السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل جراحة تكميم المعدة وقصها كوسيلة لإنقاص الوزن حرام؟ وما التفصيل إن كان الضرر بدنياً (الطبّي) / نفسياً / لأغراض تجميلية؟ لأن البعض قال بعدم جواز هذه العملية الجراحية، مع استثناء الضرورة الطبية، ويجب أن يكون الضرر بدنياً وليس نفسياً.
الجواب:
وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، إن أحكام الشريعة الإسلامية في النوازل الطبية والعمليات الجراحية تتأسس على القواعد والمقاصد الكلية التي جاء بها الوحي في القرآن الكريم، وعند النظر في مسألة تكميم المعدة وقصها لإنقاص الوزن، نجد أن آيات كتاب الله تعالى تفصل الأحكام بناءً على الغاية والسبب، وذلك على النحو التالي:
أولاً: الأصل في التداوي ودفع الضرر البدني
السمنة إذا بلغت حداً مفرطاً يضر بصحة الإنسان، ويُحدث خللاً في وظائفه الحيوية، تصبح مرضاً يستوجب العلاج، والاستدلال من القرآن الكريم على جواز التدخل الجراحي لدفع هذا الخطر يقوم على وجوب حفظ النفس وحرمة إهلاكها:
- قال تعالى في النهي عن التسبب في هلاك النفس: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].
- وقال سبحانه في بيان رحمته بعباده ومنعهم من إيذاء أنفسهم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
فإذا قرر الأطباء الثقات أن السمنة تهدد حياة الإنسان بأمراض خطيرة كأمراض القلب أو السكري، وقد فشلت الحمية الغذائية في إصلاح الأمر، فإن إجراء العملية يصبح وسيلة مشروعة لإنقاص الوزن ودفع الهلاك الحتمي عن البدن.
ثانياً: رعاية الشريعة للمشقة ورفع الحرج (الضرر النفسي)
القول بأن الشريعة لا تعتد إلا بالضرر البدني وتغفل الضرر النفسي هو قول يضيق ما وسعه القرآن الكريم، فالمشقة النفسية الشديدة التي تدفع بالإنسان إلى الانطواء أو الاكتئاب المرضي والعجز عن ممارسة حياته العادية بسبب تشوه المظهر الناتج عن السمنة، هي حرج معتبر شرعاً، وقد بنى الله أحكام دينه على التيسير ورفع الحرج والمشقة:
- قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
- وقال سبحانه في بيان مرونة التكليف: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
- وقال جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28].
فإذا كان الضرر النفسي بالغاً ومحققاً، فإن التدخل الجراحي يندرج تحت باب التخفيف ورفع الحرج وإدخال اليسر على المريض، وهو مقصد أصيل من مقاصد الوحي.
ثالثاً: الأغراض التجميلية التحسينية (الرفاهية)
إذا انتفت الحاجة الطبية البدنية، وانتفى الحرج النفسي الشديد، وكان دافع العملية مجرد ملاحقة المقاييس الجمالية الترفيهية والتكاسل عن الوسائل الطبيعية (كالرياضة وتنظيم الغذاء)، فإن الحكم هنا يتجه إلى المنع؛ لأن العملية تنطوي على مخاطر جراحية وقطع لجزء من بدن سليم دون مبرر، وهو ما يدخل في دائرة تغيير خلق الله ترفهاً، وهو مسلك ذمه القرآن:
- قال تعالى حكاية عن الشيطان وتوعده لبني آدم: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119].
فالبدن أمانة لا يجوز تعريضها لسكين الجراحة والمخاطر الطبية إلا لمصلحة راجحة تفوق خطر الجراحة نفسه.
رابعاً: الاستعمال في أضيق الحدود والموازنة بين المنافع والأضرار
ينبغي للمسلم ألا يسارع إلى جراحة قص المعدة إلا في أضيق الحدود، وبعد استنفاد المحاولات الطبيعية من حمية غذائية ورياضة وعلاج طبي؛ فالجراحة وإن كانت تدفع ضرر السمنة، إلا أنها تحدث في المقابل ضرراً دائماً بالبدن، حيث تقلل من قدرته على الاستفادة الكاملة والامتصاص الطبيعي للغذاء والفيتامينات، وهو ما يفرض على المؤمن الموازنة الدقيقة بين النفع والضرر المترتب عليها، مسترشداً بالمنطق القرآني في الموازنة بين المصالح والمفاسد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].
فالعملية إذا كان نفعها في إنقاص الوزن وإزالة الأمراض أكبر من ضررها في نقص امتصاص الغذاء، جازت؛ أما إذا كان ضررها ومضاعفاتها المستمرة أكبر من نفعها، تعين تركها التزاماً بالقاعدة القرآنية.
الخلاصة:
العملية جائزة ومشروعة إذا كانت لدفع ضرر بدني ممرض أو ضرر نفسي بالغ يمنع الإنسان من عيش حياته بسلام، وذلك طالما غلب على ظن الأطباء نجاحها وأمن عواقبها، أما إذا كانت لمجرد تحسين المظهر بلا أدنى مشقة أو مرض، فإنه لا يجوز اقتحام مخاطر الجراحة في بدن سليم.
*وللمزيد من التفصيل يرجى الاطلاع على الفتوى التالية: إجراء عملية لتجميل الأنف
الباحثة: شيماء أبو زيد


أضف تعليقا