النشوز في القرآن الكريم

النشوز في القرآن الكريم

يأتي النشوز في اللغة بمعنى القيام بهدوء من المجلس حين إرادة المغادرة. علم تفسير القرآن يعطي إمكانية استخدام القرآن كمعجم لغوي. هذا المعنى المعطى لكلمة النشوز سنحاول أن نثبت موافقته لمنهج القرآن وللأصل اللغوي للكلمة من خلال الآيات التي مرت بها الكلمات المشتقة من النشوز.

1_ نشوز العظام

في الآية التالية جاءت الكلمة بصيغة المتكلم (ننشز) وهي فعل متعدي، وقد استخدمت بمعنى رفع الشيء من موضعه. قال الله تعالى :

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة، 2/259)

2_ النشوز من المجلس

النشوز في الآية التالية استخدم بمعنى القيام من المجلس بغية المغادرة:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة، 58/11)

إذا قيل في اجتماعٍ ما كلمة “انشزوا” فإنها تأتي بمعنى انهضوا وانصرفوا، وهذا يتوافق مع المعنى اللغوي للكلمة موافقة تامة.

3_ نشوز الرجل

نشوز الرجل هو قراره الافتراق عن زوجته. والآية التي تشير إلى ما يمكن أن تفعله المرأة في مثل هذه الحالة هي قوله تعالى:

{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء، 128)

إرادة زوجها الافتراق عنها يزعجُها. يروى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: هذه الآية نزلت بناء على طلب المرأة التي مكثت عند زوجها مدة طويلة وأراد زوجها أن يطلقها، وقد قالت له “لا تطلقني، ابقني الى جانبك، دون أن تكون مسؤولا عني”

عروة بن الزبير تحدّثَ عمّا قالته خالتُه عائشة كما يلي: ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وخافت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله يومي لعائشة ، فقبل ذلك منها ، ففيها وأشباهها نزلت وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا الآية.

وهاتان الآيتان متعلقتان بموضوع نشوز الرجل أيضا:

{وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا. وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} (النساء، 129-130)

4_ نشوز المرأة

كما أقرَّ القرآن حقَّ الرجل في طلاق زوجته أقر حقّ المرأة بالافتراق عن زوجها (الافتداء) ، فكان معنى النشوز قرارها الافتراق عن زوجها. وفي هذه الحالة فإن الآية التي تشرح مبادئ معاملة الزوج لزوجته هي الآية 34 من سورة النساء:

{وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}  (النساء، 4/34).

كانت امرأة قد نشزت من زوجها وقد ذهبا سويا إلى القاضي شريح، فطلب أن يرسل حكما من طرف الرجل وحكما آخر من أهل المرأة. جاء الحكمان واستقصيا حال الزوجين وبلغا شريحا بأن يفرقهما. وهذا الرأي لم يعجب الزوج، قال شريح: ” فَفِيمَ كُنَّا فِيهِ الْيَوْمَ وَأَجَازَ أَمْرَهُمَا”[1] وقضى برأي الحكمين.

وقد تصرف القاضي شريح في مسألة نشوز المرأة بحسب الآية التالية:

{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} (النساء، 34)

النشوز التي وضحته الآيات لا علاقة له بالعصيان أو التمرد. 

للمزيد حول الموضوع ننصح بقراءة مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (ضرب الزوجة) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=2945

ـــــــــــــــــــــــ

[1] السنن الكبرى للبيهقي (7/ 500)

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع