الباحث: د. عبدالله القيسي
الزنا من كبائر الإثم في الشريعة الإسلامية، وقد جاء التحذير من هذا الفاحشة في عدة آيات من القرآن، ورتَّب الله سبحانه على فعل الزنا عقوبة دنيوية هي الجلد مائة جلدة، يقول تعالى:
﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍۢ، وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْآخِرِ، وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2].
لكن المتأمل في تعامل الإسلام بين عقوبة الزنا وعقوبتي السرقة والقتل يجد بينهما فروقاً تقوده إلى فهم فلسفة الإسلام في عقوبتهما:
أولاً: اشترط القرآن لوقوع العقوبة على الزنا أن يشهد فيه أربعة شهود، وهذا التشدد في عدد الشهود غير مذكور في العقوبات الأخرى.
ويشترط في شهادة الأربعة على وقوع الزنا الوصف بالمعاينة وصفا دقيقا، ولا يكفي وصف المشهد العام لاجتماع الرجل والمرأة الأجنبية ولو كانا عاريين، وهذا من خصائص هذه الشهادة أيضًا.
يقول الماوردي: ” أما صفة الشهادة في الزنا فلا يجزئ أن يقول الشهود: رأيناه يزني، حتى يصفوا ما شاهدوه من الزنا، وهو أن يقولوا: رأينا ذكره يدخل في فرجها كدخول المرود في المكحلة”[1] .
ثانيًا: اتخاذ عقوبة ضد من اتهم أحدا دون أن يكتمل ذلك العدد من الشهود الذين يرون فعل الفاحشة ذاته باعتباره قاذفاً، ويعاقب بعقوبة قريبة من عقوبة الزنا ذاتها، ولا نجد مثل هذه العقوبة في غيرها.
ثالثاً: أن الأولى في التعامل مع الفاحشة هو الستر، بعكس السرقة والقتل فإن إخفاءها يعتبر كتماً للشهادة، لأن فيها حقوقاً لآخرين، بينما الفاحشة إثم بين العبد وربه، فكان الأولى فيها الستر، واستند الفقهاء في ذلك لما جاء في الرواية أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـهَزَّال (يا هَزَّال، لو سَتَــرْته بردائك، لكان خيرًا لك) [2] ، قال ابن عبد البر: “وفي هذا الحديث من الفقه: أنَّ السَّتْر أولى بالمسلم على نفسه -إذا وقَّع حدًّا من الحدود- من الاعتراف به عند السُّلطان، وذلك مع اعتقاد التَّوبة والنَّدم على الذَّنب، وتكون نيَّته ومعتقده ألَّا يعود، فهذا أولى به من الاعتراف، فإنَّ الله يقبل التَّوبة عن عباده، ويحبُّ التَّــوَّابين” [3] .
وسواء صحت الرواية أم لا فمفهوم الستر يتوافق مع تفريق الإسلام بين الإثم والبغي في التعامل والعقوبة. قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4].
وهذه الآية تدعو الشهود إلى التثبت، والتحقق مما يشهدون عليه.. فمن رمى محصنة أو محصنا، وقذفهما بتهمة الزنا علنا، كان عليه أن يأتي بأربعة شهداء، يشهدون على ما رأوا بأعينهم من التقاء المرأة والرجل، التقاء محققا، وأن تكون هذه الرؤية كاشفة كل شيء بين الرجل والمرأة، وخاصة فيما يتصل بالتقاء سوءتيهما، التقاء مباشرا كاملا.. وإن لم يفعل جُلد ثمانون جلدة بتهمة القذف. وفي هذه الآية تشديد على من يقذف الآخرين بهذا التهمة تحديدا، إذ صارت عقوبته قريبة من عقوبة من يقوم بمنكر الزنا نفسه، فالفارق بينهما هو عشرون جلدة، بالإضافة إلى أن هذه العقوبة لا تلحق من يتهم الآخرين بأي تهمة أخرى كالسرقة والقتل وغيره.
وهذا التشديد في الإتيان بأربعة شهداء والتخصيص لهذه التهمة تحديداً بالعقوبة دون غيرها زاد من صعوبة إثباتها لدرجة أنها لم تثبت واقعة زنا عن طريق أربعة شهداء في التاريخ الإسلامي ، يقول ابن تيمية: “والشهادة على الزنا لا يكاد يقام بها حد وما أعرف حدا أقيم بها”[4]. بل وزاد بعضهم أنها لن تثبت إلى قيام الساعة معللاً ذلك بالحفاظ على الأعراض. وهذا جعل البعض يتساءل! لماذا كل هذا التشديد في الشهود لدرجة أنه لم يقع إثبات واقعة واحدة عن طريق الشهود؟ ولماذا جاء الترغيب بالستر في الفاحشة بعكس جريمتي السرقة والقتل؟ ولمن جاءت هذه العقوبة إذا كان الستر سيشمل غالب الأفعال تلك؟ وهل نستطيع أن نجمع أربعة من الشهداء لإثبات واقعة زنا؟ هل للقرآن هدف ومقصد من وراء ذلك؟
هناك بعض الأطروحات التي تحاول أن تقدم إجابة على هذه الأسئلة ومنها قول الشيخ أبو زهرة: “إن كلمة الزاني والزانية وصف بالزنا، وذلك يكون في أكثر الأحوال من تعوّد هذه الجريمة، ولذلك لَا يكون إلا ممن أعلن هذه الجريمة الفاحشة ولذلك كان لابد من شروط لإقامة هذا الحد: أن يشهد أربعة بها، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الجريمة معلنة مجاهرا بها، وذلك لَا يكون إلا ممن تعودوا هذه الجريمة، وقد يكون الزنا في أول أمره، ولكن يندر أن يحضره أربعة من الرجال العدول، ومع ذلك يطبق الحكم سدا للذريعة”[5] .
هل هذه المحاولة التي قدمها الشيخ أبو زهرة كافية لتفسير ذلك أم أن المسألة لازالت بحاجة لمزيد بحث في فلسفة الإسلام في قوانين العقوبات، وهل تفسير الفقهاء لآية اللمم في سورة النجم يمكن أن يقرب لنا الصورة؟
يقول تعالى:
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:32]
يورد المفسرون رأيين: أحدها: أن اللمم هو ما قابل الكبائر وهو الصغائر، أي صغائر تلك الكبائر كالضمة والقبلة وغيرها. الثاني: أن اللمم استثناء من العدد لبعض أفعال الكبائر، فاعتبروا اللمة الأولى من تلك الكبائر لمماً.
جاء في تفسير الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ما يلي:
عن الحسن، عن أبي هُريرة، أراه رفعه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ قال: اللَّمة من الزنا، ثم يتوب ولا يعود، واللَّمة من السرقة، ثم يتوب ولا يعود، واللَّمة من شرب الخمر، ثم يتوب ولا يعود، قال: فتلك الإلمام.
وعن ابن عباس ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ قال: هو الرجل يلمّ بالفاحشة ثم يتوب; قال: وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا… وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لا أَلَمَّا.
وعن الحسن، في قول الله ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ قال: اللَّمة من الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، ثم لا يعود.
.. عن الحسن، في قوله ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ قال: قد كان أصحاب النبيّ عليه الصلاة والسلام يقولون: هذا الرجل يصيب اللمة من الزنا، واللَّمة من شرب الخمر، فيخفيها فيتوب منها.
.. عن ابن عباس ﴿إِلا اللَّمَمَ﴾ يلمّ بها في الحين، قلت الزنا، قال: الزنا ثم يتوب.
.. قال معمر: كان الحسن يقول في اللَّمم: تكون اللَّمة من الرجل: الفاحشة ثم يتوب… عن أبي صالح، قال: الزنا ثم يتوب.
.. عن الحسن ﴿إِلا اللَّمَمَ﴾ قال: أن يقع الوقعة ثم ينتهي… عن ابن عباس قال: اللَّمم: الذي تُلِمُّ المرَّةَ [6] .
وهنا نلاحظ أن اعتبار اللمم هو الصغائر جعل الاستثناء من الكيف، أما اعتبار اللمم هو الخطأ الأول ثم تليه التوبة فهو استثناء من الكم، كما نلاحظ من تلك الأقوال التي نقلها الطبري أن بعضهم اعتبر اللمة شاملة للفاحشة والسرقة وشرب الخمر، وبعضهم اعتبرها في الفاحشة والخمر فقط، وبعضهم قصرها على الفاحشة فقط، ولو رجعنا إلى الآية فإننا سنجد أنها تتحدث عن الإثم والفاحشة وهذا ينطبق على الخمر والفاحشة، أما السرقة فلا تدخل في ذلك لأنها ضمن البغي.
من خلال هذا التفسير للَّلم ومن خلال الفروق السابقة هل يمكن القول إن للإسلام فلسفة خاصة تجاه الآثام تختلف عنها تجاه البغي والعدوان، فيسن عقوبات على البغي والعدوان حماية للفرد، بينما لا يسن عقوبة دنيوية على الآثام إلا حين تهدد المجتمع؟ هذا ما سأحاول الإجابة عليه في المبحث القادم.
*من كتاب (عودة القرآن) للدكتور: عبد الله القيسي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


شكرا جزيلا للتوضيح
الآية خاصة بقذف النساء المحصنات أي العفيفيات، ولا ينطبق على قذف الرجال لأن الآية لم تذكر الرجال، وهذا لا يعني عدم وجود عقوبة يقدرها القاضي (التعزير) عند التعرض لعرض الرجل بالقذف، لكن التعزيز يجب أن يكون دون الحد المذكور للنساء.
*وللمزيد حول الموضوع أنصح بالاطلاع على الفتوى في الرابط التالي:
https://www.hablullah.com/%d9%87%d9%84-%d8%ad%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b0%d9%81-%d8%ae%d8%a7%d8%b5-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d8%a7%d8%a1-%d8%a3%d9%85-%d8%a3%d9%86%d9%87-%d9%8a%d8%b4%d9%85%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ac/
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4].
اظن والله اعلم ان هذه الايه خاصه فقط بالنساء المحصنات ولم يذكر الله العقوبه المابهه لها اذا حدثت لرجل فلم يقول ( والذين يرمون المحصنين و المحصنات) بل اقتصر الذكر على المحصنات فقط وقد ذكر الدكتور عبد الله في مقاله تعقيبا على هذه الايه بأن من يرمي المحصنين و المحصنات وهذا لم يذكر في الايه اصلا !!!
فلا ينبغي أن نبني حكما شرعيا لحد من الحدود بالقياس على هذه الايه لان مبدأ القياس يعتبر تقول على الله
في انتظار ردكم