السؤال:
قال الله تعالى:
“وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا…”
هذه الآية الكريمة تحمل معاني عميقة تتعلق بسنة الله في خلقه، وكيف يمكن للنعم أن تتحول إلى “فخ” إذا لم تُشكر. ماذا عنى الله بها و ماهي العاقبة؟
الجواب:
الآية الكريمة من سورة المؤمنون جاءت ضمن سياق يصور سنة ربانية متكررة في حياة الأمم حيث يقول الله تعالى:
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ. وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ. أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ. إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ. إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ. قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ. قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: 33-41]
تبين الآيات أن الترف وتوسيع الرزق قد يقع مع الكفر والتكذيب وأن النعمة لا تدل في ذاتها على الرضا وإنما هي موضع اختبار، فهؤلاء لما أترفهم الله لم يقابلوا النعمة بالشكر بل استكبروا وعاندوا فصارت النعمة سببا في زيادة غفلتهم وبالتالي نزول العذاب بهم وإهلاكهم.
ويؤكد القرآن هذا المعنى في مواضع أخرى منها قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44]
ففتح الأبواب هنا ليس تكريما لهم بل إمهال واستدراج يتبعه أخذ مفاجئ.
كما يصرح سبحانه بمفهوم الاستدراج في قوله:
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 182-183]
فالإملاء إمهال وزيادة في الفرص لكنه مع الإصرار يتحول إلى حجة قائمة وعقوبة مؤجلة.
وينبه الله تعالى إلى خطأ الاغترار بالمال والولد فيقول:
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: 55]
ويقول أيضا:
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55-56]
فليس كل إمداد بالمال والبنين علامة خير ورضا، بل قد يكون استدراجا لا يشعر به صاحبه.
وفي المقابل يضع القرآن قاعدة الشكر والحفظ في قوله:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]
فتبيَن أن الشكر سبب الزيادة والأمان وأن الكفر بالنعمة سبب العقوبة.
هذه الآيات مجتمعة ترسم صورة واضحة لسنة الله تعالى في النعم؛ إما أن تكون باب قرب وزيادة لمن شكر واتقى، وإما أن تكون استدراجا وإمهالا يعقبه أخذ بغتة لمن كذب وبطر، فتكون العاقبة الهلاك في الدنيا والخسران في الآخرة.


أضف تعليقا