حبل الله
ما المقصود بالموءودة في قوله تعالى: وإذا الموءودة سئلت

ما المقصود بالموءودة في قوله تعالى: وإذا الموءودة سئلت

السؤال:

السلام عليكم، ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ التكوير (8) هناك من فسر (الْمَوْءُودَة) أنها المكبوتة من ولي أمرها كما نرى في بعض المجتمعات التي تمنع النساء من التعليم أو العمل أو حتى مجرد الخروج من المنزل لمجرد أنها أنثى وعورة فأصبحت كالمقتولة وهي على قيد الحياة.. وليست البنات التي دفنت في التراب حيّة لأن كلمة وأد تعني كبت وأن الآية التي أخذوا منها معنى دفن البنات في الجاهلية هي قوله تعالى {يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سورة النحل: 59] والآية تتكلم بصيغه المذكر وهي عائدة على الخبر الذي بشروا به ويدسه في التراب تعبير مجازي عن أنه يتمنى لو لم يسمع هذا الخبر ويخفيه في التراب.. فكلمة يدسه غير كلمة يدفنه. في انتظار التوضيح وشكرًا مقدمًا.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله، نشكر السائلة الكريمة على مثل هذه التساؤلات التي تفسح مجالًا للتفكر، وفيها متسع لأن نبيِّن بعض النقاط التي ينبغي أن يضعها المتدبر للقرآن الكريم نصب عينيه؛ لنلقي الضوء على كيفية النظر فيها.

  • أولها، اليقين بأن هناك بعض آيات الكتاب – بخلاف آيات الأحكام والفرائض– تحمل في طياتها معان عديدة غير المعنى الظاهر، فلا يستطيع أحد أن يضعها في إطار محدود ولا تقف عند معنى واحد يُجزم بصحته ويُحكم على غيره بالخطأ، فنجدها تختلف في منظورها بين علماء اللغة أو التفسير أو الفلك أو الطبيعة، والمعنى الذي يحتل الصدارة هو الذي يخدمه السياق ويؤيده المنطق وتؤكده الآيات المتشابهات في مواطن أخرى، ففيها متسع للآراء ومجال للأفكار ومنهل للباحثين عن الحق.

فهذه الآيات تشبه الشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين، وكالبحر الذي تجدده أمواجه ويجود بالكنوز كلما نزل الغواصون في أعماقه.

فعندما تجول أمواج الفكر بين آيات الكتاب يجد القارئ والمتدبر نفسه في كثير من الأحيان أمام معنى جديد لآية قد مرَّ عليها من قبل مئات المرات فتبدو له كأنه يقرأها للمرة الأولى مصداقًا لقوله تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لقمان (27)

وأكبر مثال عليها هي الحروف المقطعة في بداية بعض السور، وغيرها من الآيات خاصة التي تتحدث عن الكون سمائه وأرضه ليله ونهاره شمسه وقمره والتي تتسع لمعان شتى.

  • وثانيها، التحرر من أكثر القيود الفقهية التي قيدت الكثير من كلمات القرآن أو حرفت معانيها وألصقت بها من التفاسير التي لم ينزل بها من سلطان؛ إذ أن بعض هذه القيود لم تراعِ قواعد اللغة من حيث الجذر اللغوي للكلمات ولم تنظر إلى وجود نفس الكلمة في سياقات متعددة في الكتاب نفسه، والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها، ما قيل في تفسير معاني الـ (كواعب) و(حور عين) والطمث الذي أُعطي معنى العلاقة الجنسية والتي بُنيت على تصورات في أذهانهم، وقد اشتهرت هذه التصورات إلى الحد الذي غلب المعنى اللغوي في كثير من الأحيان وهي بعيدة عنه كل البعد وعن المعنى الحقيقي للآيات البينات، للدرجة التي جعلوا من اسم النبي الكريم (لوط) علمًا على ارتكاب الفاحشة! وحصروا أكثر نعيم الجنة للذكور دون الإناث، وغير ذلك من الأمثلة.
  • النقطة الثالثة، ضرورة التفريق بين الآيات الخاصة الموجهة إلى فئة بعينها في الدنيا، وبين الآيات العامة في الإخبار عن الآخرة، سواء في الوعد بنعيم الجنة أم الوعيد بعذاب جهنم.

ولكي يتضح الفرق فلننظر في آيات البشارة والنعيم في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ… وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة (155) فالبشرى هنا تخص الصابرين حال البلاء، كقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ الحج (35) فتخص الآية هنا فئة المخبتين الذين بينت أوصافهم، وكقوله ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ آل عمران (134) الذي يتحدث عن المتقين المتصفين بتلك الصفات في الدنيا.

وكذلك آيات العذاب كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ الأعراف (152) فالخزي والغضب هنا يختص بالمفترين الذين اتخذوا العجل، وقوله الذي يخص القاتل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ النساء (93) فالآيات السابقة تتحدث عن أعمال محددة والمترتب عليها الجزاء في الدنيا والآخرة.

وهذا بخلاف الآيات التي تتعلق بالحديث عن أهوال يوم القيامة والجنة والنار بشكل مجمل عن الأعمال دون تخصيص فئة بعينها، ومن أشهر الأمثلة عليها:

  • ما جاء في سورة الواقعة التي قسمت الناس في ذلك اليوم إلى فئات ثلاث ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ . وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ . وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الواقعة (10) والذي يعني بالضرورة أن السابقين وأصحاب اليمين يدخل فيهم أصحاب الأعمال الصالحة السابق ذكرهم في آيات الخطاب في الدنيا كالصابرين والمخبتين والمحسنين، وكذلك أصحاب المشأمة يدخل فيهم القاتل والسارق والمجرم والظالم وأصحاب العجل وآل فرعون… إلخ دون تخصيص لفئة محددة لكلا الفريقين أصحاب الجنة أو أصحاب النار.

فإذا أخذنا هذه النقاط في عين الاعتبار عند إرادة فهم الآية موطن الشاهد بل السورة من بدايتها نجدها ينطبق عليها القول بأنها من الآيات متعددة المعاني التي اختلفت حولها التصورات والأفكار.

  • فالتفسير المأثور والمشهور عنها أنها البنت التي دفُنت حية وأن السؤال الموجه إليها ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ التكوير (8: 9) قد جاء على سبيل التوبيخ لقاتلها، وهذا التفسير رغم شهرته فهو يعتمد على بعض الروايات ولا يعتمد على قواعد البيان اللازمة من حيث مراعاة السياق ولا المتشابهات.

إذ أن كلمة (الموءودة) لم يأتِ ذكرها عند الحديث عن البشرى بولادة الأنثى في قوله تعالى ﴿يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ النحل (59) ولكنهم اعتمدوا على الربط بين معنى كلمتي (الوأد والدس) لقولهم أنهما يشتركان في نفس المعنى، وهو وضع الشيء وتغطيته.

  • والتفسير الحديث الذي تبناه عدة مفكرين والذي أشارت إليه السائلة الكريمة بأن (الموءودة) هي المكبوتة التي حُرمت من حقوقها سواء أكان من الميراث أو التعليم أو من حق اختيار طريقها كما تريد، وأن قوله تعالى (يدسه في التراب) عائد على الخبر الذي بُشروا به، وذلك كناية عن عدم رغبتهم في مواجهة أحد بهذا الخبر السيء، واعتمدوا في تفسيرهم على أنه تعالى لم يقل (يدفنه في التراب).

والحق أنه وعلى الرغم أننا لا نستطيع إنكار كلا التفسيرين – إذ أنه وكما ذكرنا أن الآية الكريمة ليست من الآيات محددة المعنى – ولكنه في الوقت نفسه فإن السياق والآيات المتشابهات لا تخدم كلا الرأيين، وذلك من عدة وجوه:

  • فبالنسبة للتفسير الحديث، الذين بنوا رأيهم على أن الدفن لم يُذكر في الآيات التي تحدثت عن ولادة الأنثى، فليس ذلك دليلًا في حد ذاته إذ أن كلمة الدفن لم تأتِ في القرآن كله باللفظ، وإنما جاء بألفاظ أخرى كتورية السوأة في قوله ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ المائدة (31) والإقبار ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ عبس (21)
  • كما أنه لو أراد تعالى بأن (الموءودة) هي (المكبوتة) لقالها صراحة، وخاصة أن الكلمة ليست غريبة عن القرآن كقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ المجادلة (5) وقوله ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ آل عمران (127)

هذا من الناحية المتعلقة بالكلمات.

بالإضافة إلى أن الكبت – وإن كان بالفعل قد تعرضت له الكثير من النساء – ولكنه لم يقتصر على الأنثى بشكل خاص، فكم من ذكور كبتوا وظلموا من أهلهم وعشيرتهم لاتصافهم بطيبة القلب وتجنبهم الشر، وكم من الشباب والرجال من سجناء ومعتقلي الرأي الذين كُبتت حريتهم ووأدت أقلامهم وأصواتهم وقتلوا وهم على قيد الحياة!

وبالتالي فإن اختصاص (الموءودة) بأنها الأنثى المكبوتة فيه إهمال لفئات أخرى كُبتت وظُلمت، هذا بخلاف عدم وجود دليل من السياق.

  • وبالنسبة للتفسير المشهور، فالسؤال ذاته الذي يطرح نفسه هنا:

لماذا حُددت هنا (الموءودة) فقط بالأنثى، وخاصة أنها كانت فئة قليلة – مع عدم الاستهانة بالفعل – ولكن القصد أنه كما قُتلت بعض البنات وهن في المهد زمن الجاهلية، فكذلك قٌتل وذبح الكثير من الأبناء الذكور في مهدهم من ذرية بني إسرائيل على يد فرعون وجنوده ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ الأعراف (141) فأين هؤلاء الأبناء من السؤال يوم القيامة عن الذنب الذي قتلوا من أجله؟!

  • فإن قيل أن (الموءودة) خاص بالإناث لأنهن دفن أحياء.

يرد على ذلك، ألم يكن الذكور كذلك أحياء عند قتلهم؟ فما الفرق بين طفل ذُبح وبين طفلة دُفنت؟ فهل الذبح في قوله ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ…﴾ البقرة (49) أخف وأرحم من الدفن؟! ألم يكن الطفل حيًا قبل ذبحه؟ فأين الرضيع المذبوح من هذا التساؤل؟ ولماذا ذُكر ذنب القاتل لابنته دون غيره من قتلة الأبناء؟!

ولو كان الوأد هو للإناث خاصة، فلماذا لم ينهَ تعالى عنه واكتفى بالنهي عن قتل الأولاد بصفة عامة في قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ الإسراء (31) فلم لم يقل (ولا تئدوا بناتكم) كما قال (ولا تقتلوا أولادكم)؟!

وخاصة أن القرآن الكريم أولى عناية كبيرة بالتحذير والنهي عن قتل الأولاد وتوعد فاعليه في الدنيا والآخرة في كثير من آياته منها: ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ… قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ الأنعام (140) وقتل الأولاد يشمل الذكر والأنثى، فهل سيسأل كذلك الموءود الذي قتله أبوه طفلًا وليدًا (سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)؟

  • وبصرف النظر عن قلة أو كثرة عدد البنات اللاتي قُتلن، فالسؤال هنا، هل سُيعاقب الأب الذي قتل ابنته على قتلها فقط، أم على كفره وشركه وبقية معاصيه؟

فالقاتل ابنته في الجاهلية بين أمرين، فإن كان ممن آمن وتاب، فالمفترض أن يجُب الإسلام ما قبله، وبالتالي لن يُعذب على فعله الجاهلي الذي تاب عنه،

وإن كان مشركًا ولم يؤمن قبل موته، فسوف تسعر له جهنم سواء أقتل ابنته أم أبقاها؛ إذ أن ذنبه لا يقتصر على قتلها، فلماذا حُصر ذنب المشرك على قتل البنت هنا وهو الذي كفر بالله تعالى وحارب رسوله؟ فهل بعد الشرك ذنب؟!

ومن هنا علينا قراءة الآيات بمنظور آخر خارج صندوق دفن البنات أو قتل الأولاد، وذلك بالنظر في اللفظ وسياقه وبربطه بالمتشابهات، وقد قمنا بتدبرها على النحو التالي:

  • فعند النظر في السياق، نجد عدم وجود علاقة من بداية السورة بقتل البنت وهي حية؛ إذا أنها من السور التي تتحدث من أولها عن قيام الساعة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ التكوير (1) وبالتالي يدور الحوار فيها بشكل عام وليس خاصًا بفئة معينة كما بينَّا.

وبما أن السورة تتحدث عن يوم القيامة وليست موجهة لفاعل ذنب بعينه دون آخر، وقد جاء في السياق: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ التكوير (12) فليس من المنطقي أن يقول تعالى أن الجحيم سوف تسعر خاصة لمن وأد ابنته دون غيرهم من المجرمين والقتلة – وخاصة قتلة الأطفال قبل زمن الجاهلية ومن بعدها إلى يوم القيامة – الذين سفكوا الدماء واغتصبوا وعذبوا وشردوا وجوَّعوا المئات والآلاف من الأطفال ذكورًا وإناثًا – هذا إذا تحدثنا فقط عن قتلة الأطفال وغضضنا الطرف عن إزهاق أنفس الرجال والنساء سواء في الحروب أو الاستعمار وغيرها من ألوان الظلم والطغيان ضد الإنسان بشكل عام.

  • وعند النظر في الآية السابقة لها مباشرة ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ التكوير (7)

فكذلك هذه الآية من المختلف في تفسيرها، فقيل أن النفس زوجت بالبدن أي جمعت النفوس بأبدانها التي قد بُليت.

وقيل زوجت بأعمالها وبأمثالها ونظائرها ؛ وذلك بدليل التعبير بكلمة (النفوس) وليس (الأنفس) إذ أن هناك فرقا بينهما، فعندما يتكلم القرآن عن المخلوق ذاته حياته ومماته وظاهره وباطنه يأتي التعبير بالأنفس كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا…﴾ الزمر (42) وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا، اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ هود (31)

وعندما يتكلم عن داخله ومكنونه فقط يأتي التعبير بالنفوس كقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ الإسراء (25)

ومما يؤكد ذلك أنه عند الحديث عن الخلق فإن (الأنفس) هي التي تُزوج كقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ الشورى (11) ولم يقل (جعل لكم من نفوسكم أزواجًا)

وأما عند الحديث عن الضمائر والأعمال فإن (النفوس) هي التي تزوج ولذا قال تعالى ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ولم يقل (وإذا الأنفس زوجت)

والتزاوج في الآخرة حسب الأعمال وليس حسب الذات كقوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ يس (56) وقوله ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ الصافات (22) فقد قسم تعالى الأزواج حسب نفوسهم يوم القيامة: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ الواقعة (7)

  • أما لفظ (الموءودة) فهو يتشابه في الأحرف والجذر اللغوي لكلمتي (يَئُودُهُ) و (إِدًّا) في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ البقرة (255) وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ مريم (89) فالله تعالى (َلَا يَئُودُهُ) أي لا يعيه ولا يجهده ولا يثقله، كما أن الإد من القول هو الفظيع المنكر الثقيل الذي يُعي الأرض ولا تتحمله الجبال، ولذلك قال تعالى عن هذا الإد أنه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ مريم (90)

فبالبحث عن أصل الكلمة تبين أنه بحسب ما جاء في مقاييس اللغة ولسان العرب فإن كلمتي الموءودة ويؤوده لهما نفس الجذر (أَوْد)

  • يقول ابن فارس إن للجذر (أَوْد) أصلًا واحدًا يدلّ على ثِقَلٍ في الشيء ومَيلٍ وانحراف
  • ومن هذا الأصل تتفرّع المعاني التالية:
  • آده الأمر: أثقله وأتعبه.
  • الأود: العِوَج في الشيء كالعِوَج في العود أو الجبل.
  • الأود في الخُلُق: الانحراف عن الاستقامة.
  • فالمعنى الجامع: ثقل أو ميل عن الاعتدال.
  • وجاء في لسان العرب: وَأَدَ يَئِدُ وَأْدًا: بمعنى دَفَنها حيّة (كما في الموءودة)
  • أصلُه: الضغط بشدة حتى يُخمد الشيء.
  • لذلك يُقال: “وأدتُ النار” أي أخمدتها وغطّيتها.
  • آدَ يُؤُودُ: بمعنى: أثقلَه، أتعبه، أعياه.
  • تستخدم في التعب والإرهاق.
  • ومنه: {ولا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} أي لا يُتعبه ولا يُثقله.
  • الأَوْد (بفتح الهمزة): العِوَج في الأعواد والأخشاب.
  • يُجعَل مجازًا في الأخلاق: “فيه أود” أي عدم استقامة.

ليكمل المعنى عند النظر في قوله تعالى: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ التكوير (9) فالقتل هنا لا يعني إزهاق النفس أو الدفن، وإنما يعني قتل النفس بإهلاكها وعذابها وظُلمها بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ… وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ النساء (29) فالقتل هنا ليس إزهاقًا للنفس وإنما قتلها بالإهلاك والعذاب.

ويؤيد ذلك قوله تعالى عن عذاب يوم القيامة: ﴿فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ . عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ . ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا… فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ المدّثر (9: 20).

وقوله ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ عبس (17)

وقوله ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ البروج (4)

وقوله ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ الذاريات (10)

مما يدل على أن القتل المقصود هنا (الخاص بيوم القيامة) يعني إرهاق وإهلاك النفس وإثقالها بالمعاصي وإعيائها بالذنوب والقضاء عليها بعذابها في نار جهنم.

ومن هنا نستطيع القول:

  • بأن ﴿النُّفُوسُ﴾ التي ﴿زُوِّجَتْ﴾ وانقسمت إلى أزواج ثلاثة كما جاء في سورة الواقعة.
  • فكان منها قسم النفوس ﴿الْمَوْءُودَةُ﴾ وهي نفوس أصحاب المشأمة التي ﴿سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ التكوير (9)
  • والمتسائلون هنا هم أصحاب اليمين الذين يوجهون لتلك النفوس الموءودة التي وأدت نفسها، بأي الذنوب قُتلت؟

وذلك بدليل قوله تعالى في موطن آخر: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ . إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ . فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ . عَنِ الْمُجْرِمِينَ . مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾؟؟ المدّثر (38: 42)

ليجيب عليهم هؤلاء المجرمون بسرد الذنوب التي أسلكتهم في سقر: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ . وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ . وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ . حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ المدّثر (43: 47).

فالنفوس كثيرة، وكما أن هناك النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة والنفس المطمئنة والنفس التي نهاها صاحبها عن الهوى، فهناك النفس الموءودة وأدت نفسها بذنوب أعيتها وأثقلتها وأهلكتها.

وختامًا:

إن قتل النفس من أكبر الكبائر وإحيائها من أعظم الأعمال: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ المائدة (32) وسواء أكان هناك دفن لبعض الإناث في الجاهلية أو لم يكن، فإن محاولة إثباته أو نفيه لا يفيد الآن؛ إذ أن قتل الأولاد (ذكورًا أم إناثًا) مذكور في كتاب الله تعالى الذي توعد فاعليه بالخسران والعذاب في الدنيا والآخرة: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ الأنعام (140).

كما أن القتل المنهي عنه في قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ الإسراء (31) هو القتل بكل أشكاله، فيشمل القتل المادي من إزهاق النفس وسفك الدم وإجهاض الجنين، أو القتل المعنوي بالتفريط في حقوقه بكبته وظلمه واستخدام أسلوب العنف والقسوة في التربية، أو الإفراط بكثرة التدليل مما ينتج عنه انحراف كثير من الشباب وضياعهم في غيابات المنكرات والفواحش، وهذا القتل كما بينه تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) غير مقتصر على الإناث على الرغم من شيوعه فيهن بحرمانهن من التعليم وأكل حقوقهن في الميراث وتزويجهن في سن صغيرة وكبت رغباتهن وقمع آرائهن، ولكنه كذلك يشمل الذكور الذين يقتلهم آباؤهم إما بالتقتير والإذلال أو بالكبت مما أدى إلى ضعف شخصيتهم وعدم قدرتهم على اتخاذ القرارات مما أودى بحياة حالات كثيرة من الانتحار وإدمان المخدرات هروبًا من قتل أرواحهم ذكورًا وإناثًا.

وسواء أكان معنى ﴿الْمَوْءُودَةُ﴾ هي وصف للنفوس التي قتلت نفسها بالذنوب – حسب تدبرنا – أم كانت البنت التي دُفنت حية، أم كانت المكبوتة، أم بدا لنا أو لغيرنا من المفكرين المتدبرين فيما بعد معنى آخر فــ ﴿لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ﴾ ولا ضير مادام هدفنا هو البحث عن الحق، وقد أنزل تعالى كتابه الذي أمرنا بتدبره ونهانا عن التعجل في فهمه وحثنا على أن نستعين به سبحانه في الاستزادة من علمه الواسع وعلم كتابه الكريم حين قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ طه (114).

الباحثة: شيماء أبو زيد

التعليقات

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.