حبل الله
هل يجب إعطاء المال/الصدقة لكل سائل؟

هل يجب إعطاء المال/الصدقة لكل سائل؟

السؤال:

سؤالي عن الحق في المال غير الزكاة، هل يجب على المسلم أن يُعطي السائلين والمحتاجين كلما رآهم أو علم بحاجتهم، بناءً على النصوص التي ذكرت الإنفاق على ذوي القربى والمساكين والسائلين، كقول الله تعالى:

(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة…)

وقوله تعالى:

(وفي أموالهم حق للسائل والمحروم)

وكذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة).

وغير ذلك من النصوص. ومع كثرة ما يُعرض من حالات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يومي، وقد تصل إلى مئات الحالات المحتاجة فعلاً، ماذا يجب على الإنسان أن يفعل في هذه الحالة؟ فأنا أتأثر وأرغب في مساعدة هذه الحالات، لكن لا يمكنني مساعدة الجميع، وحتى لو حاولت مساعدة أكبر قدر ممكن فقد لا يتبقى معي مال كافٍ للمستقبل.

فما هو الضابط الشرعي في التعامل مع هذا الأمر، وما الذي يجب عليَّ فعله في مثل هذه الحالة دون أن أقصر في حق الله أو أُرهق نفسي ماليًا؟

الجواب:

الأصل أن الحقوق المتعلقة بالمال نوعان: حقٌّ واجب، وحقٌّ غير واجب. فأما الحق الواجب فهو الزكاة المفروضة التي دلّ عليها الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]، وهي حقٌّ محدد المقدار والجهات، لا يسع المسلم تركه. وأما ما عدا ذلك من الإنفاق على الفقراء والمساكين والسائلين فهو داخل في باب الإحسان، وهو من أعظم القربات، لكنه في الأصل غير واجب على التعيين في كل فرد من أفراد السائلين.

وأما قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ‌وَآتَى ‌الْمَالَ ‌عَلَى ‌حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]  ،

وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19]،

فإن هذه النصوص محمولة على بيان فضل الإنفاق وكونه من خصال البر، أو على الزكاة الواجبة وما يلحق بها من وجوه المعروف، ولا تدل على وجوب إعطاء كل سائل بعينه كلما وُجد، إذ لو حُمِلَت على ذلك للزم التكليف بما لا يُطاق، وقد قال الله تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

وقال تعالى في الإنفاق:

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29]

وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته…»[1] ،

وهو دليل على فضل قضاء الحاجات لا على وجوبها في كل صورة. كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

«ابدَأْ بنَفسِكَ فتَصَدَّقْ عليها، فإن فضَلَ شيءٌ فلأهلِكَ، فإن فضَلَ عن أهلِكَ شيءٌ فلِذي قَرابَتِكَ، فإن فضَلَ عن ذي قَرابَتِكَ شيءٌ فهَكَذا وهَكَذا»[2]

وهذا نصٌّ في تقديم نفقة النفس ومن يعول على غيرهم.

ومن القواعد المحكمة في هذا الباب ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:

«إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»[3]

وفيه دلالة واضحة على أن حفظ المال بالقدر الذي يحقق الكفاية للمكلَّف ومن يعول مقصد معتبر شرعًا، وأن التوسع في الصدقة بحيث يؤدي إلى الإضرار بالنفس أو العيال ليس من المشروع.

وعلى هذا، فإن الضابط الشرعي أن ينفق المسلم في وجوه البر بقدر استطاعته من غير إضرار بنفسه ولا بمن تلزمه نفقتهم، وأن يُرتّب الأولويات، فيقدّم القرابة المحتاجين، ثم الأشد حاجة.

وينبغي التنويه أن المسلم إذا لم يستطع أن يعين السائل بالمال فلا أقل من أن يواسيه بكلمة طيبة أو دعاء صادق عملا بعموم قوله تعالى:

﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا ‌فَقُلْ ‌لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴾ [الإسراء: 28] 

وخلاصة الأمر أن ما زاد على الزكاة من الصدقات بابُ فضل وإحسان، لا باب إلزام وتعيين في كل سائل، وأن العبد مأجور على ما بذل، غير مؤاخذ بما عجز عنه، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، فالمطلوب تحقيق التقوى بحسب الوسع، مع بقاء القلب حيًّا بالرحمة، والعمل منضبطًا بالحكمة، والله أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] صحيح البخاري (2442)، وصحيح مسلم (2580)

[2] صحيح مسلم (997)، والنسائي (2546)

[3] صحيح البخاري (2742) ، وصحيح مسلم (1628)

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.