حبل الله
تمنّي الموت للهروب من الأزمات الاقتصادية والحياتية

تمنّي الموت للهروب من الأزمات الاقتصادية والحياتية

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أكتب لكم وأنا في ضيق شديد. عليّ دين 2.5 مليون دج اقترضتها من العائلة والأصدقاء للاستثمار. خسرت في مشروع أول، ثم حاولت بآخر وسددت طرفاً تحت الضغط. كنت أدير نشاطاً فيه نحو 20 موظفاً، وكنت أدفع رواتبهم حتى مع الخسارة، أحياناً بالاستدانة. لكن عجزت عن دفع راتب شهر، فشرحت لهم ووعدتهم بالسداد بعد 6 أشهر، وخطَّطت وعملتُ عملين معاً ولم أوفق. الآن الموعد اقترب ولا أملك شيئاً غير هذا الهاتف و حاسوب محمول، والموظفون غاضبون وقد يتوقفون أو يلجؤون للقضاء أو التشهير، وأصحاب الديون يطالبون بعد صبر 3 سنوات. و هذا من حقهم. أعاني ضغطاً شديداً، أرقاً وتساقط شعر وارتفاع ضغط، وتأتيني أفكار بتمني الموت للراحة. أسألكم: هل يجوز للإنسان أن يتمنى الموت في مثل هذا الحال من شدة الضيق؟ – وإذا متّ وأنا في نيتي السداد، وأسعى له لكن لم أستطع، هل أكون آثماً في حق من لهم ديون عليّ؟ وسؤالي الأخير: وهل يجوز اللجوء لحرام أو شبهة (ربا، مراهنات…) فقط لسداد الديون وتفادي الضرر الكبير؟ أنا لا أبحث عن الربح أو الزيادة، وإنما فقط أريد الخروج من هذا الوضع وسداد ما عليّ. جزاك الله خيراً.

الجواب:

نفهم من كلام السائل الكريم أنه يمرّ بضيق شديد، نسأل الله تعالى أن يفرج عنه وأن ييسر له أسباب الرزق، وسنحاول الإجابة على هذه التساؤلات باختصار:

أولًا: في مسألة تمني الموت عند الشدة

الأصل عدم جواز تمني الموت لضرٍّ نزل بالإنسان، لأن المسلم مطالب بالسعي والصبر والمجاهدة وليس الهروب من المسؤولية. وقد ذم الله تعالى من يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة بقوله:

﴿‌وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: 6] 

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

«لا يتمنينّ أحدكم الموت لضرٍّ نزل به، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي»[1]

في الحياة فرصة للتوبة والعمل وقضاء الحقوق. وعلى هذا فالحال المذكور لا يبيح تمني الموت، بل المشروع السعي ودوام المحاولة مع الدعاء وطلب الفرج. قال الله تعالى:

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ ‌الْعُسْرِ يُسْرًا. فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 5-8] 

الآيات من سورة الشرح تؤكد أنه لا عسر دون يسر، والمطلوب من المسلم _حتى يتجاوز العسر_ هو السعي بدون كلل أو ملل: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) وأن يستعين على ذلك كله بقوة الله تعالى وحوله راغبا بكرمه.

ثانيًا: في حكم من مات وعليه دين مع نيته السداد

من استدان وهو عازم على الوفاء، باذلٌ وسعه في السداد، ثم عجز، فلا إثم عليه من جهة القصد، بل يُرجى له الخير، لأنه فعل كل ما هو مطلوب منه من السعي والتوكل.

وقد روي أن النبي ﷺ قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله»[2]

لكن يبقى الدين حقًا ثابتًا في ذمته لا يسقط بالموت، فيُقضى من تركته إن وُجدت، فإن لم تُوجد فالأمر إلى فضل الله، وقد كان النبي ﷺ يهتمّ بقضاء ديون الميت ويحضّ على ذلك. بل إن الغارمين هم واحد من مصارف الزكاة الثمانية التي نصت عليها الآية 60 من سورة التوبة. فالعبرة هنا بالنية الصادقة مع السعي، لا بمجرد العجز.

ثالثًا: في اللجوء إلى الحرام لسداد الديون

لا يجوز شرعًا التوسل بالحرام ـ كالرِّبا أو المراهنات ـ بقصد سداد الديون، لأن القاعدة المقررة أن «الوسائل لها أحكام المقاصد» وأن «الحرام لا يُستباح لتحصيل مصلحة مالية». وقد دلّ على تحريم الربا نصوص قطعية، منها قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279].
كما أن المراهنات داخلة في الميسر المحرّم، قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا ‌الْخَمْرُ ‌وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90] 

فلا يُعالج الخطأ بخطأ أعظم منه، ولا تُدفع المفسدة بمفسدة أكبر، بل الواجب سلوك الطرق المشروعة، كالتفاوض مع الدائنين، وطلب الإنظار، والسعي في الكسب الحلال.

رابعا: حلول عملية للسداد

أول ما ينبغي تقريره أن الشريعة لم تكتفِ بالأمر بالسداد، بل قرّرت كذلك مبدأ التيسير على المعسر، قال تعالى:

﴿وَإِنْ كَانَ ذُو ‌عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280] 

فهذا أصل عظيم يمكن أن يُبنى عليه التعامل مع الدائنين، وهو أن طلب التأجيل ليس حرجًا إذا كان الإنسان صادقًا في عجزه.

وعليه فإن الخطوة الأولى هي المصارحة الواضحة مع جميع الدائنين دون تأخير، فيُبيّن لهم حقيقة الوضع بلا تزيين ولا إخفاء، ويُظهر لهم أنه لم يكن مفرّطًا بل اجتهد وخسر، وأنه عازم على السداد، فغالب الناس إذا علموا الصدق رقّ قلبهم، خاصة مع وجود أصل شرعي يحثّهم على الإنظار والتخفيف.

ثم ينتقل إلى إعادة ترتيب الديون، فيُقدّم ما كان آكد حقًا، كحقوق الموظفين (الأجور)، لأنها من أعظم الحقوق، وقد قال النبي ﷺ كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»[3] فيُحاول قدر الإمكان وضع خطة لسداد جزء منها أو جدولتها أولًا، ثم بعد ذلك بقية الديون.

ومن الحكمة كذلك تقسيم الديون إلى أقساط صغيرة واقعية، ولو كانت قليلة، لأن الدائن غالبًا يطمئن إذا رأى التزامًا مستمرًا ولو يسيرًا.

كما يُنصح بالسعي في الاتفاق على التسوية، كأن يُطلب من بعض الدائنين إسقاط جزء من الدين أو تأجيله أو تحويله إلى شراكة أو عمل، وهذا جائز إذا تمّ برضا الطرفين، وهو من الإحسان المندوب، بل قد يدخل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 280].

وفي الجانب العملي اليومي، ينبغي أن يعتمد على مبدأ ترتيب الأولويات في الإنفاق، فيبدأ بالضروريات لنفسه ومن يعول، ثم ما يمكن توجيهه للسداد، ويبتعد تمامًا عن أي مخاطرة مالية جديدة، لأن الدخول في مشاريع غير مضمونة في حال العجز يزيد الضرر ولا يرفعه.

ومن الوسائل المعاصرة النافعة البحث عن دخل مستقر ولو كان بسيطًا بدل انتظار مشروع كبير، لأن الاستقرار ولو قليلًا يعين على الوفاء التدريجي، ويُعيد الثقة أمام الدائنين.

ولا يُغفل جانبًا مهمًا وهو الاستعانة بالدعاء، فقد كان النبي ﷺ يدعو بقوله: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك»[4] وكان يستعيذ من غلبة الدين، لما فيها من همٍّ وذلّ.

وخلاصة هذا المنهج أن يتعامل الإنسان مع أزمته بثلاثة أركان مترابطة: صدق مع الله في النية، ووضوح مع الناس في الواقع، وحكمة في التخطيط والتنفيذ. فمن جمع هذه الثلاثة، فإنه على طريق الفرج بإذن الله، حتى لو تأخر، لأن الله وعد بالتيسير لمن اتقاه، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2].

الخلاصة:

لا يجوز تمني الموت لمجرد الضيق، بل يدعو بالدعاء المأثور ويصبر، وأنه إن كان صادق النية في السداد وبذل وسعه فلا إثم عليه، وإن مات بقي الدين في ذمته يُقضى من تركته، وأما اللجوء إلى الحرام لسداد الديون فغير جائز بحال، بل الواجب التزام الحلال مع السعي والاجتهاد، والله أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  صحيح البخاري (5671)  وصحيح مسلم (2680)

[2]  صحيح البخاري (2387 )

[3]  سنن ابن ماجه (2443)

[4]  سنن الترمذي (3563)

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.