النظام الاقتصادي الموافق للفطرة

النظام الاقتصادي الموافق للفطرة

أ.د عبد العزيز بايندر

منذ أكثر من ثلاثة قرون استطاعت القوى العظمى أن تستبعد النقود المصنوعة من الذهب والفضة وأحلت محلها نقودا ورقية تتحدد قيمتها بالأرقام المكتوبة عليها، وأصبحت هي المتداولة. ولم يقفوا عند هذا الحد، بل تداولوا النقود الخيالية المسجلة في الحسابات دون أن يكون لها حقيقة قائمة، وقد تم تناقلها من حساب إلى آخر، وبواسطة الإعلام المرئي والمسموع الذي يبث الدعاية والتخويف باستمرار، أصبحت هذه القوى العظمى تستعمر العالم كله بواسطة اللعب بهذه النقود التي ليس لها قيمة حقيقية . إن إعطاء القروض الربوية للدول الفقيرة يؤدي إلى رفع سعر التكلفة في الإنتاج وازدياد الطلب على النقود مما يؤدي بالضرورة إلى التضخم، وهو عصا ترفعها القوى العظمى في وجه الدول الضعيفة، وهكذا فسدت الفطرة، وتلوثت الطبيعة، وأُهمل الناس الذين يرزحون تحت وطأة الديون مما أدى إلى تشتت العائلة وضعف الرابطة الاجتماعية.

النقود للاقتصاد كالدم للجسم، حيث يحمل الدم الأكسجين وخلاصة الغذاء إلى كل خلايا الجسم وكذلك النقود لا بد أن تدخل عجلة الاقتصاد فينتفع بها المجتمع. خلق الله تعالى الدم في الجسم، وكذلك فإن النقود يجب أن تكون مستندة إلى ما خلقه الله تعالى من الذهب والفضة، لأنهما ثمنان بحد ذاتهما، وللحصول على المال والخدمة في كل مكان لا بد أن تكون النقود دائمة التداول.

الخلايا لا يمكنها إنتاج الدم، وكذلك الناس لا يمكنهم إنتاج النقود، عقد الربا أفسد الموازين لأنه أنشئ لأخذ النقود التي لا يمكن إنتاجها، وقد أدى ذلك إلى فساد الموازين، وقد فتح الطريق أمام موت الاقتصاد والطبيعة والإنسانية.

الإنسان كأي مخلوق في الطبيعة يعتبر آية من آيات الله تعالى، وهو دائما يقرأ نفسه والطبيعة التي هي كتاب الله المخلوق. وحتى نتمكن من جمع الناس كلهم حول الحقائق العالمية لا بد من قراءة كتاب الله المخلوق إلى جانب كتابه المنزل، وهذا من شأنه أن يرفع الفساد ويحقق العدل.

الرأسمالية

الرأسمالية تعني النظام الاقتصادي المستند إلى رأس المال، ولأن صاحب رأس المال لا يرغب بالخسارة فإنه يرجح إعطاء القرض بالربا، لهذا يمكن أن تُعرف الرأسمالية بأنها النظام الاقتصادي الذي يستند إلى الدّين.

كانت النقود قديما تصنع من الذهب والفضة، لذا كان وزنهما وعيارهما مهمين، وفي هذا السياق كان يوثق بالصراف حيث يدفع له الذهب والفضة كأمانة ويؤخذ مكانها وثيقة (الصك) بذلك. وكانوا يوكلون الصراف بدفع ثمن البضاعة التي يشتريها صاحب الوثيقة[1]. يقال لمن يقوم بهذا العمل في الغرب (banker) أي المصرفي، وللوثائق التي يعطونها (banknot) أي الوثيقة البنكية. ولأنه كان يمكن تحويل هذه الوثائق البنكية إلى الذهب كان يوثق بها، هذه الثقة جعلت هذه الوثائق أهلا لتداولها كالنقود تماما.

مع مرور الوقت بدأ الاعتماد على الوثائق يزداد، حتى بدا الطلب عليها أكثر من الذهب، وهذا دفع الصرافين إلى الدفع بتلك الوثائق إلى السوق بدون أن يكون لها مقابل من الذهب، وأصبحت كالنقد الحقيقي يأخذون الربا عند إقراضها[2].

ثقة الناس بالدولة أكثر من ثقتهم بالصرافين أدى أن يتحرك الإنجليز نحو تأسيس بنك مركزي عام 1694م حيث قاموا بطبع الجنيه الإسترليني مقابل الذهب، وقد لقي الإسترليني قبولا عالميا مما أدى إلى أن تقود بريطانيا الاقتصاد العالمي.

مع مرور الزمن اهتزت سطلة الإسترليني، ففي عام 1944م عقدت اتفاقيات بريتون وودز (BrettonWoods) التي اعتبر الدولار بموجبها العملة الوحيدة التي يمكن تحويلها إلى الذهب، وبهذا حل الدولار محل الإسترليني. بعد مدة قليلة فسد الاقتصاد الأمريكي أيضا. عندما بدأت أمريكا بشراء البضائع من دول العالم المختفلة أكثر مما تصدر إليها أدى إلى تكدس الدولار في العالم، وبسبب ازدياد عدد من يستبدلون الدولار بالذهب انخفض الاحتياطي الأمريكي من الذهب، وهذا دفع الرئيس نيكسون إلى إنهاء إمكانية تحويل الدولار إلى الذهب عام 1971م [3]، وهكذا لم يبق النقد الورقي المغطى بالذهب. اليوم قيمة الدولار أو اليورو أو غيرهما من النقود الأخرى ليست أكثر من قيمة المادة الورقية التي صنعت منها.

في الحقيقة بالرغم من انعدام القيمة الحقيقية للدولار إلا أن البنوك المركزية في كافة الدول تعتمده كاحتياط كأنه ذهب، وتستمر في إصدار عملتها المحلية بناء على احتياطاتها منه. والبنوك المحلية بدورها تقوم بانتاج النقود الخيالية وإقراضها بالربا كذلك، فعلى سبيل المثال وبحسب المعلومات الموجودة على مواقع الإنترنت فإن البنك المركزي في الجمهورية التركية ومؤسسة التفتيش والتنظيم البنكية BDDK قد بيَّنا إنه اعتبارا من تاريخ 5 شباط كان مقدار النقود المعدنية والورقية قد بلغ 104 مليار ليرة تركية في التداول. واعتبارا من  8 شباط 2016 بلغ مجموع القروض في قطاع البنوك 1.513.877.000.000 (ترليون و513 مليار و877 مليون) ليرة تركية، وهذا يعني أنه قد تم الإقراض بما يزيد عن النقود الموجودة بأربعة عشر ضعفا. والموجود حقيقة في خزائن البنوك هو 10.5 مليار دولار من أصل 104 مليار، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الباقي في أيدي الأشخاص والمؤسسات فهذا يعني بأن النقود التي في خزائن البنوك تساوي 144 ضعفا من النقود الخيالية التي ابتدعوها، وسيكتشف أنهم يعطون هذه النقود الخيالية المنتجة بالقروض الربوية.

في هذا التاريخ كان سعر الفائدة من 12-13 % تقريبا، وعلى اعتبار 12% فإن مقدار الربا السنوي يبلغ 181.7، وعلى اعتباره 13% فيكون المقدار السنوي 196.8، وهذا يعني أن البنوك تحصل على الربا بما يزيد عما في خزائنها بثمانية عشر ضعفا، وإذا أضيف الربا المأخوذ بسبب تأخير السداد فإن المبلغ الربوي الكلي سيزداد أيضا، وإذا فكرنا فيمن لم يدفع ديونه بسبب عجزه وما يترتب عليه من حجز أمواله ووضع يد البنك عليها يمكننا معرفة حجم الاستغلال الذي تمارسه البنوك.

ولأن الربا المدفوع يضاف إلى سعر التكلفة فهذا يؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات، ويدخل الناس حينئذ في ظروف حرجة، ويفقد متوسطوا الحال من التجار زبائنهم، وتبعا لذلك تتأثر الأسواق الكبرى سلبا، والحاجة المتجددة للمال التي تقابل بالقروض الربوية تجعل المجتمعات وحتى الدول عبيدا لأصحاب رؤوس الأموال.

في هذا النظام، فإن أصحاب رؤوس الأموال بالرغم من تحكمهم بالاقتصاد إلا أنهم أصحاب قوة مزيفة، لأن القوة التي في أيديهم هي بالون مليء بالهواء، إذا انفجر هذا البالون فإن ما بين أيديهم من النقد لا يساوي أكثر من المادة الورقية المصنوعة منها. وعلى سبيل المثال لو أن أمريكا تعلن إلغاء الدولار فإن المترفين من أصحاب المليارات سيجدون أنفسهم بحاجة لخمسة قروش تسد رمقهم.

وكما يُرى فإن النظام الربوي قد أحال الدنيا إلى مكان محترق والمتعاطين به كالمبتلين بتعاطي المخدرات.

النظام الشيوعي

دفع الشيوعيون الطبقات العاملة للتحرك لنصرتهم بعد أن وعدوهم بتمكينهم وإشراكهم في السلطة، وما أن نجحوا حتى أبطلوا حق الملكية الخاصة كما ألغوا نظام الميراث، وكل شيء وضعوه تحت أيديهم، صاحب القرار الأعلى هم أعضاء المكتب السياسي، في روسيا كان المكتب السياسي للحزب يتشكل من سبعة أعضاء حيث كان لينين وستالين على رأسهم، رئيس المكتب يشغل منصب رئيس الاتحاد السوفيتي، ووزير الدفاع يشغل منصب رئيس جهاز الاستخبارات السوفيتي KGB.

المستبدون الذين لا يعرفون القوانين ولا القواعد الأخلاقية كلينين وستالين قتلوا مئات الآلاف من الناس الذين لهم تأثير في الاقتصاد والاجتماع والعلوم والدين وغيرها من المجالات، مما جعل الناس يئنون تحت سطوتهم وبطشهم.

إذا تناولنا الاتحاد السوفيتي من الزاوية الاقتصادية، فهناك أسست المؤسسات الزراعية المسماة كولهوز (kolhoz)، التي تستند إلى الشراكة في وسائل الإنتاج، وفي عام 1969 ارتبطت هذه المؤسسات بالخطة المركزية للدولة، واعتبارا من عام 1966 فقد أعطي للكولهوزيين الحد الأدنى للأجور، كما أعطي لهم في آخر فترة العمل حصة من الإنتاج بحسب عملهم. في كولهوز (المؤسسات الزراعية) كان يمكن أن يكون لكل عائلة مزرعة وحقل وبعض الحيوانات[4].

وكان هناك شركات تسمى سوفهوز (sovhoz) وهي مختلفة عن شركات كولهوز، وكانت هذه الوسائط الزراعية (سوفهوز) مستندة إلى ملكية الدولة، وابتداء من 1918 أسست هذه الشركات الخاصة بالدولة على الأراضي الكبيرة التي استملكتها الدولة، واعتبارا من 1950 توسعت هذه الشركات من حيث العدد والمساحة حتى فاق إنتاجها إنتاج مؤسسات كولهوز، وكان يؤخذ العمال ويطردون من العمل بناء على قرار إدارة السوفهوز، وقد كانت أجورهم وفقا لإنتاجهم، لكنها كانت أقل من أجور بقية العاملين في القطاعات الأخرى في الدولة[5].

كما يُرى فإن الشيوعيين الذين جاؤوا إلى السلطة بوعود للعمال بإشراكهم في كل شيء إلا أنهم جعلوا الشعب عبيدا بطريقة أخرى.

النظام الاقتصادي الموافق للفطرة

القانون والقواعد الناظمة للخلق والتطور والتغير تسمى الفطرة، والفطرة هي مصدر المعلومات الصحيحة، والدين الحق هو الفطرة أيضا، يقول الله تعالى:

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم، 30/30)

كل مخلوق هو آية من آيات الله تعالى، والإنسان الذي هو واحد منها إذا نظر في الآيات المنزلة وفهمها وتكامل معها فإنه سيتيقن أن هذه الآيات منزلة من الله تعالى . يقول الله تعالى:

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت، 41/53)

لهذا السبب فإن كل معلومة تؤخذ من القرآن ستريح الإنسان وتسعده، وهكذا النظام الاقتصادي المتوافق مع الفطرة، ولأن المسلمين قد أخرجوا القرآن من حياتهم منذ عصور خلت فسد النظام وصاروا غير قادرين على حل أي مشكلة، والفراغ الذي تركه المسلمون خلفهم ملأه الرأسماليون والشيوعيون.

العبودية مضادة للفطرة

الفطرة توجب أن يكون الإنسان حرا، لأن مالك كل شيء هو الله تعالى، الخالق الرازق الواهب، الأقرب من حبل الوريد، الذي كل شيء تحت مراقبته. وقد حرم سبحانه أن يكون الإنسان عبدا لغيره، والشخص الذي لا يعبد إلا الله تعالى فإنه يصل إلى أعلى درجة في الحرية، ولهذا السبب فإن كل مسلم يقطع العهد على نفسه في كل ركعة من صلاته بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة، 1/5)

الإيمان أساس الدين، وأساس الايمان التصديق بالقلب، والقلب في دنيا الإنسان الداخلية، حيث لا يستطيع أحد التدخل في قراره، لذا لا يجبر الإنسان على قبول اعتقاد ما، حتى أشد الأنظمة القمعية لا تستطيع التحكم في قلوب الناس.

يقول الله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة، 2/256)

نظام العبودية والجواري لا يتوافق مع الفطرة، استعباد الأسرى والاستمتاع الجنسي من الجواري بدون عقد النكاح مخالف للقرآن وتطبيقات النبي، ولكن بوضع القرآن الكريم في المرتبة الثانية مع الوقوف على الآيات ذات الصلة على خلاف القواعد اللغوية وبتحريف المعاني شُكل تصور جديد في الموضوع، فقتل أسرى الحرب واستعبادهم والاستغلال الجنسي للجواري قد أصبح محل اتفاق بين مذاهب السنة والشيعة[6].

نظام الإقراض الربوي مخالف للفطرة

القرض يأتي بمعنى المال أو النقد المعطى بشرط إعادته، والقرض بدون الربا يسمى القرض الحسن، أما نظام القروض البنكية فيستند إلى الديون الربوية، وفي هذا النظام تجرى المعاملات بواسطة البنوك.

القرض الربوي تطبيق معروف منذ القدم، حيث كان أصحاب الثراء الاقتصادي وحدهم القادرين على إعطاء القروض بالربا، ولكن بعد تأسيس البنوك أصبح صغار الأغنياء بواسطتها يعطون القروض الربوية أيضا، فيودعونها في البنك بالربا، وفي البنك تشكل الصناديق الكبرى، ومن يرونه مناسبا من الأشخاص يعطونه القرض بالربا كذلك.

الذين يأخذون القروض الربوية يضيفون إلى سعر التكلفة ما يعطونه من الربا، وفي كل مرحلة من الإنتاج حتى التسويق فإن التكلفة التي أضيفت إلى الأسعار ترفع الأسعار بشكل مستمر ، والمرابي الذي أعطى القرض بالربا لن يستفيد بسبب ارتفاع الأسعار، اذا أخذ البنك الربا من شخص بمقدار 10% فإنه يعطي المودع 7% ، وإذا وضعنا أمام أعيننا جميع المراحل التي مر بها الإنتاج، فإنه يكون بمثل هذه البيئة زيادة في الأسعار لا تقل عن 10%، فمقابل ارتفاع الأسعار فإن ما حصل عليه المودع من الربا كأنه لم يكن حتى أن رأسماله قد نقص حقيقة. أما الذين يخفون أموالهم جانبا (يكنزونها) في بيوتهم فخسارتهم أكبر.

زيادة الأسعار التي سببها الربا تستنفذ ثروات الشعب بشكل سريع، وهذا يدفع الناس إلى أن يتعاملوا بالديون. وبعد مدة سيكون هناك كثير من الناس الذين لا يستطيعون سداد ديونهم، وبالرغم من أن المحلات التجارية مليئة بالبضائع، والبنوك مليئة بالنقود إلا أن الأسواق يلفها الكساد والضيق.

رجال الأعمال في المجتمع قليلوا العدد، إن الخطورة المرتبة على احتمال عدم السداد واشتراط إظهار الضمانات اللازمة من طرف الذين يأخذون القروض ساهم في انخفاض عدد رجال الأعمال القليلين أصلا، وهكذا فبعض الأشخاص عندما يبدؤون بالتحكم بثروة كبيرة عن طريق القرض لكنهم من جهة أخرى يقعون تحت وطأة الدين الربوي، ولنقل هذا الحمل إلى كاهل الشعب يفتتحون المحلات التجارية الكبيرة مروجين لها بالإعلانات الجاذبة، وهكذا يعملون على الاستيلاء على السوق. ومع الوقت تغلق المحلات التجارية الصغيرة، والمجتمع يعلق بين معطي القروض وآخذيها. أما الذين لم يستطيعوا سداد القروض التي أخذوها فسيبدون كالبالون الذي فقد الهواء.

إذا تضعف القدرة الشرائية للناس تصبح الحاجة ملحة لتوفير بضائع تناسب دخلهم، ولا يتم ذلك إلا بتقليل جودتها، ولهذا السبب فإن البضائع والأغذية في النظام الربوي تنخفض جودتها بشكل مستمر. وهذا أصبح مصدرا آخر للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية والصحية.

الفطرة توجب دوران المال بحرية تامة

النقود بحد ذاتها لا تلبي أي حاجة، فهي لا تؤكل ولا تشرب ولا تلبس، لكن بواسطتها يمكن توفير مختلف الاحتياجات، لهذا السبب يجب أن تبقى في حالة الدوران كالدم في العروق، النقود التي لا يتم تداولها كالدم الساكن في العروق تحدث الضرر لا محالة.

القرآن الكريم يأمر بالإنفاق بينما ينهى عن الكنز، والإنفاق كإدخال الشيء في النفق[7] ليخرج من طرفه الآخر. وليس في القرآن أمر بتجميع الأموال، لكن الأوامر فيه موجهة لإنفاقها، فكما أن الدم ينتشر في الجسم عن طريق العروق فكذلك الأموال تنتشر بين الناس عن طريق الإنفاق وقنوات صرف الأموال.

النقود التي في التداول تلبي حاجة من تمر بيده، فهي تسد دين المدين، وتشتري البضائع لمحتاجها، وتجعل الناس ينتجون ويبيعون، وهي أجرة للعاملين، وتعمل على زيادة الإنتاج وتقليل نسبة البطالة، لكنها لا تزيد ولا تنقص في مدة التداول.

كل النقود الداخلة إلى السوق تضيف زخما إلى حركة الاقتصاد، لكن القروض الربوية إذا دخلت إلى الأسواق فإن الحركة السوقية لن تدوم طويلا، لأنه يلزم أن تسحب النقود من السوق مضافا إليها الربا قبل موعد السداد بيوم، ولأن الربا ينقص النقود المتداولة في السوق فهذا يؤدي إلى ذهاب حيويته، وسيكون بحاجة إلى نقود جديدة. وإن كانت ربوية فإن السوق سيستمر في الضيق أكثر فأكثر، وإن استمرت العملية على النحو السابق فإن الحاجة إلى القرض تزداد، وهذا يعني دوام تناقص النقود التي في التدوال وازدياد الأسعار بشكل مستمر، وفي النهاية يبدأ الانهيار.

الفطرة تقتضي سوقا حرة

يجب أن يتم تداول المال والخدمات في بيئة حرة، يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا. وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} (النساء، 4/ 29-30)

التجارة يمكن أن تعرف بأنها بيع المال والخدمات، والعقود والاتفاقيات المتعلقة بهما إن لم تستند إلى التراضي فإن الاقتصاد سينهار، ولذلك يجب على الدولة أن ترفع الموانع والعوائق التي هي أمام حرية دوران المال والخدمات، كما يجب أن توفر الإمكانية لتكوُّن الأسعار في بيئة حرة.

في أحد الأزمنة كانت الأسعار قد ارتفعت في المدينة المنورة، وقد طُلب من نبينا أن يضع حدا أعلى للأسعار، وقد أجاب نبينا على هذا المطلب بما يلي: “إن الله هُوَ المُسَعِّرُ، القابِضُ الباسِطُ الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ عزّ وجلّ وليس أحد منكم يُطالبُني بمظلِمَةِ في دمٍ ولا مالٍ”[8]

وقول النبي هو مقتضى الآية السابقة، والأمر الوارد بعدم قتل النفس يشير إلى أن التدخل في الأسواق نوع من الانتحار، لأنه في حالة تدخل الدولة في السوق فستكون البضائع الداخلة إليه قليلة، وسيعاني السوق من شح المعروض وستتشكل الأسواق السوداء. إذا ارتفعت الأسعار في الأسواق الحرة فهذا يشير إلى أن الأسعار ستنخفض، لأن كل الذين يسمعون بارتفاع الأسعار من التجار سيجلبون بضائعهم إلى السوق الذي ما إن يمتلئ حتى تبدأ الأسعار بالانخفاض.

منع نبينا صلى الله عليه وسلم شراء البضائع قبل وصولها إلى السوق لأنّ ذلك يمنع تحقق السوق الحرة، حيث روي عن ابْنِ مَسْعُودٍ، أنه قَالَ: “نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَلَقِّي البيوع”[9]

وعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: “أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ تَلَقِّي السِّلَعِ حتى تهبط الأسواق”[10]

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ “أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – نَهَى عَنْ التَّلَقِّي لِلرُّكْبَانِ”[11] تلقي الركبان هو أن يستقبل التجار المحليون جالبي البضائع قبل وصولهم إلى السوق ومحاولة خداعهم لشراء ما جلبوه من البضائع بثمن أقل من ثمن المثل. وقد ورد عن نبينا ما يفيد حق البائع بفسخ البيع إذا غبنه المتلقي: «لَا تَلَقَّوْا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ (صاحب البضاعة) السُّوقَ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ»[12] أي له خيار استرجاع بضاعته وإعادة الثمن الى المشتري.

والاحتكار محرم كذلك، وهو تخزين الأغذية وإخفاؤها من الأسواق انتظارا لارتفاع أثمانها[13]، ويرى أبو يوسف من المذهب الحنفي أن الاحتكار هو الامتناع عن بيع الأموال المعدة للبيع بالرغم من حاجة الناس الماسة إليها، وهكذا يؤمر المحتكر أن يبيع ما زاد عن حاجته وعائلته من الطعام، وإن أصر على الاحتكار ترفع قضيته إلى المحكمة المختصة، والحاكم ينصحه ويهدده، وإذا مثل أمام الحاكم مرة أخرى بذات القضية فالحاكم يحبسه لئلا يعود للاحتكار، يتسطيع القاضي أن يعاقبه عقوبة خفيفية، لكن لا يجوز له أن يبيع بضاعته رغما عنه أو أن يحدد لها سعرا.[14]

يقول نبينا في هذا الموضوع: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون»[15]

ويقول أيضا «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ»[16]

لا يجوز بيع المعدوم أيضا، والناس بهذا الطريق يمكن أن يُلجؤوا للخسارة، فاليوم مثلا تباع البضائع المفترضة (المعدومة) في البورصات، وتتحقق الأرباح للبعض بغير وجه حق. جاء حكيم بن حزام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله، يأتيني الرجل يسألني البيع، ليس عندي ما أبيعه، ثم أبيعه من السوق فقال: ” لا تبع ما ليس عندك “[17]

وقد منع بيع المواد الغذائية دون تسليمها، فعن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه»[18]

وقد منع نبينا من التظاهر بالشراء بنية تشويق الآخرين لشراء السلعة فاتحا الطريق نحو رفع سعرها، وهو المعروف بالنجش[19] والتعبيرات المبالغ بها في الدعايات التجارية يمكن أن تنضوي تحت النهي السابق. كل ما سبق يشكل مانعا من التراضي الذي أمرت به الآية، وكل ما يؤثر سلبا على البيئة الاقتصادية الحرة يعد من الطرق الباطلة.

ولا يلزم من هذا عدم جواز عقود الطلب (الطلبيات)، ويمكن أن تتم في صورتين، الأولى منها: السلم؛ الذي يمكن تعريفه بأنه عقد البيع الذي يكون فيه الدفع مقدما على أن يتم تسليم البضاعة لاحقا، وهذا يمضى على عكس البيع بالدين، ويشترط أن يبين في العقد مقدار المُسلَم فيه (البضاعة) وخصائصه، ومكان التسليم وتاريخه، ومع العقد الذي تم وفقا لشروطه تعتبر البضاعة التي ستنتج في تاريخها قد بيعت بثمن معلوم مقبوض سلفا. يروى عن ابن عباس أن النبي قال: “مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ”[20]

الصورة الثانية، الاستصناع، وهو عقد مع الصانع لصنع ما يرغب به المشتري، ويختلف عن عقد السلم بأنه لا يشترط تسليم الثمن مقدما، كما أن موعد التسليم لا يكون محددا بشكل قاطع، وشراء البضاعة التي ستسلم لاحقا يجعلها رخيصة، فإذا كان قيمة بضاعة معينة مئة ليرة نقدا يكون ثمنها دينا إلى شهرين 110، أما إن تم الدفع مسبقا والتسليم بعد شهرين فإنه يمكن أن ينخفض السعر إلى 90 ليرة. من فوائد الاستصناع أن المنتج أراح نفسه ببيع ما سينتجه منذ الآن، والمشتري أيضا انتهز الفرصة لشراء ما يحتاج من البضاعة بسعر أرخص[21]، ولعدم اشتراط أن يتم عقد الاستصناع مع الصانع مباشرة أمكن أن يدخل بينهما السماسرة.

الربا يضيق الاقتصاد والزكاة توسعه

يرى الإنسان أن الربا يزيد في المال بينما الزكاة والصدقات تنقصه، لكن الله تعالى يرى عكس ذلك؛ الربا يؤدي إلى الضيق بينما الزكاة تؤدي إلى التنمية، يقول الله تعالى:

{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} (البقرة، 2/276) الربا الذي يعني في الأصل الازدياد يستخدم كاسم ومصدر، فهو كإسم يأتي بمعنى الزيادة المشروطة في عقد الدين، وكمصدر يأتي بمعنى العمل الربوي أو الأعمال الربوية (لأنه اسم جنس)[22]، وفي الآية استخدم نفس الجذر (يربي) للزكاة والصدقات، الأعمال الربوية التي يقصد منها رفع الدخل تفتح الطريق نحو الضيق، ولا يزداد الدخل إلا بإيتاء الزكاة.

وهذه الآية تخبرنا بأن الزكاة تكون سببا في مضاعفة الأموال:

{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (الروم،30/39)

لنحاول فهم الموضوع بتشبيه النقود بالدم الذي أوردناه في بداية المقالة؛ الدم يحضر الأكسجين وخلاصة الغذاء إلى الخلايا، وهو كذلك ينقل منتجات الخلايا وفضلاتها إلى الأماكن ذات العلاقة. حينما يقل الدم فإن ما يصل إلى الخلايا من الغذاء والأكسجين لا يكفيها وتبعا لذلك يمرض الجسم. النقود يجب أن تتوفر بشكل كاف، ولتوفير وصول المنتجات والخدمات إلى الأماكن ذات العلاقة لا بد من استمرار بقاء النقود في حالة التداول. إذا قلّت النقود التي في التداول فإن الأموال والخدمات لا يمكن أن توصل إلى الناس بشكل كاف، والتجار يصبحون في حالة من عدم القدرة على بيع بضائعهم. بعض المحلات تغلق أبوابها ويطل شبح الكساد برأسه على السوق.

لإعطاء القرض الربوي يتم سحب النقود من التداول وتجميعها وإعطائها لمن يقدمون الضمانات اللازمة لذلك فقط. ولقلة أمثال هؤلاء فإن النقود التي أخذت من استخدام الجماهير تخصص لهم لإعطائها مرة أخرى على شكل قرض ربوي. هذه المعاملة كالدم المسحوب من الدوران والمخصص لبعض الأعضاء، فهذا يفسد جميع التوازنات.

مستخدموا القروض بعد شعور بالراحة يدوم قليلا يجدون أنفسهم مضطرين لتجميع النقود لسداد الدين، وفي أثناء مدة القرض يحرص المقترض على عدم توقف عمله لأن القرض غير مرتبط بانتهاء العمل، ولهذا لا يستطيع تجميع النقود الكافية لتسديد القرض فيجد نفسه مضطرا لأخذ قرض جديد ليسد دينه الأول. ولئلا يفلس فإنّ ما أعطاه إلى البنك من الربا يضيفه إلى تكاليف الإنتاج وهذا يبقيه عاجزا أمام منافسيه، مما يدخله في الأزمات.

لا يمكن أن تقام استثمارات مهمة في النظام الربوي بدون تشجيع من الدولة، القروض التشجيعية غالبا تعطى بربا أقل من نسبة التضخم. ومن أجل تشجيع المواطن على استهلاك المنتج المحلي تمنع الدولة بعض البضائع من الاستيراد وتفرض على بعضها الآخر رسوما جمركية مرتفعة. بعض المنتجين المحليين من بعض الشركات يستفيدون من تدخل الدولة فينتهزون الفرصة لبيع بضائعهم بأسعار مرتفعة مقارنة بالأسواق الخارجية. ولعدم وجود المنافسين يجدون الفرصة سانحة للزج ببضائع قليلة الجودة إلى الأسواق، وهكذا تكون الدولة قد مكنت عددا قليلا من هذه الشركات لسحق الشعب اقتصاديا.

ولإشباع شهية الأغنياء المستمرة للمال فإنهم يلجؤون إلى أخذ مزيد من القروض وهذا يدخلهم تحت سيطرة المؤسسات الربوية المقرضة، ولأنهم يسددون كل قرض بقرض آخر فهذا يجعلهم يغرقون في كل مرة أكثر من سابقتها.

كان الناس قديما يضعون في البنوك ما استطاعوا توفيره من مداخيلهم، ولأنه لم يبق أي شخص له القدرة على التوفير فإن البنوك بدأت بأخذ مستقبل الناس رهينة بواسطة بطاقة الائتمان وبطاقة المستهلك، بعدئذ أصبح أعلى مرتبة يصل إليها الإنسان أن يكون عاملا ماهرا، فهو الأوفر حظا، حتى أصبحوا يُروا كأنهم أصحاب المصانع والمحلات، لأن الناس يظنون أنهم رؤساء الأعمال في المصنع أو المنشأة، ولكن أصحاب رأس المال يستطيعون أن يجعلوهم دون عمل.

الدِّين والدَّين من نفس المصدر، والدِّين في اللغة يأتي بمعنى الطاعة والمقابلة، ولأن الدين يجبر الناس على الإطاعة فإن النظام الربوي يجعل الناس والدول أسرى لأصحاب رؤوس الأموال. ولأن هذا النظام ضد الفطرة فقد عده الله تعالى حربا معلنة عليه وفي هذا يقول سبحانه: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة 279-280)

يروى عن نبينا الدعاء التالي: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ , وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ , وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ”[23]

أما في النظام الذي يستند إلى الزكاة فإن المعتبر ليس أن يكون الإنسان عاملا ماهرا وإنما أن يوصل بالإنتاج إلى الجودة العالية، ولأن الناس لا يمكنهم أن ينتجوا النقود فإن أفضل ما يمكنهم فعله هو هذا. فالنقود لا تؤكل ولا تشرب، ولا يمكن أن تكون بيتا أو لباسا، الذي يبقي الناس أحياء هو العرض والخدمات، إذا كان لكم طن من الذهب ولم تجدوا الماء والغذاء فإنكم ميتون لا محالة. الزكاة والصدقات تلبي حاجة الناس الذين لا تصلهم الأموال والخدمات بشكل كاف وتحفظ عليهم حياتهم. وهذا شبه فتح الشرايين المغلقة حيث يتم نقل الأكسجين والأغذية إلى الخلايا، وبفضل هذا تتوفر الفرصة لأن يعمل كامل الجسد. في الوقت  الذي يرمي فيه النظام الربوي الناس خارج الاقتصاد بسبب غلاء الأسعار والمشكلات الأخرى إلا أن الزكاة تأتي بالناس من خارج العمل الاقتصادي وتجعلهم يكسبون، ولأنه يمكن أن يقع كل إنسان في مثل هذه الحالة فان كل من يعطي الزكاة والصدقة فإنه يكون قد استثمر لمستقبله. يقول الله تعالى : {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة، 2/ 195)

يظهر تأثير الزكاة والصدقة عندما يكثر مانحوها، والفقير يستهلك ما أخذه منها، وإن كانت نقدا فإنه سينفقها على نفسه وعياله، وعلى سبيل المثال فإنه يؤدي دينه إلى البقال، والبقال سيؤدي لتاجر الجملة، وتاجر الجملة سيؤدي لعماله، والعمال سينفقون ما أخذوه من أجر على حاجاتهم، وهكذا سيضاف إلى السوق زبائن جدد.

الدخول والثروات تصل إلى كل قطاعات المجتمع، والنقود التي تمر على كل شخص وتنعش أعماله تضفي الحيوية على السوق. إنفاق ليرة واحدة ستُرى بعد مدة كأنها 700 ليرة أو أكثر، لهذا السبب فإن المنفقين سيكسبون الثواب كما أنهم يربحون بسبب انتعاش السوق، يقول الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة، 2/261)

الربا يفتح الطريق لتدفق المال من الفقراء إلى الأغنياء، أما في الزكاة ففيها تتدفق الثروة من الأغنياء إلى الفقراء، وهذا يؤدي إلى ازدياد القوة الشرائية للناس ويضيف زبائن جددا إلى السوق.

في الوقت الذي يدخل الربا الناس في الضائقة الاقتصادية فإن الإنفاق يضاعف الأموال أضعافا كثيرة.

العلاقة بين الزكاة والضريبة

الزكاة هي الضريبة الوحيدة التي ذكرت في القرآن الكريم، وهي تعطى من المال الزائد عن حاجات الإنسان الأساسية، أداء الزكاة من جنس ما يملكه الإنسان أو ينتجه يسهل دفعها، يقول الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة، 9/103)

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأنعام، 6/141)

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (البقرة، 2/ 267) ،

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة، 9/ 60)

الزكاة تحمي أصحاب الدخول المنخفضة من تحمل الضرائب تماما، كما أن الفقراء والمدينين يُدعمون بدون مقابل، ولا يبقى حاجة لصناديق التقاعد والتأمين. ولأن الضريبة لا تؤخذ من الإيجار والطاقة والمواد الاستهلاكية وغيرها فهذا من شأنه أن يفتح الطريق أمام التجار لتوسيع مجالاتهم التجارية. الربا الذي كان سببا في ارتفاع الأسعار، سيؤدي عدمه إلى انخفاض تكاليف الإنتاج جديا، وتتوفر الفرصة لتحقيق منافسة حقيقية في الأسواق العالمية .

القرض الربوي ليس فعالية اقتصادية

إعطاء 100 ليرة دينا على أن تسد 110 لاحقا فهذا هو الربا، حيث لا يعتبر معاملة اقتصادية حقيقية، العفالية الاقتصادية تبدأ باستخدام الدين المأخوذ، ولأنه لم تضمن هذه الفعالية نتجية رابحة فإن الربا يعتبر حملا مانعا من نجاح الفعاليات الاقتصادية.

الاقتصاد لا يمكن أن يستند إلى الدين حتى لو كان بعضه هبة، لأنه لا يمكن أن يتوافق تاريخ سداد الدين مع تاريخ الوصول إلى نتائج اقتصادية، الأمر الذي يدخل المستثمر في المشكلات، عندما يحين موعد دفع الضريبة والتأمين والإيجار والمصاريف الأخرى فسيجد نفسه مضطرا لبيع ما في يده بأسعار زهيدة وسيكون في وضع العاطل عن العمل والمدين، وربما يبدأ بالبحث عن العمل هو وعماله على حد سواء.

ولأن أرباب المال لا يهتمون بالحالة السيئة التي أوقعوا الناس فيها فإن العبء يبقى على عاتق الدولة، والدولة عندما لا تستطيع تحمل الأعباء فإنها تلجأ إلى رفع الضرائب، أما المواطن الذي يضطر لدفع الضرائب عن مأكله ومشربه وملبسه وما إلى ذلك فإنه يدخل كل يوم بمشاكل أكبر.

عندما ينسحب قسم كبير من دائرة الإنتاج تتولد الحاجة لاستيراد الخدمات والبضائع من الخارج، ولهذا السبب ينبغي وجود النقود الأجنبية، هذه النقود التي هي عبارة عن تسجيلات بنكية أو أوراق ذات قيمة صفرية إذا أخذت كقرض ربوي فإن قيمة الدولة الحقيقية تقع رهنا للأجانب. ولقدرة تلك البلدان الأجنبية على استرداد ما اقرضته من الأموال الحقيقية للبلد فإن ذلك يشكل مانعا من رؤية أعمال جديدة. وهذه المرة بدلا من البنوك المحلية تقوم مؤسسات الإقراض العالمية بهذه المهمة وتجعل البلد كاملا كعبيد لها.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ»[24]

ويقول النبي أيضا: ” لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهده ، وكاتبه “[25]

النتيجة

أدى تكثيف التعامل بالنظام الربوي في القرنين الأخيرين إلى نسيان نظام المشاركة والسوق الحرة، وقد وقعت الدخول والثروات في أيدي أرباب المال بنقود ليس لها قيمة حقيقية. الموازين لا تستقيم إلا بسوق حر ونظام المشاركة. بدون إضاعة الوقت يجب إلغاء الربا والتخلي عن نظام القروض الربوية، وبهذا يستطيع الناس رؤية النقود في جيوبهم من جديد، وسيحررون أنفسهم وبلدانهم من الارتهان لغيرهم، وسيبدؤون بتذوق طعم الحرية.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com


[1] ناصر خسرو علوي، سفرنامه، ( المترجم إلى اللغة العربيّة : يحيى الخشّاب )، القاهرة، 1945،س.96.

[2] أرول زيتين أوغلو، تاريخ الاقتصاد، إسطنبول 1993، س. 138.

[3] الدولار، قاموس لاروسّ المحيط، ج .6،س. 3294. إسطنبول 1986.

[4] كولهوز، قاموس لاروسّ المحيط، ج. 11، س.6885. إسطنبول. 1986. وقد استفيد في هذا الموضوع من معلومات المواطن السوفيتي القديم أ. د. راسم عثمان زادة.

[5] سوهوز قاموس لاروس المحيط، ج. 17، س. 10686. إسطنبول. 1986.

[6] انظر في هذا الموضوع إلى مقالتنا في مجلتنا (الكتاب والحكمة)، العدد، 11 س. 1-11، إسطنبول 2015.

7 أحمد بن فارس بن زكريّا، معجم مقاييس اللغة، مادّة ” نفق ” بيروت

[8] الترميذي، السنن، البيوع : 73

[9] رواه البخاري في البيوع: باب النهي للبائع أن يحفل الإبل والغنم والبقر”2149″، وباب النهي عن تلقي الركبان”2164″، ومسلم  في البيوع: باب تحريم تلقى الجلبن والترمذي”1518″

[10] رواه البخاري في البيوع: باب النهي عن تلقي الركبان “2165″ ، ومسلم  في البيوع باب تحريم الجلب”2165″، وأبوداود  في البيوع: باب التلقي”3436″

[11]  صحيح مسلم 4- بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ12 – (1515)

[12] كاساني، علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت، 1394/1974. ج. 5، س.232. للأحاديث المتعلّقة بهذا الموضوع انظر، كتاب أبو جعفر الطحاوي’شرح معاني الآثار’ مع تحقيق محمّد زهري النجّار، بيروت، 1407/1987، ج.4، س. 7 ودوامه.

[13]  ابن منظور، جمال الدين محمّد بن مكرم ( 630-711 )، لسان العرب، مادّة ” حكر ” بيروت.

[14] بدائع الصنائع 5/129-232

[15] سنن ابن ماجه، التجارة، 6، سنن الدارمي، البيوع : 12.

[16] مسلم، المساقاة، باب تحريم الاحتكار، 129 – (1605)

[17] سنن الترمذي، البيوع، 19، رقم الحديث، 1232، سنن أبي داوود، البيوع، 68، رقم الحديث : 3503،

[18] رواه مالك في الموطأ رواية الأزهري (18) باب العينة وما أشبهها 2558 ومسلم في البيوع باب بطلان بيع المبيع قبل القبض رقم 1526 والبخاري، باب الكيل على البائع والمعطي، 2126 وابن ماجة، 2226

[19] البدائع، ج. 5، س. 232.  وانظر صحيح البخاري (2142) و (6963) ، وصحيح مسلم (1516) (13) ، وسنن ابن ماجه (2173) ، وسنن النسائي في “المجتبى” 7/258، والدارمي 2/255، وأبو يعلى (5796)

[20] رواه البخاري، بَابُ السَّلَمِ فِي وَزْنٍ مَعْلُومٍ 2240 ومسلم (1604) (128) ، وابن حبان (4925)

[21] عبد العزيز بايندر، التجارة والربا، س.149 ودوامه.إسطنبول 207.

[22]  إسماعيل بن حمّاد الجوهري، الصحاح، ( التحقيق: أحمد عبد الغفور العطّار)، بيروت 1983، مادّة ( دين )، راغب الإصفهاني، المفردات،مادّة ( دين)، لسان العرب، مادّة

[23] سنن النسائي، الاستعاذة، 34، ج. 8، س. 265.

[24] البخاري، الوصايا، 23، مسلم، الإيمان 145

[25] صحيح البخاري، البيوع 25، صحيح المسلم، المساقاة، 105. لعنة الله، يعني الإبعاد عن رحمة الله، وعدم إكرامه.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 765 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع