الأُخرى: إنَّا لَمُؤمِنون باللهِ كإيمانِ الملائكةِ، ما فِينا كافرٌ ولا مُنافقٌ، حقٌّ على اللهِ أنْ يَحشُرَهما مع الدَّجَّالِ. خلاصة حكم المحدث : صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

ماذا تقولون عن هذا الأثر من الصحابي حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) وهو صحابي جليل، عُرف بلقب “صاحب سر رسول الله ﷺ” والذي ائتمنه وأخبره بفتن آخر الزمان. أعلم أنه إنسان وصحابي وأن هذا الحديث لم يقله الرسول بل نقله من علمه. وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، بل وحي من الله وأوامر ونواهي كاملة من رب العالمين. لذلك إن كانت المرأة يجوز لها أن تصلي وهي حائض وليست نجاسة وإنما أذى فماذا عن هذا الأثر ؟ أنا أحترم كل صحابي وتابعي راجع واستذكر أحاديث الرسول وحماها وحرص عليها. لكن الحيرة والتناقض والشبهات في النقل تتعب بشكل خاص.

أرجو الرد علي وأسأل الله لي ولكم الصواب والصدق والحكمة في القول والفعل ووفقنا لما يحب ويرضى

الجواب:

أخي الكريم، بارك الله فيك على أدبك وحرصك على طلب الحق دون طعن ولا تعصب. وسؤالك مفهوم فعلًا، لأن الإنسان حين يرى أثرًا كهذا ثم يسمع أقوالًا مختلفة قد يشعر بالحيرة، خصوصًا في مسائل تتصل بالعبادة والطهارة.

مناقشة هذا الأثر عن حذيفة رضي الله عنه:

هذا الأثر ليس حديثًا نبويًا مرفوعًا إلى الرسول ﷺ، وإنما هو قول منسوب إلى الصحابي حذيفة رضي الله عنه. وهو يخبر عما سيحدث في الأزمنة اللاحقة، فهو إخبار بما لم يقع أصلا (الغيب). وهذا لا يتصور من النبي فضلا عن الصحابي.

النبي الكريم _بنص القرآن_ لا يعلم الغيب ولا ما سيفعل به ولا بأمته من بعده:

﴿‌وَمَا ‌أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الأحقاف: 9] 

﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ ‌وَلَا ‌أَعْلَمُ ‌الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: 50] 

القرآن الكريم هو المرجع الأعلى الذي تُعرض عليه الروايات والآثار. فما وافق كتاب الله قُبل، وما خالفه أو ناقض أصوله فلا يُؤخذ به مهما كان قائله. هذا إن سلمنا بصحة الخبر، والمفروض في مثل هذا الحال تبرئة الصحابي الجليل عن التقول في دين الله تعالى بغير علم، واعتبار هذا القول المنسوب إليه افتراء من أحد اللاحقين.

أما عن صلاة الحيض فلا دليل على منعها من كتاب الله تعالى. لقد تساءل الناس عن المحيض وماذا عليهم أن يفعلوا في تلك الحالة، فجاء الجواب في الآية التالية:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ، ‌قُلْ ‌هُوَ ‌أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ، وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222] 

الآية وصفت المحيض بأنه “أذى” ، وهذا لا يلزم منه تحريم الصلاة أثناء الحيض. وكل ما في الآية هو وجوب اعتزال النساء في المحيض، ولو كان هناك محظورا آخر لذكرته الآية الكريمة.

ولا يوجد في القرآن آية أخرى تمنع المرأة الحائض من أداء الصلاة، فلا يمكن بعدئذ استثناؤها بغير دليل، لأن الأصل في العبادات البقاء على التكليف، ولا يُرفع التكليف إلا بنص واضح من القرآن.

أما الأحاديث والروايات التي فيها منع الحائض من الصلاة، فإنها لا تتوافق مع القرآن من أي وجه، ومعلوم أن الرواية لا ترقى لتخصيص أو تعطيل أصل قرآني عام (وهو هنا وجوب الصلاة في كل وقت)

والأصل ألا يُبنى حكم ديني مهم على أثر منفرد عن صحابي إذا خالف ظاهر القرآن أو وقع فيه اضطراب، وإنما يُرد إلى المحكم من كتاب الله.

ومحكم القرآن يقرر أن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا [النساء: 103]، ولم يرد في كتاب الله أن الصلاة تسقط بأي حال حتى لو كان مرضا أو سفرا أو قتالا،  والحائض مكلّفة بالصلاة، لأن الحيض لا يسقط عنها صفة المؤمن المكلف بالصلاة.

*وللمزيد حول الموضوع ننصح بالاطلاع على الفتوى التالية:

صلاة الحائض وصيامها

المسيح الدجال: تناقض الروايات

الدجال حقيقة أم خرافة

متى تكون الرواية عن النبي حجة ملزمة

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.