عالَمُ الإنسان والكائنات

 

عالَمُ الإنسان والكائنات
أ‌. د عبد العزيز بايندر
الإنسان جزء من تلك الكائنات الهائلة، ولكنه الكائن الوحيد الذي يصنع العلم، فيبني الحضارات أو يهدمها ويفسد البيئة. لذا علاقته مع الكائنات الأخرى أمر مهم للغاية. وفي هذه المقالة نحاول توضيح تلك العلاقة الهامة..
خلق الذكر والأنثى
نفهم من التوراة التي بين أيدينا اليوم؛ أن الأنثى خُلقت من ضلع آدم. فقد جاء فيها: « فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. فَقَالَ آدَمُ: “هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ”. لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ، آدَمُ وَامْرَأَتُهُ، وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ»[1].
وقد روي بعض ما في التوراة والإنجيل في الأحاديث النبوية. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرا فليتكلم بخير أو ليسكت، واستوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء خيرا”[2]
والقرآن الكريم لا يصدق ما جاء في التوراة في هذه المسألة لذا لا يمكن نسبة ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يقول ما يعارض القرآن الكريم.[3]
ونفهم من القرآن الكريم أن الأنثى خلقت مما خلق منه الذكر. قال لله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَازَوْجَهَا[4] وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء» (النساء، 4 / 1 ).
والمراد بضمير المخاطب “كم” في الآية هو آدم عليه الصلاة والسلام وليس الناس؛ لأنهم لم يخلقوا من آدم فحسب بل منه وزوجه حواء. وعلى هذا ففي الكلام مجاز حيث عبر بضمير الجمع وأريد المفرد، أي آدم عليه السلام فقط. فيكون معنى الآية: “أن الله تعالى خلق آدم من نفس واحدة”.
ونفهم من الآية التالية النفس التي خلق منها آدم عليه الصلاة والسلام. قال الله تعالى: « هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا» (الإنسان، 76 / 1-2).
والنَطَفةٌ، وهي الصّافيةُ الماء،[5] والأَمْشَاج هو الأخلاط. أي من مني الرجل الذي اختلط ببويضة المرأة. ومشج بينهما: أي خلط.[6] وأقل الجمع في اللغة العربية ثلاثة. وعلى هذا فإن النطفة ليست منيا فحسب بل هي مخلوطة من ثلاثة أشياء أو أكثر. وقد جاء في آية أخرى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ » (المؤمنون، 23 / 12). جميع ما يتناول الإنسان من الأغذية هو من الطين أي التراب المختلط بالماء. فمصدر النطفة والبويضة طين.
وقال الله تعالى: « ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ» (المؤمنون، 23 / 13). والقَرارُ والقَرارةُ من الأَرض: المطمئن المستقرّ، وقال أَبو حنيفة: القَرارة كل مطمئن اندفع إِليه الماء فاستقَرّ فيه.[7] والمكين: من قول العرب، مَكَّنْتُهُ مِنْ الشَّيْءِ تَمْكِينًا جَعَلْتُ لَهُ عَلَيْهِ سُلْطَانًا وَقُدْرَةً فَتَمَكَّنَ مِنْهُ.[8]
وعلى هذا فالمكان الذي تكونت فيه النطفة هو المكان الذي جعل لها به سلطان وقدرة لتتمكن فيه، وهو الرحم. والنطفة التي تكونت في الرحم ليست إلا البويضة المخصبة. وهو مكان يختلط فيه مني الرجل مع بويضة المرأة، تتغير وتتطور فيه حتى يصبح إنسانا يستطيع الحياة على وجه الأرض.
النُّطفة هي اللؤلؤ الصَّافِي في اللون مثل قطرة الماء الصافي.[9] والبويضة المخصبة تشبهها في الشكل.
 وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه العزيز أنه خلق الإنسان من التراب.[10] لأن التراب هو العنصر الأساسي في الإنسان؛ والرحم بمثابة الحرث يزرع فيه البذور. قال الله تعالى: «نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» (البقرة، 2 / 223).
خلق الإنسان كخلق النبات. قال الله تعالى: « وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا» (نوح، 71 / 17).[11]
وكان خلق عيسى عليه الصلاة والسلام كخلق آدم وحواء. قال الله تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (آل عمران، 3 / 59). لو تدبرنا الآية لظهر لنا أن رحم مريم كان بمثابة الأم والأب مثل التراب.
ويؤيد ذلك تأنيث العائد إلى (الفرج) مرة وتذكيره مرة ثانية كما في قوله تعالى: «وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ» (الأنبياء، 21 / 91). «وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ» (التحريم، 66 / 1212). وهو مما يدل على أن رحم مريم كان ينتج البويضة والمني في نفس الوقت, فخلق عيسى كخلق آدم، وعلى هذا فإن التراب الذي خلق منه آدم كان يوجد فيه هاتان الخاصيتان. أي أن آدم خلق من النطفة التي تشكلت نتيجة اختلاط المني مع البويضة اللتين استخلصتا من التراب. وكذلك حواء خلقت من تلك النطفة. لأننا نفهم من  النفس المذكورة في الآية الأولى من سورة النساء أن آدم وحواء خلقا من النفس الواحدة. “وخلق منها زوجها”.
إذن فيمكن أن يكون آدم وحواء توأمي البويضة الواحدة.
يقول الباحثون إن توأمي البويضة الواحدة يكونان من نفس الجنس. ولكن آدم وحواء أحدهما ذكر والآخر أنثى. ونفهم من قوله تعالى: «خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منهازوجها» أنّ خلق حواء متأخر عن خلق آدم. إذا كان آدم خلق من البويضة الواحدة أولا ثم خلقت حواء من نفس البويضة فالبحث عن هذا يقع على عاتق المتخصصين.
ولكن المهم هنا هو الآية. « شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ» (الشورى، 42 / 13). تشير هذه الآية إلى حدوث تغيرات في القوانين الطبيعية بعد نوح عليه الصلاة والسلام. وقد كان الزواج من الأخت حلالا إلى عهد نوح؛ كما نرى ذلك في الديانة الزرادشتية. لذا كان من الممكن أن يكون توأما البويضة الواحدة من جنس مختلف. ويشير قوله تعالى: « وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى» (النجم، 53 / 45-46) إلى المقادير الخاصة للإنسان، حيث تتكون وهو نطفة في الرحم، وكذلك يتبين جنسه ذكرا أو أنثى.
وهنا نرى من الضروري الوقوف على كلمة “الزوج”. لم يرد في القرآن الكريم كلمة “الزوجة” مع أن الكلمات تكون في العربية مؤنثة ومذكرة. وإذا دل هذا إنما يدل على عدم الفرق تأنيثا أو تذكيرا في تسمية الأزواج.
إذا تحقق أن النطفة هي البويضة المخصبة فقوله تعالى “إذا تمنى” في الآية تعني إذا قدِّر لها الأقدار. لأن كلمة تمنى من “مَنَى” يدلُّ على تقديرِ شيءٍ ونفاذِ القضاءِ به. منه قولهم: مَنَى له المانِي، أي قدَّر المقدِّر.[12] وبهذا نفهم من الآية لماذا سميت النطفة نفسا. وتطلق النفس على الجسم الحي. قيل عن النفطة (نفس) لأنها تحمل بدءا من هذه المرحلة الخصائص التي يختص بها الجسم الحي.
وسبب هذه التفاصيل هو أن نصل إلى المعلومات الصحيحة في خلق الأنثى؛ لأن القبول بأن الأنثى خلقت من الضلع الأعوج تحقير لكرامتها.
الإنسان= كائن له خلف
خلق الإنسان على أساس الخلافة؛ أي يخلف بعضه بعضا، ومن مقتضيات الخلافة التصارع على السلطة والنفوذ. قال الله تعالى: « وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةًقَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُنُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» (البقرة، 2 / 30).
فكلمة “خليفة” بمعنى مخلوف؛ لأنها على وزن فعيل بمعنى الفاعل والمفعول. وعلى هذا فمعنى الآية أن آدم عليه الصلاة والسلام مخلوف؛ أي يخلفه من يأتي بعده وليس خليفة لغيره أو لمن سبقه. وبعبارة أخرى إن كلمة “الخليفة” تحمل معنيين: أحدهما من ينوب عن شخص بموت ذلك الشخص أو بتركه لمكانه. فمثلا حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم خلف أي ناب عنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ لذا قيل عنه خليفة رسول الله. والمعنى الثاني لكلمة “الخليفة”، هو مَن خُلِفَ . وعلى هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم خليفة أي مخلوف وخليفته (بمعنى من ناب عنه) هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه . إن آدم عليه الصلاة والسلام لم يخلف أحدا، وعلى هذا حين يقال عنه خليفة يراد به المعنى الثاني أي أنه مخلوف خلفه أولاده من بعده وتستمر الخلافة على هذا النحو حتى تقوم الساعة.
وحين قال الله تعالى للملائكة، «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً» فمن الممكن أن الملائكة قد تذكروا ما يحدث في عالم الحيوانات من الصراع في سبيل خلافة بعضها بعضا. وعلى سبيل المثال: لا يصلح أن يكون هناك ديكان في قن دجاج واحد؛ فإن حصل ذلك فلا بد من أن يحدث بينهما صراع حتى يُميت أحدهما الآخر أو يطرده. والدجاج لا تشترك في هذه المعركة. وهي ظاهرة نراها في عالم الحيوان قديما وحديثا، وهي كذلك حتى قيام الساعة.
فالصراع على السلطة في قن الدجاج يكون بين الأدياك. ولكن الصراع في عالم الإنسان تشترك فيه النساء، لذا استفسر الملائكة قائلين: « أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُنُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ». ولم يقل الله تعالى إن هذا لن يحدث، لكنه تعالى أخبرهم أن آدم وبنيه ليس كما تعلمون؛ لأن سلوك الإنسان لو كان مثل الحيوان لكانت العاقبة أخطر بما لا يقاس عليه.
وقد جاء تفصيل ذلك في سورة الروم الآية 41، وغيرها من الآيات في سور أخرى. ولكن كان هناك شيء لا يعلمه الملائكة. كما أخبرنا الله تعالى بقوله: «إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» (البقرة، 2 / 30).
«وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِفَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ». الاسم، كلمة تصلح لتصوير الشيء في الذهن وتعريفه وتعريف ما ينتسب إليه هذا الشيء. حتى يصبح الإنسان معروفا ومميزا به. وهو تعليم الله تعالى لآدم ما اختفى في الموجودات من المعلومات.
العائد إلى الأسماء في قوله تعالى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا» ضمير مؤنث يشار به إلى غير العقلاء، ثم جاء نفس العائد في قوله تعالى: « ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ» على صيغة ضمير الجمع المذكر “هم”  الذي يشار به إلى العقلاء. وهذا يعني أن فيما فهمه الملائكة أنه غير عاقل يشمل العقلاء. أي أن ما ظاهره غير عاقل فيه معرفة يستفيد منها الإنسان؛ لأن من معاني العقل: المعلومات التي يستفيد منها الإنسان، كما قال راغب الاصفهاني في مفرداته.
وهناك شيء آخر عُرض على الملائكة، هو كون الإنسان صاحب قدرة يستطيع بها استعمال تلك المعلومات التي لا تظهر لمن نظر إلى ظاهر الأشياء. لذا سماها الله تعالى بغلم الغيب قائلا للملائكة: «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» (البقرة، 2 / 33). أي أن الله تعالى علم آدم من علم الكائنات ما لم يطلع عليه الملائكة. وهذا مما جعل الإنسان يتفضل على الملائكة.
العلم المودع للكائنات هو جزء من علم الله تعالى، ولا نهاية لعلمه تعالى؛ « وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» (البقرة، 2 / 255). وعلى هذا فأعلم الناس على الإطلاق هو آدم عليه الصلاة والسلام.
والذي لم يعلمه الملائكة هو الصراع على الخلافة التي تتحول إلى السباق العلمي والحضاري الذي يوصل الإنسان إلى ما هو أفضل وأحسن. ولا يحدث فيه سفك الدماء، ويقدم فيه المساعدة ليحيا الخصم. فهو التعاون والتكافل من أجل الوصول إلى الأفضل، ويكون النجاح فيه حسب قدرة الخصم. أما الخلافة أي الصراع من أجل الوصول إلى السلطة فحسب فهذا تشبه بعالم الحيوان ويؤدي إلى فساد عريض. لذا جاءت القوانين الإلهية تنشئ النظام العام وتضع من الأحكام والتشريعات ما يقوم على ترتيب وتنظيم شؤون الحياة الإجتماعية منعا للفساد والفوضى.
تعليم الكتابة
 ونفهم من الآية التالية أن الله تعالى علم آدم تلك المعلومات على شكل الكتابة. حيث قال الله تعالى: « اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ.  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  . عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» (العلق، 96 / 3-5).
تعليم الذكر (المعلومات) في آيات الله الكونية المخلوقة
تنقسم آيات الله تعالى إلى قسمين؛ أولاها الآيات المنزلة التي احتوى عليها القرآن الكريم، وهي جميع الآيات التي أنزلها الله تعالى من آدم حتى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: « شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ . وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ» (الشورى، 42 / 13-14).
وقال في الآيات المخلوقة مستدلا بها على صحة آياته المنزلة: « قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (فصلت، 41 / 52-53).
وموافقة الآيات الكونية مع الآيات المنزلة يدل على وجود الانسجام التام بينهما؛ لأنهما من مصدر واحد، كما يدل ذلك على صحة الآيات المنزلة.
والاسم المشترك لما أنزله الله من الآيات المتلوة هو الذكر. قال الله تعالى: « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» (الحجر، 15 / 9). « أَمِاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَوَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ » (الأنبياء، 21 / 24).
الذكر: تارة يقال ويراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه، والذكر يقال اعتبارا باستحضاره.[13] والمعرفة والعرفان: إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره، وهو أخص من العلم، ويضاده الإنكار.[14] وعلى هذا فإن الذكر يقال اعتبارا باستحضاره، وتارة يقال لحضور الشيء القلب.[15] لم يقل بهذا المعنى من اللغويين إلا الراغب الأصفهاني حسب ما اطلعنا عليه من الكتب اللغوية. وعند الآخرين الذكر هو الحفظ، لأنهم قالوا إن الذكر هو ضد النسيان حيث لم يفرقوا بين الذكر والحفظ. ونفهم من الآيات أنّ ما قاله الأصفهاني أقرب إلى القبول. فالمعرفة هي مصدر الذكر. أما المصدر الأول للمعرفة هو الكائنات. ومع ربط المعلومات التي نحصل عليها من الكائنات ينشأ الذكر. ويوجد في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على ذلك منها قوله تعالى: « أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّالظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا . ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَلَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا . وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَامِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا. لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُمِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا . وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْلِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا» (الفرقآن، 25 / 45-50).
و لِيَذَّكَّرُوا، أصله لِيَتذكَّرُوأ، من باب التفعُّل الذي بِنَاؤُهُ لِلتَّكَلُّفِ، وَمَعْنى التَّكَلُّفِ: تِحْصِيلُ المَطْلُوبِ شَيْئًا بَعْدَ شَيءٍ. نَحْوُ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ مَسْأَلَةً بَعْدَ مَسْأَلَةٍ.[16] وعلى هذا فالتذكر في الآية هو تحصيل الذكر وتحقيقه خطوة خطوة.
الآيات السابقة تلفت النظر إلى تشكُّل الظل ثم إلى حركته. كما نصل بها إلى معلومات تُذكر مثل تشكُّل فصول السنة والمعلومات عن الوقت وكون الأرض كالمهد وانحنائها يمينا وشمالا ومنحنية محور الأرض وكرويتها. وجريان الريح وانسياق السحاب به ونشأة المطر ونزوله، والعلاقة بين تربية الحيوان والزراعة بالماء، والحالات المختلفة للمياه يعطينا الذكر أي المعلومات الهامة. التي نصل إليها بقراءة الآيات في الطبيعة ومقارنتها بما عندنا من الآيات المنزلة. وهو مما يدلنا على مسيرة وأطوار تحصيل المعلومات. وكل ما أنزله الله من الآيات أي جميع القرآن ذكر. قال الله تعالى: «بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (النحل، 16 / 44). وقال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» (الحجر، 15 / 9).
الدين والعلم
يدرس العلماء الكائنات من زوايا مختلفة. وكل ما في الكائنات آية من آيات الله تعالى. لذلك لا يمكن الحديث عن فرع علمي إضافي إلا وموضوعه الأساسي هو آيات الله تعالى. وجميع الفروع العلمية تحتاج إلى القرآن الكريم لأنه ذكر. وعلى كل متخصص في أي علم من العلوم أن يدرس الموضوعات العلمية مع الآيات القرآنية المتعلقة بها، بالاشتراك مع المتخصصين في علوم القرآن واللغة العربية؛ ليتسنى الوصول إلى العلوم التي علمها الله تعالى لآدم عليه الصلاة والسلام. ولنصل إلى التطور العلمي والتكنولوجي على درجة تفوق التصور، لا بد من اعتماد طريقة الاستقراء للوصول إلى ما في الكائنات من العلوم.
 القرآن الكريم هو تحويل ما في الكون من الأذكار إلى النص، وبعبارة أخرى هو النسخة الخطية للكون. فلو استعملنا طريقة القرآن في الوصول إلى العلم[17] وقارنا ما حصلنا عليه من العلوم بدراسة الكائنات مع ما في القرآن الكريم لأصبحت النتيجة يقينية؛ لأننا قد توصلنا إليها بالطريق الاستنتاجي.
إذا قمنا بتبليغ الدين على أساس التوافق بين الكتاب والسنة لفتحنا طريقا يكون به الإسلام دين البشرية جمعاء، لأن الإسلام هو الفطرة.
الدين والفطرة
أصل الفطر: الشق طولا؛[18]وهو مما يذكرنا قانون الفتق الذي خلقت به هذه الكائنات. ونفهم من الآيات أن الكون والإنسان قد خلقا بهذا القانون. قال الله تعالى: « أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ» (الأنبياء، 21 / 30).
وقال تعالى: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (الأنعام، 6 / 79).
وقال أيضا: «وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ . يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ » (هود، 11 / 50-51).
وقد وردت فيها كلمة “فطر” بمعنى خلق. ومن المعلوم أن لكل مسيرة تكوُّن وتغيُّر. وعلى هذا فإن الفطرة؛ تعني مبادئ وقوانين الخلقة والتغيير والتطور، وهي التي تُكَوِّن البِنيةَ الأساسية للكائنات. أي أنّ السماوات والأرض والبشر والحيوان والنبات وغيرها من الأشياء تتكون وتعمل وفق تلك القوانين والمبادئ. أي: الفطرة. وكل ما نشأ بتلك القوانين يسمى آية. لذا يطلق على الكائنات اسم الكتاب المنشور؛ الذي يقرؤه كل إنسان، ويفهمه حسب قدرته العلمية. ومن يتعمق في الدراسة ينكشف له المزيد من أسرار هذا الكون ويصل إلى حقائق يقينية؛ تتشكل بها القيم العالمية، والعلوم والفلسفة. والكتاب هو وسيلة نقل هذه العلوم والمعلومات إلى الأجيال القادمة عن طريق التعليم والتربية. وعلى هذا قلنا إن الدين هو مجموع القوانين الفطرية. قال الله تعالى: « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (الروم، 30 / 30).
وباستيعاب ما بين الكتاب المسطور والكتاب المنشور من الانسجام والتوافق، نفهم أن الدين يدعو الناس إلى الحقائق اليقينية بعيدا عن الخرافة والشك؛ وبذلك يصبح كتاب الله تعالى مرجعا أساسيا في دراسة الظواهر الكونية، مما يمكّن من الوصول إلى درجة معرفية تفوق التصور. وبالتالي يصبح كلُ عالمٍ هو في الوقت نفسه عالما في الدين.
وفي أول آية في الكتاب الذي أُنزل إليه، أمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدرس الآيات الكونية، كما علمها آدم عليه الصلاة والسلام. حيث قال تعالى: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» (العلق، 96 / 1-5).
 وكلمة “علق” في الآية، تعني الجنين الذي هو أول هيكل للإنسان، كما تعني أن الإنسان هو كائن إجتماعي؛ لأن من دلالات كلمة “العلق” العلاقة التي هي السمة الأساسية للكائن الاجتماعي، كما أن حياة الإنسان مرتبطة بإنتاج الآخرين من أموال وخدمات. من الممكن أن نرسل غنما إلى مرعى فيه عشب كثير وماء عذب فهي تعيش فيها مدى حياتها، وتنتج وتتكاثر على مستوى عال دون الحاجة إلى شيء آخر. ولكن لا يوجد إنسان يستطيع أن يعيش على هذه الشاكلة. لذا أمر الله تعالى في أول وحي أنزله إلى نبيه الخاتم أن يقرأ الطبيعة؛ وهو مما يلفت النظر إلى ما فعل آدم عليه الصلاة والسلام.
وعلى أن الكائنات هي الآيات التي خلقها الله تعالى فيلزم على العلماء أن يدرسوها بكل دقة، وبنية العبادة، وأن يقارنوا ما وصلوا إليه من العلوم بما في القرآن من الآيات المتعلقة بها، حتى يصلوا إلى الحقائق اليقينية. حينئذ يسهل على الإنسان أن يطيع الله وأن يعبده وحده كسائر الكائنات ويفوز بسعادة الدارين.
وما من علم إلا وموضوعه آيات الله. والذي يصل إلى الذكر (المعلومات) من الآيات القرآنية في مجال تخصصه يكون أكثر تعظيما لله تعالى. قال الله تعالى: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» (فاطر، 35 / 28).
وقد خدع إبليسُ اللعينُ آدمَ عليه الصلاة والسلام بعد أن كان علمه الله تعالى وحذره منه ، وعلى هذا ينبغي على العلماء قبل الآخرين أن ينتبهوا وأن لا ينظروا  إلى المسألة من الناحية العاطفية.
ومعنى التذكير في الدعوة إلى الله هو عملية إيقاظ ما في فطرهم الله تعالى عليه من المعلومات الخفية؛ لأن الدين هو الفطرة. كما يعني التذكير والإشارة إلى العلاقة ما بين الآيات القرآنية وما في ذهن المخاطب من المعلومات. أو بمعنى آخر قراءة كتاب الله بلسان المخاطب. وقد أوجب الله تعالى هذه المهمة على كل مسلم فقال: «وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِوَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناًقَلِيلاً فَبِئْسَ مَايَشْتَرُونَ» (آل عمران، 3 / 185).
وقد بيّن الله تعالى جزاء أحبار اليهود وأمثالهم على كتمان ما أنزل الله وإخفائه عن الناس مع شدة الحاجة إليه، أو وضع شيء مكذوب من عندهم مكانه، وذلك الجزاء هو الطّرد من رحمة الله وغضب الله عليهم، إلا من تاب منهم ورجع عن كتمان كلام الله، وأصلح ما أفسده بأن أزال ما وضعه من عنده، وأعلن الأصل الصحيح، وبلّغ ما أنزل الله من غير تحريف ولا تبديل، قال الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (البقرة، 2 / 160).
نشأة الإيمان بالله في الإنسان
كل إنسان يدرس ما في نفسه وما حوله من الآيات حسب قدراته العلمية، ويصل إلى وجود الله ووحدانيته ويرى رأي العين ويلمسه لمس اليد حتى يقول “أشهد أن لا إله إلا الله” وقد أخبرنا الله تعالى عن هذه الحقيقة بقوله: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي اٰدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ اٰبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ. وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» (الأعراف، 7 / 172-174).
وما هو معروف بين الناس بـ “الست بربكم قالوا بلى” هو قبول الناس وجود الله ووحدانيته بشكل واضح. يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو. كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه، قال تعالى: «فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله» (الروم، 30 / 30).
والذرية لا تؤخْذُ من الصلب، والمأخوذ منه سببها وهي بذرة يدوم بها نسل البشرية. ويصل به الإنسان إلى سن البلوغ، وهو السن الذي يمكن له أن يصبح أباً أو أما. والإنسان منذ طفولته يشاهد ما حوله من آيات الله الكونية وهذه الآيات تخبره عن ربه وخالقه، ويبدأ يوجه لمن حوله أسئلة كثيرة حول حقيقة الوجود وخالقه، فبمشاهدته الأدلة والبراهين، يتبين له ربوبية الله تعالى. كأن الله سبحانه وتعالى يسأله «ألست بربكم» فيجيب بكل ثبات وقرار «بلى أنت ربي وأنا أشهد على ذلك». وهو يصل إلى هذا الموقف قبيل بلوغه ويتكرر في كل حين يشاهد الآيات في الآفاق وفي الأنفس. وعلى ذلك يمكننا القول بأن كل إنسان يؤمن بربوبية الله تعالى ووحدانيته وبأنه خالق كل شيء.
والمشرك هو من أشرك بالله تعالى. ويكون الشرك بين اثنين على الأقل، والأول والأعلى هو الله دائما، وأما الثاني فهو المتخذ من دونه وليا، ويختلف اسمه حسب اختلاف اسم الدين. وليس عند أحد منهم سلطان لهذه الآلهة الباطلة. فلا يبقى له مبرر في أن يقول يوم القيامة: «… إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ» (الأعراف، 7 / 173).
وسن البلوغ له أهمية خاصة، لأن المسئولية تبدأ بهذا السن وتدوم إلى الموت. وكل إنسان يعرف وجود الله وألوهيته حتى لو قال الآباء ومن حوله من الناس خلاف ذلك، ويشهد أن الله تعالى خالق كل شيء ومالكه. ومن الناس من يظهر هذه الشهادة ومنهم من يخفيها إلا عند الأحداث العظيمة فيظهرها حينئذ، ومنهم من يكتفي بهذا القدر من الإيمان ولكنه خداع من الشيطان. وقد أمرنا الله تعالى أن لا نقع في خداع الشيطان بقوله تعالى: «وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» (لقمان، 31 / 33).
والملاحدة هم الذين يقال عنهم بأنهم لا يعترفون بإله خالق، وحقيقة الأمر على خلاف ذلك، غير أنهم يريدون أن لا يتدخل الله في شؤونهم. وهم بهذا يؤَلّهون أنفسهم أو من يتبعونه من أوليائهم. أما المشركون فهم «الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ» لأن من جعل مع الله إلها آخر فقد قطع الصلة بينه وبين الله تعالى.
وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة
الموقع: حبل الله www.hablullah.com

[1]سفر التكوين، 2 / 21-23
[2] صحيح مسلم، باب الوصية للنساء، 60 – 1468.
[3]  جاء القرآن الكريم مصدقا لما سبق من الكتب الإلهية. ولكن تصديقه محدود بما لا يخالف القرآن الكريم مما في التوراة والإنجيل. لأنه لم يات آية في القرآن تقول أنه يصدق التوراة والإنجيل. قال الله تعالى: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَبِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ» (آل عمران، 3 / 3). ومقابل ذلك جاء في الإنجيل ما يدل على أنه يصدق التوراة. قال الله تعالى: « وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَالتَّوْرَاةِ » (المائدة، 5 / 46).
ونفهم من قوله تعالى: « وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَبِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًاعَلَيْهِ» (المائدة، 5 / 48) أن تصديق القرآن لما سبقه من الكتب الإلهية محدود بما فيها من الآيات التي تتوافق مع القرآن الكريم. وقد تكرر كلمة الكتاب مرتين. وتكرار الكلمة على هذا الشكل أي معرفة بال التعريف يدل على أنهما شيء واحد؛ أي أن ما في القرآن وما يصدقه من الكتب السابقة هو نفس الشيء.
وخلاصة القول إن القرآن لا يقصد القول بأن الأنثى خلقت من ضلع آدم. لذا نقول إن رواية أبي هريرة المتعلقة بالمسألة من الإسرائليات.
[4] وَخَلَقَ مِنْهَا (أي من النفس)زَوْجَهَا (أي زوج النفس) وهذا يشير إلى أن الله خلق النطفة أولا ففطرها وجعلهما توأما مطابقا فليس لأحد منهما الأولوية في الخلق.
[5]  كتاب العين لخليل بن أحمد، مادة: نطف.
[6]  لسان العرب، فصل:الميم، مادة: مشج.
[7]  لسان العرب، فصل: القاف،  مادة: قرر.
[8]  المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، لأحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، أبو العباس (المتوفى: نحو 770هـ)
 مادة: (م ك ن).
[9]  لسان العرب، فصل النون، مادة نطف.
[10]  ال عمران، 3 / 59؛ الروم، 30 20؛ الكهف، 18 / 37؛ الحج، 22 / 5؛ الفاطر، 35 / 11؛ الغافر، 40 / 67.
[11]  وهو من حديث نوح إلى قومه أيضا.. إنه يكشف لهم فى هذا الحديث عن تطورهم فى الخلق، وأنهم نبتوا من الأرض، كما ينبت النبات.. فمن تراب هذه الأرض تخلقت الكائنات الحية، ومن ترابها تخلق الإنسان. وإن أقرب صورة وأظهرها لتخلقه من الأرض: أن هذه النطفة التي تخلّق منها، هى من نبات الأرض، أي من الغذاء الذي مصدره هذا النبات.. فإذا امتد النظر إلى آفاق بعيدة وراء هذه النظرة المحدودة القريبة، أمكن أن يرى على الأفق البعيد: أن الإنسان فرع من شجرة الحياة التي تضرب جذورها فى أعماق بعيدة من الأرض. (التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس الخطيب (المتوفى: بعد 1390هـ)، دار الفكر العربي – القاهرة).
[12]  مقاييس اللغة  لابن فارس.
[13]  المفردات لراغب الأصفهاني، مادة: ذكر.
[14]  المرجع السابق، مادة: عرف.
[15]  المرجع السابق، مادة: ذكر.
[16] البناء في الصرف، البَابُ الرَّابِعُ: تَفَعَّلَ يَتَفَعَّلُ تَفَعُّلاً.
[17] أنظر إلى البحث المنشور على الرابط التالي: http://www.hablullah.com/?p=1446
[18]  المفردات، مادة: فطر.
Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. يقول mld:

    سبحان الله

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 5٬176 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع