د. عبدالله القيسي
تثير مسألة الرجم في الفقه الإسلامي جملةً من التساؤلات التي تستدعي إعادة النظر والتحليل؛ إذ يلفت الانتباه أنّ القرآن الكريم، على الرغم من تفصيله لعقوباتٍ أدنى من القتل، لم يذكر عقوبة الرجم صراحةً، في حين أثبتتها الرواية الحديثية والفقه الموروث. هذا التفاوت الظاهر بين نصٍّ قرآني صامت وتراثٍ حديثي ناطق يفتح الباب أمام سؤالٍ محوري: هل الرجم عقوبة أصيلة في التشريع الإسلامي، أم إنه تسرب من منظوماتٍ ثقافية سابقة؟
وتزداد حدّة هذا التساؤل حين نلتفت إلى كثافة حضور الرجم في العهد القديم وكتب التراث اليهودي، الأمر الذي يثير إشكالية تأثير الموروث اليهودي، ومدى إمكان تسلّل بعض عناصره إلى الفكر الإسلامي عبر الإسرائيليات، بعد أن تحوّل بعضها إلى روايات منسوبة إلى النبي ﷺ. وقد شكّلت هذه الأسئلة ونظائرها منطلق هذا البحث، سعيًا إلى فهمٍ علميٍّ هادئ يعيد النظر في هذه المسألة استنادًا إلى النصّ القرآني، واستكشافًا لمدى انسجام الروايات الواردة مع دلالاته أو تعارضها معها.
وبعد التأمّل في مجموع الآيات القرآنية المتعلّقة بعقوبة الزنا، ومع ملاحظة أنّ عقوبة الرجم إنما بُنيت على أخبار آحاد لا تستند إلى نصٍّ قرآنيٍّ صريح ولا إلى دليلٍ متواترٍ قطعيّ الثبوت، ومع قيام جملةٍ من الاعتراضات المؤسَّسة على اعتباراتٍ قرآنيةٍ وعقليةٍ معتبرة؛ تتشكّل أمام الباحث صورةٌ منهجية تدعو بجدّية إلى إعادة فحص هذه العقوبة، ومراجعة موقعها ومدى انسجامها مع البنية الكلية للمنظومة التشريعية في الإسلام.
فبناءً على هذا المسار من القراءة والمقارنة والنقد، يمكن القول: إن عقوبة الرجم دخيلةً على التفكير الديني عمومًا، وعلى المنظومة التشريعية الإسلامية على وجه الخصوص؛ إذ تتعارض مع عددٍ من الآيات المحكمة، ومع فلسفة العقوبة في الإسلام، وما تستند إليه من مقاصد العدل والرحمة ورفع الحَرَج. كما أن حضور الرجم المكثّف في التراث اليهودي يثير إشكالية انتقال هذه العقوبة عبر الثقافة الدينية السابقة، ولا سيما بعد أن تحدّث القرآن الكريم عن تحريف بعض الأحبار والربّانيين للنصوص، وكتابتها على غير ما أُنزل:
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:79]،
وقد سجّل التراث نفسه آليات توظيف تلك العقوبات البالغة لإخضاع الضعفاء وإعفاء الأقوياء، وهو ما جاء التنبيه إليه في الحديث: «إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»[1].
ومن ثمّ فإنّ ترجيح تسلّل عقوبة الرجم إلى الثقافة الإسلامية عبر الإسرائيليات التي تحولت إلى روايات آحاد نُسبت إلى النبي ﷺ ـ ثم عُدّت لاحقًا من التشريع يغدو طرحًا يستحقّ النظر العلمي المتأنّي، ولا سيّما إذا استُحضر التحذير القرآني من نسبة ما لم ينزل الله إلى الله، وهو التحذير ذاته الذي وُجّه في سياق نقد ممارسات بعض الأحبار في الأمم السابقة.
وفيما يأتي عرضٌ إجماليٌّ لأبرز الأدلّة والقرائن التي تُعزِّز هذا الرأي، قرآنيةً كانت أو عقلية، مع مناقشة ما استند إليه المخالفون، وبيان ما يعتري الروايات المحتجّ بها من إشكالاتٍ في الثبوت والدلالة.
-
عموم النص القرآني في عقوبة الزنا لا يخصصه خبر الآحاد
حيث لم تَرِد عقوبةُ الرجم في القرآن الكريم نصًّا ولا إشارةً، بل جاء النصّ القرآني في سورة النور عامًا في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، وهو خطابٌ شاملٌ يتناول الزاني والزانية على إطلاقهما، دون تفريقٍ بين المحصن وغير المحصن. والأصل في اللفظ العام بقاؤه على عمومه، ولا يجوز تخصيصه بخبر الآحاد؛ لأن خبر الواحد ظنّي الثبوت، في حين إنّ دلالة العام على أفراده ـ عند فريقٍ من الأصوليين ـ دلالةٌ قطعية.
وبناءً على هذا الأصل الأصولي، لا يصحّ إخراج حكمٍ خاصٍّ بالمحصن، يتمثّل في عقوبة الرجم، من عموم الآية اعتمادًا على أخبار آحاد. وقد استند إلى هذا المسلك الشيخ محمد أبو زهرة في ردّه لعقوبة الرجم، مؤكّدًا أنّ الحكم الوارد في الآية هو العقوبة الشرعية للزنا مطلقًا، حيث يقول: “هذه عقوبة الزنى، ونعتقد أن حكم الآية عام، والظاهر من الألفاظ أنها تعم المحصن وغير المحصن”[2].
-
دلالة لفظ «العذاب» على نفي الرجم
يلفت النظر في آية الحدّ بسورة النور أنّ الله تعالى سمّى عقوبة الزنا «عذابًا»، فقال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهو توصيف له دلالته التشريعية. وعند تتبّع استعمال لفظ «العذاب» في القرآن في سياق الحديث عن الفاحشة، يتبيّن أنّه يُستعمل للدلالة على عقوبةٍ دنيويةٍ قابلة للتقدير والتجزئة، وهو ما ينسجم مع عقوبة الجلد ولا ينسجم مع عقوبة الرجم.
ويتضح ذلك بجلاء في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25]؛ إذ نصّت الآية على إمكان تنصيف «العذاب» الواقع على المحصنات. ولو قُدِّر أنّ العذاب هو الرجم، لانتفى معنى التنصيف رأسًا، لأن الموت لا يقبل التجزئة، ولا يتصوّر فيه نصفٌ أو جزء. أمّا إذا فُسِّر العذاب بالجلد، استقام المعنى، وصحّ التنصيف من مائة جلدة إلى خمسين جلدة.
ولهذا قال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله: “إن ظاهر الآية من غير تأويل، ولا تحميل الألفاظ غير ما يحتمل أن الظاهر من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنّ﴾، أي فإذا تزوجن فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، وإن الرجم لَا ينصف، وإذن يكون ما على المحصنات المتزوجات جلدا قابلا للتنصيف، وإن هذا يدل بدلالة الإشارة أو الاقتضاء على أنه لَا رجم”[3].
ويتعزّز هذا الفهم بالنظر في استعمال اللفظ نفسه في آيات الملاعنة، حيث قال تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: 8]. فالعذاب الذي يُدرأ عن الزوجة هنا هو عين العذاب المذكور في آية الحدّ، ولا يصحّ حمله على غير الجلد، إذ السياق واحد، والموضوع واحد، وهو الاتهام بالفاحشة. ومن فسّر العذاب في أحد الموضعين بغير ما فُسّر به في الآخر فقد قطع السياق القرآني بغير دليل.
وكذلك يظهر هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:30]. فالسياق يدل على عذاب دنيوي مرتبط بارتكاب الفاحشة، ولا يستقيم حمله على الرجم؛ إذ لا يُتصوَّر فيه تضاعف، بخلاف الجلد الذي يقبل الزيادة والمضاعفة. وعليه، فإن مقتضى الآية أن تكون عقوبتهن – لو وقعت الفاحشة – جلدًا مضاعفًا، أي مائتي جلدة.
ومن مجموع هذه الآيات يتبيّن أن لفظ «العذاب» في سياق الزنا والفاحشة في القرآن يحمل دلالة واحدة منسجمة، هي عقوبة الجلد، وأن هذا الاستعمال القرآني المتكرر والمتّسق يشكّل قرينة قوية على نفي الرجم، ويؤكد وحدة الحكم بين المحصن وغير المحصن من حيث أصل العقوبة، مع اختلاف المقادير حيث ورد النص.
-
دلالة بقاء الزاني حيًّا في آية النور
يترتّب على القول بعقوبة الرجم إشكالٌ قرآنيٌّ ظاهر، يتجلّى عند التأمّل في قوله تعالى: ﴿الزّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:3].
فالآية جاءت بلفظٍ عامٍّ يشمل الزاني والزانية من غير تفريقٍ بين مُحصَن وغير مُحصَن، ولا يوجد في السياق ما يخصّص هذا العموم أو يقيّده. والشاهد الدلالي هنا أنّ الخطاب القرآني يفترض بقاء الزاني والزانية أحياء بعد ثبوت وصف الزنا عليهما وإقامة العقوبة المقرّرة، إذ يتحدّث النصّ عن أحكامٍ اجتماعية لاحقة تتعلّق بالزواج، والتحريم، والاختيار، وهي أحكام لا تتصوّر إلا مع بقاء الشخص حيًّا داخل المجتمع.
وعليه، فإنّ القرآن الكريم يحرّم على المؤمنين تزويج الزاني أو الزانية المصرَّين على الفاحشة ولم يظهرا توبةً صادقة، حمايةً للبنية الأخلاقية للمجتمع، وصونًا لمقام العفّة والاستقامة. وهذا التحريم لا يعني إخراج الزاني من دائرة الحياة، وإنما إبقاءه تحت حكمٍ اجتماعيٍّ وأخلاقيٍّ ينسجم مع فعله ما لم يتُب.
ولو قيل بالرجم ـ الذي يفضي إلى القتل ـ لانتفى موضوع هذا الحكم القرآني من أساسه، ولصار النصّ لغوًا في حقّ فئةٍ من الزناة، وهو ما لا يستقيم مع حكمة التشريع ولا مع انسجام الخطاب القرآني. ومن ثمّ، فإنّ دلالة الآية تؤكّد أنّ العقوبة التي يفترضها القرآن للزنا هي عقوبةٌ تُبقي الجاني حيًّا، وتنسجم مع منظومةٍ تشريعيةٍ متكاملةٍ تعالج الفعل وآثاره الأخلاقية والاجتماعية، دون اللجوء إلى الإعدام.
-
تعارض الرجم مع مقتضيات أحكام العِدّة القرآنية
يكشف التأمّل في جملةٍ من الآيات القرآنية عن تعارضٍ بيّن بين عقوبة الرجم وبعض الأحكام التشريعية الصريحة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1].
فهذه الآية تقرّر أصلًا تشريعيًا واضحًا، وهو وجوب بقاء المرأة المطلّقة في بيت الزوجية طوال مدّة العدّة، وتحريم إخراجها أو خروجها، إلا في حال إتيانها «فاحشة مبيّنة». وقد دلّ السياق على أنّ هذه الفاحشة تترتّب عليها عقوبة إضافية، هي إسقاط حقّها في السكنى خلال العدّة، بوصفه إجراءً تأديبيًا زائدًا على العقوبة الأصلية المقرّرة للفاحشة.
ولو قيل بوجود عقوبة الرجم للزانية المحصنة، لانتفى المعنى التشريعي لهذا الاستثناء القرآني؛ إذ لا يستقيم عقلًا ولا شرعًا أن يُشرَّع حكمٌ يسمح بطرد المرأة من بيتها في أثناء العدّة بسبب فاحشة، مع افتراض أنّ مصيرها هو القتل رجمًا. فالتشريع القرآني هنا يفترض بقاء المرأة على قيد الحياة بعد وقوع الفاحشة، وترتّب آثار قانونية واجتماعية عليها، من قبيل السكنى، والعدّة، وما يلحق بها من أحكام.
وعليه، فإنّ هذا النصّ القرآني، من حيث دلالته السياقية والوظيفية، يعزّز القول بأنّ العقوبة المقرّرة للفاحشة ـ ولو وقعت من امرأةٍ متزوّجة ـ هي عقوبة قابلة للتنفيذ دون إزهاق النفس، بما ينسجم مع عقوبة الجلد المقرّرة في سورة النور، ويجعل القول بالرجم متعارضًا مع منطق التشريع القرآني وتناسق أحكامه.
-
مخالفة الرجم لآية المعاملة الزوجية والحقوق المالية
إنّ القول بعقوبة الرجم يصطدم كذلك بالدلالة القرآنية في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19].
فالآية تنهى صراحةً عن عضل النساء، أي منعهن من الزواج والتضييق عليهن ظلمًا، وتستثني من هذا النهي حالةً واحدة، هي ما إذا أتت المرأة بفاحشةٍ مبيّنة. وفي هذه الحالة فقط، يجيز القرآن للزوج أن يمنعها من الزواج، أو يضيّق عليها، بقصد استرداد بعض ما آتاها من المهر.
وهذا الاستثناء القرآني يفترض بوضوح بقاء المرأة الزانية على قيد الحياة بعد ثبوت الفاحشة وإقامة العقوبة، إذ لولا ذلك لما كان لتشريع العضل هنا أي معنى معقول؛ إذ لا يتصوّر عقلًا أن يشرع الله حكمًا يمنح الزوج حقّ منعها من الزواج مستقبلًا، في وقتٍ يُفترض فيه ـ بحسب القول بالرجم ـ أنها ستُقتل ولا يبقى لها وجودٌ اجتماعي ولا ذمّةٌ مالية.
وعليه، فإنّ دلالة الآية قائمة على افتراض عقوبةٍ تُبقي الجاني حيًّا، قابلةً للآثار الاجتماعية والمالية اللاحقة، وهو ما ينسجم مع عقوبة الجلد، ولا ينسجم بحالٍ مع عقوبة الرجم التي تنهي الحياة وتلغي جميع هذه الأحكام التابعة لها. ومن ثمّ، فإنّ هذه الآية تمثّل قرينةً قرآنيةً إضافيةً على عدم مشروعية الرجم، وتؤكد اتساق المنظومة العقابية في القرآن على نحوٍ يرفض الإعدام الحدّي في فاحشة الزنا.
-
تدرّج العقوبات ودلالته على اكتمال حدّ الزنا في القرآن
يلاحظ المتأمّل في سياق سورة النور أنّ القرآن الكريم ذكر عقوبة الزنا صراحةً بجلد مائة جلدة، ثم أعقبها مباشرة بذكر عقوبة القذف بثمانين جلدة، فانتقل من بيان عقوبة الفعل إلى بيان عقوبة الاتهام الباطل به. وهذا الترتيب التشريعي الدقيق يدلّ على أنّ عقوبة الزنا قد استُوفيت بيانًا وتشريعًا، ولم تُترك ناقصة في انتظار عقوبةٍ أخرى أعلى منها لم يُنصّ عليها.
فلو كانت هناك عقوبة أشدّ من الجلد، كالرجم الذي يفضي إلى الموت، لكان ذكرها أولى وأحقّ بالتقديم من ذكر عقوبة القذف، إذ لا يستقيم في منطق التشريع القرآني أن تُذكر عقوبة الاتهام بعقوبة أخفّ، بينما تُغفل عقوبة الفعل بعقوبة أشدّ وأخطر تمسّ حقّ الحياة نفسه. وسكوت القرآن عن ذكر الرجم، مع عنايته البالغة بتفصيل العقوبات وضبطها، قرينة قويّة على عدم مشروعيته.
ثم إنّ القرآن لم يفرّق في عقوبة القذف بين قذف المحصن وغير المحصن، فجعل العقوبة واحدة، مع أنّ القول بالرجم يقتضي ـ لو صحّ ـ تفاوتًا هائلًا في أثر القذف؛ إذ إنّ قذف من يُفترض رجمه يفضي إلى إزهاق النفس، بينما لا يترتّب على قذف غيره إلا الجلد. وكان مقتضى هذا الفارق الجسيم أن تختلف عقوبة القذف تبعًا لاختلاف أثره، وهو ما لم يرد في القرآن أصلًا.
وعليه، فإنّ جمع القرآن بين ذكر حدّ الزنا وحدّ القذف، مع غياب أيّ إشارة إلى الرجم أو إلى تمييزٍ في عقوبة القذف، يدلّ دلالةً ظاهرة على أنّ حدّ الزنا في التشريع القرآني هو الجلد وحده، وأنّ ما عدا ذلك لا يقوم عليه دليلٌ قرآنيّ، ولا ينسجم مع منطق البيان التشريعي ولا مع نظام العقوبات في القرآن الكريم.
-
كمال البيان القرآني وحدود العقوبة
إنّ المتأمّل في منهج القرآن الكريم في عرض المعاصي والجرائم الكبرى يلحظ أنّه لم يستقصِ في بيان أحكام معصيةٍ كما استقصى في بيان أحكام الزنا، من حيث شروط الإثبات، ونوع العقوبة، ومقدارها، والضمانات الإجرائية المصاحبة لها. فقد فُصّلت العقوبة، وبيّن سياقها، وذُكرت ما يتعلّق بالقذف، واللعان، والشهادة، والآثار الاجتماعية المترتبة عليها، على نحوٍ لا نظير له في غيرها من الجرائم.
وفي ضوء هذا الاستقصاء الدقيق، يثور تساؤلٌ منهجيٌّ ملحّ: كيف يُعقل أن يُهمل القرآن ذكر عقوبةٍ هي – بزعم القائلين بها – أشدّ العقوبات وأغلظها، وهي الرجم المؤدي إلى الموت، مع أنّه لم يُهمل بيان ما هو دونها؟! إنّ هذا الإغفال – لو سلّمنا بثبوت الرجم – يناقض ما عُرف عن البيان القرآني من الإحكام والكمال، ويُضعف دعوى كون الرجم حكمًا شرعيًا أصيلًا.
وقد عبّر الشيخ محمد أبو زهرة عن هذا الإشكال فقال: “وقد يقول قائل: إن الرجم أقسى عقوبة في الأرض فكيف يثبت ما دونها بالقرآن القطعي بدلالته وسنده، ولا تثبت تلك العقوبة الغليظة إلا بحديث آحاد، وإن ادعيت شهرته، والاعتراض وارد، ولا سبيل لدفع إيراده”[4].
وعليه، فإنّ استقصاء القرآن في بيان عقوبة الزنا، مع سكوته التام عن الرجم، يُعدّ قرينةً قوية على أنّ الحدّ الذي قرّره القرآن هو الحدّ الكامل والنهائي، وأنّ نسبة عقوبةٍ أشدّ منه إلى الشريعة مع غيابها عن النصّ القرآني القطعي، تثير إشكالًا أصوليًا ومنهجيًا لا يمكن تجاوزه.
-
اختلال مبدأ العدل في التفريق بين عقوبتي الزنا
من الإشكالات التي تُثار حول عقوبة الرجم تعارضها البيّن مع مبدأ العدل، ولا سيما مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة. فالفارق بين حالتي الزنا: من محصن وغير محصن، لا يبرّر بحالٍ الفارق الجذري بين عقوبتين إحداهما الجلد والأخرى الرجم حتى الموت؛ إذ إنّ هذا الانتقال من عقوبة بدنية إلى إزهاق النفس يُعدّ قفزةً عقابية لا تستقيم مع مقاييس العدل، ولا مع سلّم الجرائم في الشريعة.
ويزداد هذا الإشكال وضوحًا إذا قورنت عقوبة الرجم بعقوبة القتل؛ فالقتل جريمة أعظم من الزنا باتفاق، ومع ذلك لم تُشرع له عقوبة أشدّ من الرجم، بل إنّ القتل يُقابل بالقصاص أو العفو، بينما الرجم يتضمن تعذيبًا متدرجًا حتى الموت، بما يجعله ـ من حيث القسوة ـ أشدّ من القتل ذاته.
أما التعليل الشائع للتفريق بين المحصن وغيره، القائل إنّ المحصن توفّر له الحلال فاختار الحرام، فهو تعليل مضطرب؛ إذ ينهار عند تطبيقه على حالات المطلّق والمطلّقة، حيث يُلحقان عادةً بالمحصنين في الحكم، مع أنّ الحلال غير متاح لهما بالضرورة، فيقع بذلك تناقضٌ بيّن في مناط التفريق وتعليله.
وفضلاً عن ذلك، فإنّ افتراض وجود عقوبة الرجم قد يفضي إلى نتائج عكسية خطيرة؛ إذ قد يدفع بعض الجناة إلى اختيار جريمة القتل ـ التي تفضي إلى موتٍ سريع ـ بدل الوقوع في زنا يترتب عليه رجمٌ بطيءٌ مؤلم، خاصة وأن الرجم ـ كما نُقل في التصوير الفقهي له ـ يُنفّذ جماعيًا وبأسلوب يتضمن إطالة أمد العذاب، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة في تقليل الألم، ومع القاعدة النبوية: «إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة».
وفي هذا السياق، يلفت الشيخ محمد أبو زهرة النظر إلى خطورة هذا الإشكال بقوله: “يبقى بين أيدينا أن العقوبات كلها مذكورة في القرآن إلا هذه [أي الرجم] مع أنها أقسى عقوبة، أقسى من أشد العقوبات، حتى الآية التي فيها محاربة الله ورسوله، وهو القتل والصلب، فإن الرجم: رمي بالحجارة حتى يموت، فهو عذاب حتى الموت، والصلب أهون، لأنه بعد الموت حيث لا يكون إحساس، ولا يضر الشاة سلخها بعد موتها”(5].
وعليه، فإنّ القول بعقوبة الرجم يثير إشكالاً في باب العدل، وتناسب العقوبة مع الجريمة، واتساق التشريع مع مقاصده الكلية، وهي إشكالات لا يمكن تجاوزها دون مساس بجوهر المنظومة القرآنية في باب العقوبات.
-
حرمة النفس وحدود القتل في التصور القرآني
إنّ القول بعقوبة الرجم يتعارض مع التصور القرآني العام لحرمة النفس الإنسانية، التي جعلها القرآن من أعظم الحرمات، وقرن الاعتداء عليها بأشدّ صور الإثم والعدوان. فقد قرّر القرآن أصلًا كليًا محكمًا، مفاده أنّ إزهاق النفس لا يكون مشروعًا إلا بحقٍّ بيّن، وحدّد هذا الحق تحديدًا دقيقًا في سياق القصاص، حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وبيّن أن هذا الحق إنما يكون في مقابلة القتل: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
وعليه، فإنّ جعل الزنا—مع كونه من الكبائر—سببًا مشروعًا لإزهاق النفس، يفضي إلى توسيع دائرة القتل المشروع خارج الإطار الذي رسمه القرآن بوضوح، ويجعل من عقوبة القتل حدًّا في غير موضعه القرآني. وهذا يتنافى مع منطق القرآن في التدرّج بين الجرائم والعقوبات، ومع مبدأ التناسب بين الجناية والجزاء، إذ لم يجعل القرآن القتل عقوبة إلا على جريمة القتل نفسها، أو ما كان في معناها من الحرابة المفضية إلى سفك الدماء.
ومن ثمّ، فإنّ إقرار عقوبة الرجم بوصفها حدًّا شرعيًا يفضي إلى مصادمة هذا الأصل القرآني القطعي، ويجعل إزهاق النفس واقعًا بغير موجبٍ نصّيٍّ محكم، وهو ما لا يستقيم مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس، ولا مع البناء الكلي للأحكام القرآنية في باب الحدود والعقوبات.
-
اضطراب الروايات الحديثية وعدم صلاحيتها لإثبات عقوبة الرجم
إنّ الروايات التي استُدلّ بها لإثبات عقوبة الرجم تعتريها إشكالاتٌ عدة، سواء من جهة السند أو من جهة المتن؛ إذ هي ـ في مجموعها ـ أخبار آحاد لا ترقى إلى مرتبة القطع، ولا يجوز بمقتضاها إزهاق نفسٍ معصومة، ولا سيما في باب الحدود الذي يُشترط فيه أعلى درجات اليقين والاحتياط. ويزداد هذا الإشكال بوجود رواياتٍ تفيد تردّد بعض الصحابة أو إعادة نظرهم في حكم الرجم بعد نزول آية النور التي قرّرت عقوبة الجلد نصًّا صريحًا.
ومن أضعف ما استُدلّ به في هذا الباب ما يُعرف بـ«دليل القِرَدة»، الوارد في صحيح البخاري عن عمرو بن ميمون قال: «رأيت في الجاهلية قِردةً اجتمع عليها قِردة قد زنت فرجموها، فرجمتها معهم». ومثل هذا الخبر ـ فضلًا عن كونه خارج سياق التكليف والتشريع ـ لا يمكن بحال أن يُتّخذ مستندًا لحكمٍ شرعيٍّ يُسفك به دم الإنسان، إذ لا يُتصوّر أن تُستقى الأحكام الإلهية من أفعال الحيوانات أو ممارساتٍ جاهلية لا تقوم على وحيٍ ولا تشريع.
وكذلك الشأن في الرواية المنسوبة إلى كونها آيةً منسوخة التلاوة باقية الحكم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»، وهي رواية شاذّة منكرة، قد حكم عليها عدد من أهل العلم بالاضطراب والركاكة. فقد قرّر الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ أنّ متنها منكر، حتى على فرض صحة سندها، لمخالفتها أساليب العربية، إذ لا يُستعمل لفظ «شيخة» في وصف المرأة المسنّة، وإنما يقال: «عجوز». فضلًا عن أنّ مضمونها يصادم المنهج القرآني في بيان الحدود، ويُدخل في التشريع حكمًا بالغ الخطورة دون نصٍّ قرآنيٍّ ثابت.
أما أحاديث ماعز والغامدية، فإنّها ـ مع اشتهارها ـ لا تخلو من اختلافٍ شديد في ألفاظها وتفاصيلها، وتعارضٍ في سياقاتها، بما يستدعي تخصيص مبحثٍ مستقلٍّ لدراسة عللها الحديثية والمتنية، وبيان ما فيها من إشكالات لا تسمح ببناء حدٍّ يفضي إلى إزهاق النفس.
وقد ردّ الشيخ محمد أبو زهرة على الاستدلال برواية «الشيخ والشيخة»، بأنها خبر الآحاد ـ وإن ادُّعيت شهرته ـ لا ينسخ عموم القرآن ولا يقيّد نصوصه القطعية، فقال: “قد قيل: إن ثمة آية تقول (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) ونسخت تلاوة، ولم تنسخ حكما، وهذه رواية بطريق الآحاد، وإن ادعيت شهرة الخبر”[6].
وعليه، فإنّ الاعتماد على هذه الروايات في تقرير عقوبةٍ تُنهي حياة الإنسان يتعارض مع أصول الاستدلال المعتبرة، ومع القاعدة القرآنية المحكمة في صيانة الدماء، ويكشف عن هشاشة الأساس الروائي الذي أُقيم عليه القول بعقوبة الرجم.
-
دلالة آيات المائدة على القصاص لا الرجم
يستدلّ بعض القائلين بثبوت عقوبة الرجم بآية المائدة، قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 43]، ويذهب هؤلاء إلى أنّ «حكم الله» المذكور في الآية هو الرجم للزاني المحصن، اعتمادًا على ما نُقل عن بعض المفسّرين.
إلا أنّ هذا التفسير محلّ خلافٍ بين أهل التفسير، وليس قولًا متفقًا عليه؛ إذ هناك قول آخر وهو أنّ المراد بـ«حكم الله» هنا هو القصاص لا الرجم. فقد ذكر الماوردي في ذلك بقوله: «والثاني: حكم الله بالقَوَد»[7]، ونقل القرطبي عن قتادة قوله: «هو القود»[8] ، وعليه، فإنّ المفسّرين في تفسير هذه الآية على قولين مشهورين: أحدهما الرجم، والآخر القود، والقول الثاني هو الأصح بالنظر إلى سياق الآيات وتسلسلها الموضوعي. والقود: هو القصاص في القتل، ثم أطلق على كل قصاص أنه قود ولو كان دون النفس.
إذا تأمّلنا سياق الآيات من سورة المائدة، تبيّن لنا أنّ الحديث يدور حول تحاكم اليهود إلى النبي ﷺ مع وجود حكمٍ في التوراة، ثم إعراضهم عنه إذا خالف أهواءهم. فالآية تُعبّر عن التعجّب من حالهم: كيف يطلبون التحكيم عند النبي ﷺ، مع أنّ حكم الله منصوص عليه عندهم في كتابهم؟ ثم يزيد العجب حين يُعرضون عن هذا الحكم إذا لم يوافق مصالحهم، وهو ما نفته الآية عنهم من صفة الإيمان الحقيقي.
واللافت أنّ الآية لم تُبيّن ابتداءً ما هو هذا «الحكم»، وإنما جاء البيان في الآيات اللاحقة، التي تصف التوراة وتكشف سبب مجيئهم إلى النبي ﷺ، وهو رغبتهم في التحايل وشراء الأحكام بالمال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: 44].
ثم جاءت الآية التي تليها لتُحدّد صراحةً ما هو الحكم الذي كتبه الله عليهم في التوراة، والذي كانوا يخفونه ويتحرّجون من تطبيقه، فقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]. وهذا نصٌّ صريح في أنّ الحكم المقصود هو القصاص، لا غيره، وهو الذي كانوا يتحايلون على تطبيقه، ويطلبون من النبي ﷺ حكمًا بديلًا يخفّف عن أشرافهم ويُشدّد على ضعفائهم.
وتستمرّ الآيات بعد ذلك في بيان نزول الإنجيل مصدّقًا للتوراة، ثم نزول القرآن مصدّقًا لهما ومُهيمنًا عليهما، أي رقيبًا ومصحّحًا لما وقع فيه أهل الكتاب من تحريف أو كتمان، ثم يأمر الله نبيّه ﷺ بالحكم بينهم بما أنزل الله، أي بما ثبت حقّه في الكتب السابقة وأقرّه القرآن: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48].
وعليه، فإنّ الاستدلال بآية المائدة على ثبوت الرجم يفتقر إلى الدقّة السياقية؛ إذ إنّ تسلسل الآيات وبيانها يعضدان القول بأنّ «حكم الله» المذكور هو القصاص، لا الرجم، وأنّ الآيات تتحدّث عن تحايل أهل الكتاب على هذا الحكم، لا عن تقرير عقوبة لم يرد ذكرها صراحةً في القرآن.
-
عدم انعقاد الإجماع على الرجم
يستدلّ بعض القائلين بثبوت عقوبة الرجم بدعوى الإجماع، غير أنّ هذا الاستدلال يقتضي تحريرًا دقيقًا؛ إذ إنّ الإجماع على دليلٍ ظنّي ليس كالإجماع على دليلٍ قطعي، كما أنّ المسألة ـ في حقيقتها ـ تخلو من إجماعٍ منعقد على دليلٍ قطعيّ الثبوت والدلالة. ويؤكّد هذا أنّ عقوبة الرجم قد عارضها عدد من الفرق الإسلامية المعتبرة قديمًا، وفي مقدّمتهم المعتزلة ـ ولا سيما أوائلهم ـ وكذلك الخوارج، مما ينفي تحقق الإجماع ابتداءً، ويُسقط الاحتجاج به في هذا الموضع. أمّا مسألة إخراج هؤلاء من دائرة الإجماع، وما يترتّب عليها من إشكالات أصولية، فسيأتي بحثها في مقامٍ آخر.
وقد نقل عدد من الأئمة هذا الخلاف ورد المعتزلة والخوارج للرجم.
يقول ابن بطال: “ودفع الخوارج الرجم والمعتزلة واعتلوا بأن الرجم ليس فى كتاب الله تعالى”[9].
وقال ابن عبد البر: “وأما أهل البدع والخوارج منهم ومن جرى مجراهم من المعتزلة فإنهم لا يرون الرجم على زان محصن ولا غير محصن ولا يرون على الزناة إلا الجلد”[10].
وقال ابن الفرس الأندلسي: “والخوارج بإجماعهم يرون الآية عامة في الأبكار والثيبين ولا يرون الرجم ويقولون ليس في كتاب الله تعالى رجم”[11].
وقال القرطبي: “ولا التفات لإنكار الخوارجِ والنّظَّامِ، الرَّجْمَ”[12].
وقال النووي: “حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه فإنهم لم يقولوا بالرجم”[13].
وقال بدر الدين العيني: “إن طائفة من الخوارج أنكروا الرجم، وكذا بعض المعتزلة أنكروه”[14].
وهذه النقول تدلّ على أنّ الخلاف في مسألة الرجم خلافٌ قديمٌ، ولا يصحّ ادّعاء الإجماع مع قيام هذا النزاع.
وقد أورد الإمام فخر الدين الرازي في كتابه المحصول جملةً من الأدلّة التي استند إليها من نفى مشروعية الرجم، ويمكن إجمالها فيما يلي:
“أن الله تعالى ذكر أنواع المعاصي من الكفر والقتل والسرقة، فلما ذكر الزنا استقصى الكلام فيه، فإنه تعالى نهى عنه فقال: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾، ثم أوعد عليه بالنار، كما صنع بجميع المعاصي، ثم ذكر الجلد ثم خصه بإحضار المسلمين، وبالنهي عن رحمته، والرأفة عليه، بقوله: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾.
ثم جعل على من رمى مسلما بالزنا ثمانين جلدة، ولم يجعل ذلك على من رماه بالقتل ولا بالكفر وهما أعظم.
ثم قال: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ثم ذكر من رمى به زوجته وبين هناك أحكام اللعان، وقال: ﴿والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾.
ثم خصه بأن جعل الشهود عليه أربعا، فمع هذه المبالغة العظيمة، كيف يجوز إهمال ما هو أجل أحكامها، وأعظم مراتبها، وهو الرجم!!
ثم أنه تعالى ذكر آيات صريحة وقال في نفي الرجم.
أحدها: قوله: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾ وهذا صريح في وجوب الجلد على كل الزناة، وصريح في نفي الرجم.
وثانيها: قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ والرجم لا نصف له.
وثالثها: وهو الدلالة العقيلة: أن الرجم لو كان مشروعا لوجب أن ينقل نقلا متواترا، لأنه من الوقائع العظيمة، فحيث لم ينقل: دل على أنه غير مشروع.
ثم أنهم قبلوا خبر الواحد في الرجم مع كونه على مناقضة هذه الأدلة الشرعية والعقلية: فكان الطعن متوجها قطعا” [15].
وخلاصة ما يرمي إليه هذا الاستدلال: أنّ قبول أخبار الآحاد في باب الحدود ـ ولا سيما مع معارضتها للنص القرآني المحكم والدلالة العقلية ـ يثير إشكالًا أصوليًا عميقًا، لا يصحّ تجاوزه بدعوى الإجماع، ولا بإقصاء المخالفين عنه.
إنّ وجود من أنكر عقوبة الرجم في التاريخ الإسلامي المبكّر يدلّ دلالةً واضحة على أنّ الدلالة القرآنية لم تكن غائبة عن الوعي العلمي للأمّة، حتى وإن نُسب هذا القول إلى المعتزلة والخوارج. وليس من المنهج العلمي السليم إسقاط قيمة الرأي لمجرّد نسبته إلى فرقةٍ خالفت السلطة أو عارضت البنية السياسية السائدة؛ إذ إنّ كثيرًا من أحكام الإقصاء العقدي والمنهجي التي لحقت بهاتين المدرستين لم تكن وليدة نقاشٍ علميٍّ خالص، بقدر ما كانت انعكاسًا لصراعٍ سياسيٍّ حادٍّ على السلطة.
فالمعتزلة تُعدّ إحدى أهم المدارس الكلامية التي أسهمت في الدفاع عن الإسلام في مرحلةٍ حرجة من تاريخه الفكري؛ إذ نشأت في سياقٍ شهد احتكاكًا واسعًا بالثقافات والفلسفات الوافدة، فاضطلعت بدورٍ محوري في الذبّ عن أصول الدين، ومواجهة المذاهب الدهرية والثنوية والفلسفية بأدواتٍ عقلية ومنهجية دقيقة، أسهمت في تثبيت العقيدة الإسلامية في مواجهة تحدّيات غير مسبوقة.
وقد اتّسم منهج المعتزلة بصرامةٍ معرفية واضحة، تمثّلت في تقديم القرآن الكريم بوصفه الأصل الأعلى للتشريع والمعرفة، واعتمادهم السنة المتواترة الثابتة، مع تشدّدهم في قبول الأخبار الظنية، ولا سيّما في القضايا الكبرى المتعلّقة بالعقائد والحدود، وما يُنسب إلى الله تعالى من أحكامٍ جسيمة. ولم يكن هذا التشدد نابعًا من استخفافٍ بالسنة أو ردٍّ لها، وإنما من حرصٍ بالغ على صيانة الدين من النسبة الظنية، ومنع تسلّل ما لم يثبت يقينًا إلى مقام التشريع الإلهي.
كما عُرف عن أئمة المعتزلة الصدق في التديّن، والزهد في الدنيا، والاستقامة في السلوك؛ فكانوا مدرسةً فكريةً أخلاقية حملت همّ الدين والدفاع عنه في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، وتكاثرت فيه التأويلات المتعارضة. وقد أفضى موقفهم النقدي من توظيف الروايات في خدمة السلطة، ومن شرعنة الاستبداد باسم النص، إلى صدامهم مع القوى السياسية السائدة، الأمر الذي ترتّب عليه اضطهادهم فكريًا، وحرق كثيرٍ من كتبهم، وملاحقة علمائهم.
ومن هذا المنطلق، فإنّ آراء المعتزلة تمثّل اجتهادًا إسلاميًا معتبرًا، لا يجوز إسقاطه من دائرة الاعتبار العلمي، ولا يصحّ الادّعاء بانعقاد إجماعٍ يتجاوزهم، ولا سيّما في القضايا التي اشترطوا فيها القطع واليقين أساسًا للتشريع.
أمّا الخوارج، فقد رُوّج ـ سنةً وشيعةً ـ لتصويرهم على أنهم جماعة متطرّفة خارجة عن جماعة المسلمين، في حين تكشف القراءة التاريخية المتأنّية أنهم كانوا في أصل نشأتهم تيارًا سياسيًا معارضًا، يرفع شعار الثورة على الظلم، ويرفض حصر السلطة في نسبٍ بعينه، سواء أكان قرشيًا أم هاشميًا. وقد كانوا يسمّون أنفسهم «أهل الحق والاستقامة»، ويؤكّدون أنّ الأمر شورى بين المسلمين كافة، لا امتياز فيه لبيتٍ أو قبيلة.
وتحت هذا الإطار العام نشأت آراء واجتهادات متعدّدة، ذهب بعضها إلى الغلوّ والتطرّف، غير أنّ خصومهم السياسيين عمدوا إلى تعميم تلك الآراء، وتصويرها على أنها تمثّل فرق الخوارج جميعًا، وهو تعميمٌ لا يقرّه المنهج العلمي، ولا تؤيّده معطيات التاريخ؛ إذ إنّ الخوارج كانوا طيفًا واسعًا لا يصحّ تحميلهم رأيًا واحدًا، ولا نسبة اجتهاد فئةٍ منهم إلى مجموعهم.
ومن خلال تتبّع عددٍ من آرائهم المنقولة، يلحظ الباحث حضور نزعةٍ قرآنيةٍ واضحة تقدّم النصّ القرآني على الروايات التي تخالفه أو تؤسّس لحكمٍ لم يرد فيه، انطلاقًا من اعتقادهم أنّ تلك الروايات موضوعة أو مدسوسة، ولا سيّما ما ارتبط بشرعنة السلطة، كأحاديث حصر الإمامة في قريش، أو في الهاشميين من العباسيين أو العلويين. كما تمسّكوا في مواضع كثيرة بظاهر النصّ القرآني، وتركوا الروايات التي شكّوا في ثبوتها عن النبي ﷺ، وهو منهج ـ وإن خالفهم فيه جمهور العلماء ـ لا يمكن وسمه بالشذوذ أو الخروج عن الدين.
وقد لخّص الدكتور محمد عمارة هذا البعد في كتابه «تيارات الفكر الإسلامي» بقوله:
“الخوارج: ويسمون أنفسهم “المؤمنون”، أو “جماعة المؤمنين”، أو “الجماعة المؤمنة، أما المسميات الأخرى ومنها “الخوارج” فأطلقها عليهم خصومهم الفكريون والسياسيون، ولما شاع الاسم قبلوه، وجعلوا معناه الخروج على أئمة الجور والظلم، واستشهدوا بالآية “ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة” على أنه الخروج في سبيل الله.. ورأيهم في نظام الحكم “الإمامة والخلافة” هو تقرير صلاحها لكل مسلم، بصرف النظر عن نسبه وجنسه ولونه، وهم يتميزون بذلك عن الفرق التي تشترط النسب القرشي أو الهاشمي لمن يتولى منصب الإمام، والخوارج هنا هم الأقرب إلى روح الإسلام في هذه المسألة.. ومنهم من أجاز تولي المرأة لمنصب الإمامة العظمى، ووضع هذا الرأي في التطبيق.. ويُلحظ في الخوارج ميلاً عن قريش، في الوقت الذي احتكر فيه القرشيون -هاشميون وأمويون- الصراع على السلطة، فمن بين الأئمة الخوارج الذين عقدت لهم البيعة بإمرة المؤمنين لا نجد قرشياً واحداً”[16].
وعليه، فإنّ إخراج المعتزلة والخوارج ومنهم الإباضية من دائرة الاعتبار العلمي، ثم بناء دعوى الإجماع دونهم، لا يستقيم لا تاريخيًا ولا أصوليًا؛ إذ لا يصحّ إجماعٌ مع قيام خلافٍ معتبر، مستندٍ إلى أصول استدلالية واضحة، ولا يجوز إسقاط وزن مدرسةٍ فكريةٍ كاملة بسبب صراعها مع السلطة، أو رفضها لتوريث الحكم في قريش أو بني هاشم، سواء في صيغته الأموية أو العباسية أو الطالبية.
ولا تنهض دعوى الشذوذ حجّةً في هذا السياق؛ فكثيرٌ من الآراء التي يُظنّ اليوم أنّ عليها إجماعًا لم تستقرّ إلا في مرحلةٍ متأخرة، بعد أن تلاشت مدارس واجتهادات أُقصيت سياسيًا أو فكريًا. وقد عاد عددٌ من العلماء والباحثين المعاصرين إلى إحياء هذا الرأي، ونصرته بأدلّةٍ قرآنيةٍ وعقليةٍ متينة، من أمثال: الشيخ محمد أبو زهرة، والدكتور مصطفى محمود، والشيخ حسن الترابي، والدكتور طه جابر العلواني، والدكتور أحمد نوفل، وغيرهم من الباحثين المعاصرين في الفكر الإسلامي.
ومن ثمّ، فإنّ القول بعدم مشروعية الرجم ليس رأيًا طارئًا ولا شاذًا، بل هو امتداد لاجتهادٍ إسلاميٍّ عميق الجذور، لا يجوز إسقاطه بدعوى الإجماع، ولا إخراجه من دائرة البحث العلمي الجاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البخاري برقم 3475. ومسلم برقم 8 – 1688.[12] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 7/216.


حسبي الله ونعم الوكيل في كل من تصدّر للعلم والفتوى فشوّه الدين وحرّف مقاصده، ولبّس على الناس باسم الشرع. دماء الأبرياء في رقاب كل من أفتى وحرّض وبرّر، وافترى على الله ورسوله لتسويغ الجرائم. هؤلاء شركاء في سفك الدم الحرام، وسيحاسَبون على كل قطرة أُريقت بفتاواهم المضلِّلة وتأويلاتهم الباطلة.
جزاكم الله خيرًا على تبيين الحق، وجعل ذلك في ميزان حسناتكم.
تأصيل منطقي يستند على القرآن، والأمر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار
بحث كامل ووافي جزاكم الله الكاتب القيسي وجزاكم عنا كل خير
كل الاحترام والمحبة