السؤال:
هل يتخلّى المسيحي عن عيسى عليه السلام عند اعتناقه الدين الإسلامي؟
الجواب:
عند قراءة القرآن الكريم، يتبيّن أن عيسى عليه السلام يتمتّع بمكانة رفيعة بصفته رسولا (من أولي العزم)، وهو من أكثر الأنبياء ذِكرًا في القرآن، وتميز بأن كان ميلاده آية دالة على قدرة الله تعالى في الخلق. كما تحظى أمّه مريم عليها السلام بتقدير عظيم، إذ يصفها القرآن بأنها امرأة مطيعة لله حفظت عفّتها وصدّقت بكلمات الله وكتبه ﴿التحريم: 12﴾. كما قدمها على أنها المرأة القدوة التي يضرب بها المثل في الالتزام ﴿التحريم: 11﴾، وقد خُصِّصت لها سورة كاملة تحمل اسمها، وهي سورة مريم (19)، وهذا شرف عظيم لم تحظ به غيرها.
التصوّر القرآني لعيسى ومريم عليهما السلام:
قال الله تعالى:
﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله يبشّركِ بكلمةٍ منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين﴾ ﴿آل عمران: 45﴾
يذكر القرآن الكريم المعجزات التي أُيِّد بها عيسى عليه السلام، والتي أجراها بإذن الله تعالى. ويبيّن الله سبحانه أنه أيّده بروح القدس، أي المَلَك جبريل عليه السلام:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [المائدة: 110]
والآية التالية تتناول المعجزات التي أيده الله تعالى بها، قال تعالى:
﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 49]
رسول الله، وكلمته، وروحٌ منه
يَرِد اسم عيسى عليه السلام في القرآن الكريم في الغالب مقرونًا بالأوصاف التي ذكرتها الآية التالية:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: 171]
الأوصاف هي: (رسول الله، وكلمته، وروحٌ منه).
وكونه رسول الله فهو كغيره من رسل الله يبلغ عن الله رسالته ويقدم القدوة:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75]
المسيح لم يدعُ الناس إلى عبادته، بل دعاهم إلى عبادة الله وحده. ينقل القرآن الكريم قول المسيح أمام ربه يوم الحساب:
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [المائدة: 117]
ثم يؤكد القرآن أن المسيح كغيره من الأنبياء لن يستنكف أن يكون عبدا لله خاضعا له:
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 172]
وهذا ينسجم تمامًا مع ما نُقل عنه في الكتاب المقدّس من دعوته إلى توحيد الله:
“فجاء واحدٌ من الكتبة وسمعهم يتباحثون، ولمّا رأى أنّه أجابهم حسنًا سأله: أيّةُ وصيّةٍ هي الأولى من الكلّ؟ فأجابه يسوع: الأولى هي: اسمع يا إسرائيل، الربّ إلهنا ربٌّ واحد، وتحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ فكرك، ومن كلّ قدرتك. وهذه هي الوصيّة الثانية: تحبّ قريبك كنفسك. ليسَت وصيّةٌ أخرى أعظم من هاتين”
(مرقس 12: 28–31)
القرآن الكريم يؤكّد أن توصيف المسيح بأنه إله أو ابن الله هو غلو فيه وخروج عن الحق:
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ، انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ، إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 171]
وكونُ عيسى كلمةَ الله التي ألقاها إلى مريم توضِّحُه الآيةُ التَّالية:
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء، إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. [آل عمران: 47]
وهذا يعني أنَّ المسيحَ عليه السلام الذي وُلِدَ من غيرِ أبٍ تكوَّنَ في رحم أمِّه فورَ صدور الأمر من الله بقوله “كُنْ”. فهو يشبه في خلقه آدم عليه السلام الذي خلق من غير أبوين، لذلك بدأ بالتَّكَوُّن فورَ صدور كلمةِ الله له بقوله “كن”. ويوضح هذا قوله تعالى:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. [آل عمران: 59]
ونفسُ الشَّيء يمضي على جملة البشر. يقول الله تعالى:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. [يس: 82]
إنَّ كون عيسى عليه السلام “كلمة الله وروح منه” ليس خاصَّا به وحدَه، بل يتعدَّى هذا التَّوصيفُ لغيره من البشر، والآية التَّاليةُ تُبيِّنُ أنَّ جميع البشر من روح الله تعالى:
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. [السجدة: 9]
معلومٌ أنَّ الرُّوح تُنفَخُ في الجنين وهو في رحم أمِّه، كذلك أشارت الآيتان التَّاليتان أنَّ عيسى عليه السَّلام نُفخت فيه الرُّوح وهو في رحم أمِّه مريم عليها السلام:
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. [الأنبياء: 91]
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. [التحريم: 12]
مكانة عيسى عليه السلام
إنّ نبيَّ الله عيسى عليه السلام لا تقلّ مكانته قدرًا عن مكانة النبيّ محمد، أو إبراهيم أو إسماعيل أو إسحاق،أو نوح، أو آدم عليهم السلام جميعًا، ولا عن أيّ نبيّ آخر أرسله الله تعالى:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 285]
وقد كان عيسى عليه السلام وحواريّوه من الخاضعين لله تعالى:
﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52]
والشخص الذي يُسلِم وجهه لله ويخضع له يُسمّى في اللغة العربية “مسلمًا”، وبناءً على ذلك، كان عيسى عليه السلام وأتباعه من المسلمين، شأنهم شأن سائر الرسل ومن آمن بهم. ولا يجوز للمسلمين تفضيل نبيٍّ من أنبياء الله على غيره تفضيلًا يُفضي إلى الانتقاص من الآخرين.
والمسيح _بهذا الوصف_ كغيره من أنبياء الله الذين كان جميعهم مسلمين لله:
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 132]
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 133]
الخلاصة
إنّ اعتناق الإسلام لا يعني ـ ولا يمكن أن يعني ـ التخلّي عن الإيمان بعيسى عليه السلام؛ فهو أحدُ أشرف أنبياء الله، وحلقةٌ كريمة وأساسيّة في سلسلة النبوّات التي أرسلها الله لهداية البشر، فلا يصح إيمان أحد دون أن يؤمن بنبوته ومكانته وخصوصية خلقه الذي مثَّل آية للعالمين.
فسلام الله عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، والحمد لله رب العالمين.


أضف تعليقا