السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبتي في الله، يقول الله عزَّ وجلَّ في سورة فصلت: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾. ما العلاقة بين فرضية جعل القرآن أعجمياً وتفصيل آياته؟ وهل المقصود بالأعجمي هنا ليس “الأجنبي” (أي غير العربي) أم “غير المفهوم والغامض”؟ جزاكم الله عنا كل خير.
الجواب:
وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، نرحب بالسائلة الكريمة ونحيها على حسن تدبرها، وجعلنا الله وإياها ممن ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
عند إرادة فهم علاقة الأعجمي بالتفصيل، ينبغي علينا أن نبين مفهوم كلمتي العربي والأعجمي في كتاب الله تعالى وكتب اللغة.
المعنى الشامل لـ (العربي) و(الأعجمي)
وعند الرجوع إلى الأصول اللغوية وسياقات الاستعمال القرآني، نجد أن اللفظين يحملان دلالة فكرية ومنهجية واسعة:
- مادة (ع-ر-ب): تدل في أصل لسان العرب على الإبانة، والظهور، والوضوح، والكمال في التعبير؛ يُقال: “أعربَ الرجل عن حاجته” إذا أوضحها وشرحها جلياً دون غموض.
- مادة (ع-ج-م): تدل في أصلها على الخفاء، والغموض، والاستغلاق، والقصور عن الإفصاح؛ ويُقال في لسان المرء “عُجمة” إذا كان كلامه غير مفهوم أو ملتبساً.
وقد اختص الله تعالى لسان العربية ليكون وعاءً لرسالته الخاتمة؛ لما يتمتع به هذا اللسان من اتساع في الألفاظ، ودقة في التراكيب، ومرونة في الاشتقاق، وإحكام في الإبانة، وهي خصائص فريدة جعلته صالحاً لترجمة مضامين الوحي ونقلها للبشرية كافة على اختلاف ألسنتها؛ غير أن حصر ثنائية (عربي/أعجمي) في دلالتها العرقية أو القومية فحسب، يضيق ويقلل من عالمية الخطاب القرآني الموجه للبشرية كافة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [ص: 87] ليصبح الخطاب كأنه امتياز خاص بالعرب دون غيرهم، ومن هنا دعت الحاجة للقراءة المعرفية المبنية على البيان القرآني.
البعد المعرفي للفظ العربي في كتاب الله تعالى
ورد وصف “العربية” في النص القرآني على مستويين متكاملين: مستوى الوسيلة والوعاء (اللسان العربي)، ومستوى المنهج والمضمون (القرآن العربي)
1. وصف اللسان بالعربي (الوسيلة والوعاء)
يرتبط وصف اللسان بالعربي بأداة النطق الناقلة للرسالة، ووظيفته إبلاغ المعنى بوضوح، ونفي العُجمة اللفظية، وقطع الحجة على المخاطَبين بلسانهم:
- وهي القاعدة الكلية لبيان الرسالات: كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4] تضع هذه الآية قاعدة حاكمة لكل الرسالات السماوية؛ فاللسان ليس مقصوداً لذاته أو للتفاضل العرقي والجغرافي، وإنما هو وسيلة لأداء وظيفة حصرية وهي الإبانة والتوضيح: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، فالقرآن الكريم ينطلق من قانون التبيين العام للرسل، حيث اللسان وسيلة إظهار وإبانة لا غاية عرقية.
- بيان الرسالة المباشر: في قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 195] وجاء هذا الوصف لتأكيد أن الرسالة صِيغت بوعاء لغوي يفيض بالإفصاح والوضوح الذي يرفع كل إبهام.
- تصديق الكتب السابقة وتجليتها: في قوله: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَٰذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: 12] تقرن الآية بين كتاب موسى – الذي نزل بغير العربية التاريخية وكان إماماً ورحمة – وبين القرآن الذي جاء: ﴿مُصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا﴾ وهذا يثبت أن جوهر الهداية والرحمة واحد في كل الكتب الإلهية، ولكن القرآن تميّز بأنه يُصدّق ويُجلّي الحقائق السابقة عبر لسان عربي قائم على جلاء الإفصاح ونفي الغموض هدايةً للبشرية كافة.
2. وصف القرآن بالعربي (المنهج والمضمون الفكري)
يتجاوز الوصف هنا أداة النطق ليصل إلى مضمون الرسالة وغاية المنهج الشامل، ولذلك يقترن “القرآن العربي” دائماً بغايات التعقل، والتفكر، ونفي العوج:
- في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2] حيث جاء وصف “عربياً” متبوعاً بـ “تَعْقِلُونَ” لبيان أن طبيعة الخطاب العربي قائمة على الوضوح الذي يُحرّك الفكر ويُتيح للعقل إدراك مقاصده دون استغلاق.
- وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: 28] جاء وصف “عربياً” متبوعاً بنفي العوج؛ لبيان أن النص العربي هو الخطاب المستقيم الذي لا التواء فيه ولا اضطراب، ولا يحمل تعقيداً يضلل العقل أو يحجب الفهم.
- الوضوح الفاصل في التشريع: في قوله تعالى ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: 37] فالحكم العربي هنا لا يُقصد به انتساب لقومية العرب، بل يُقصد به القضاء النافذ، والتشريع البيّن الجليّ الذي يُفصّل الأحكام ويقطع النزاع بوضوح لا غموض فيه.
خلاصة الفارق: اللسان العربي هو أداة الإفصاح والوعاء الذي يمنع العُجمة اللفظية، بينما القرآن العربي هو المنهج والمنظومة الفكرية التي تمنع العوج والاضطراب.
البُعد المعرفي لـ “الأعجمي” وتفكيك المعنى في سورة فصلت
ويتضح معنى “العربي” في القرآن الكريم أكثر عندما نقارنه بـ “الأعجمي” فالإعجام في القرآن – كما أشارت السائلة الكريمة – ليس مجرد وصفٍ للغات الأجنبية عن العرب، بل هو وصفٌ لكل كلام غامض ومستغلق، يفتقر إلى الشرح والبيان الذي يحتاجه العقل ليصل إلى الفهم.
وسورة فصلت – وكما يبدو من اسمها – تضعنا أمام قانون إلهي محكم يربط بين طبيعة الخطاب وبين فطرة الإنسان وجهازه النفسي المُستقبِل، ويتجلى هذا في التدرج الواضح لآيات السورة:
- أولاً: أصل القرآن الواضح والمُفصَّل:
يبدأ هذا القانون من مطلع السورة في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: 3] فالعربية هنا هي الوضوح الناصع الناتج عن تفصيل الآيات وتفكيك الأحكام – ولا تعني العروبة والعرق – وإنما نصٌّ واضح في تبشيره وإنذاره، يلبي حاجة العقل البشري، ولكنهم ورغم هذا البيان: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: 4].
- ثانياً: الحجاب النفسي وانغلاق التلقي:
تبين الآيات أن سبب إعراضهم ليس غموضاً في القرآن، بل هو ساتر وضعوه بأنفسهم بين عقولهم وبين الخطاب البيّن: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: 5] فهذا الحجاب ليس لغوياً بسبب عُجمة، بل هو انغلاق قلبي تعمدوا وضعه بين عقولهم وبين الخطاب الواضح الواصل إليهم.
- ثالثاً: وضع الفرضية ومحاكمة العقل (الآية موطن الشاهد): ولأن العقل يرفض بطبعه المنهج الغامض، يأتي العتاب الإلهي بفرضية تُظهر تناقض اعتراضهم، وذلك عند تأمل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَٰئِك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: 44] نجد أن الآية الكريمة وضعت كلمة “أعجمي” في مقابل أمرين لتوضح المعنى كاملاً:
- المقابلة الأولى (أعجمي و فصلت) مستوى المضمون:
فالإعجام هنا يمثل الغموض، والإبهام، والاستغلاق، بينما يعبر التفصيل في اللغة عن تفكيك الأمور، وتمييزها، وتوضيحها فصلاً فصلاً حتى تتضح المعالم ولا يختلط بعضها ببعض.
ولو كان القرآن غامضاً ومبهماً، أو يحمل منهجاً غير مفهوم (أعجمياً)، لكان من حق المشركين أن يعترضوا قائلين: “كيف تطلب منا اتباع كتاب مستغلق لا بيان فيه؟ ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ وبُيّنت لنا حتى نفهمها؟!”.
فالتفصيل يرتبط في القرآن دائماً بالمضمون والأحكام (الكتاب والآيات)، ولا يُوصف به اللسان؛ فلا يُقال “لسانٌ مفصل”، بل يُسند التفصيل للقرآن وآياته، كما في قوله تعالى في مطلع السورة: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وفي مواطن أخرى كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: 114] وهذا يوضح أن الغموض والاستغلاق لا ينشآن من لسان النطق فقط، بل من عجز الخطاب عن تبيين الأحكام؛ فلما جاء القرآن مفصَّلاً من عند الله، انتفت عنه كل عُجمة، وصار منهجاً واضحاً يقطع الأعذار ويُبين الحق للجميع.
- المقابلة الثانية (أعجمي و عربي) مستوى اللسان والمنهج المركّب:
الاستفهام في قوله تعالى ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ ليس مجرد مقايسة بين لغتين، بل هو تبيانٌ لـ “عربية المنهج” القائمة على الوضوح والتفصيل، مقابل “العُجمة” التي تعني الغموض والتعقيد.
وبهذا السؤال يخاطب القرآن العقل والفطرة مباشرة: كيف يُقدَّم منهجٌ معقدٌ وغامض (أعجمي) لإنسانٍ فُطر في أصله على حب الوضوح والبيان (عربي) كوعاء ومضمون؟!
- جهاز الاستقبال: من عُجمة النص إلى عُجمة النفس:
لكن الواقع قطع هذا العذر، فجاء الكتاب في منتهى الوضوح، وهنا يلتفت السياق ليؤكد أن المشكلة ليست في النص بل في جهاز استقبال المتلقي، ويظهر ذلك في التباين التام بين حالتين:
-
- بالنسبة للمؤمن أيا كان عرقه ولسانه: يلتقي عقله وفطرته مع وضوح الرسالة، فيرى فيها طريقاً مرشداً يبدد حيرته، ودواءً يبرئ صدره: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
- بالنسبة لغير المؤمن حتى ولو كان عربيا: المشكلة لديهم هي عُجمة نفسية داخليّة، صممٌ في الوعي وعمى في البصيرة يحجبان بيان القرآن عنهم: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾، وبسبب هذا الحاجب النفسي، يتحول الكتاب العربي المبين في وعيهم إلى كلام “أعجمي” مبهم، ويصبحون في حالة تلقيهم كمن يُنادون من مسافات شاسعة لا تصلهم حقائقها: ﴿أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
منشأ الفرضية وتفكيك دعوى المشركين في سورة النحل:
إن هذه الفرضية ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا..﴾ لم تأتِ من فراغ أو كمجرد فرضية جدلية لا تستند إلى أساس، وإنما منشؤها اتهام المشركين للرسول ﷺ في موطن آخر حين قالوا: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحَدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]
فلم يقصد المشركون أن معلّم الرسول ﷺ رجلٌ أجنبي، وإنما أرادوا الطعن في المصدر الإلهي للوحي بادعاء أنه كلامٌ بشري، وجاء رد القرآن حاسماً بوصف كلام المعلم البشري بأنه ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾؛ أي لسانٌ قاصر وعاجز عن الوصول إلى حقائق الوحي،
وهذا يُقرر مقياساً دقيقاً: فالإعجام هنا هو العجز عن الإبانة الكاملة؛ لذا فإن أي كلام بشري حتى لو صاغه أبلغ العرب وأكثرهم فصاحة ورصانة يظل “أعجمياً” وقاصراً عن بلوغ كمال البيان القرآني وإعجازه في مقابل ﴿وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾.
الامتداد والتفصيل في آيات سورة الشعراء:
ويتكامل هذا الأصل المعرفي ويزداد وضوحاً في سورة الشعراء، حيث يقول تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ. فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 198-199] فالآية تسير في ذات النسق الفطري؛ فلو نُزِّل هذا الوحي على لسانٍ يتصف بالقصور والعجز عن البيان (أعجمي)؛ لاتخذ المشركون من هذا الاستغلاق ذريعةً وحجةً نفسية للتخلص من التكليف والإعراض عن الإيمان قائلين: كيف نتبع خطاباً لا يملك ناقله أدوات الإفصاح الكامل؟
فجاء النص ليقطع هذا العذر تماماً، ويؤكد براءة النص والرسول من أي عُجمة أو غموض بالآية التالية مباشرة: ﴿كَذَٰلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: 200] ومعنى (سلكناه) أي أن بيان القرآن كان من الإشراق والظهور بحيث نفذت معانيه وأحكامه إلى أعماق عقولهم وقلوبهم ففهموها وعقلوها تماماً، ولم يعد بين عقولهم وبين النص أي حجاب لغوي، فصار امتناعهم بعد ذلك عن الإيمان محض عناد وجحود نفسي، وليس قصوراً في إبانة النص أو عُجمة في لسان الرسول.
النتيجة:
بناءً على ما تقدّم، يتضح أن ورود الإعجام في مقابل التفصيل ﴿فُصِّلَتْ﴾، والعربية ﴿عَرَبِيًّا﴾، والبيان ﴿مُبِينٌ﴾، يَدُلّ دلالة قاطعة على أنّ دلالته في القرآن لا تقتصر على البُعد “الأجنبي” أو العِرقي، وإنّما تمتد لتشمل الغموض، والإبهام، والاستغلاق الفكري، ومثلما رأينا أن “العربية” اتسعت لتشمل وضوح الحُكم: ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ واستقامة المنهج: ﴿غَيْرَ ذِي عِوجٍ﴾، فإن الإعجاز القرآني ليس مجرد محاكاة لحروف لسان العرب وكلماته بل هو إعجازٌ في عربية المنهج: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي في وضوحه التشريعي، وواقعيته القائمة على ملامسة أدق التفاصيل الإنسانية، وقابليته للمحاكمة العقلية أمام مختلف العقول، فالقرآن بأصالته العربية لا يستغلق على الفهم، ولا ينغلق دون العقل، بل يُعرب بدقة متناهية عن خفايا النفس، وما تجيشُ به من مشاعر واضطرابات وأفكار، ليكون دواءً وشفاءً واستجابة لمتطلبات الفطرة البشرية.
إسقاط الآيات على الواقع المعاصر (دحض حجج التهرب من التكليف)
إن هذا المنهج القرآني في تفكيك الاستغلاق الفكري وإثبات البيان الشافي لا يقف عند حدود التاريخ، بل يمثل تفكيكاً معرفياً مباشراً لواقعنا المعاصر، فاليوم يمارس الكثير ممن يرفضون الالتزام بأوامر الكتاب وتشريعاته نوعاً من “الأعجمية المصطنعة”؛ حيث يحتجون بأعذار واهية من قبيل: “الأمر ليس واضحاً”، “النصوص حمالة أوجه وتحتمل تأويلات متناقضة”، أو “الخطاب قديم لا نفهم مراده الواقعي اليوم”.
فمثلما افترض القرآن الكريم اعتراض المشركين بقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ نجد اليوم من يتعلل بـ “عدم وضوح الأحكام” للتهرب من التكليف، وحين نُطبق قواعد البيان القرآني على هذا السلوك، يتضح كيف يدحض القرآن هذه الأعذار الواهية عبر أبعاد واضحة، نذكر منها:
- عُجمة القلوب واحتكار فهم النص:
يبرز في واقعنا المعاصر نمطٌ يمثل انغلاق جهاز الاستقبال؛ وهؤلاء يمثلهم كثير من دعاة التدين الظاهري الذين تمسكوا بالأقاويل والموروثات التي أُقحمت على الدين، بحجة أنها تُفصّل ما أجمله القرآن؛ متناسين ومُتغافلين عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ فأوهموا الناس أن آيات القرآن الكريم طلاسمُ (أعجمي) استغلقت فيها العربية ولا تُفهم ولا تُعقل إلا عن طريقهم وبواسطتهم! وصرفوا الناس عن جوهر الخطاب القرآني ومباشرته وتدبره رغم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17] فهؤلاء يملكون فصاحة اللسان الظاهرة لكنهم يعيشون جفاءً باطناً يمنعهم من فقه حدود ما أنزل الله؛ فدافعوا عن موروثٍ قسم الأمة ومزقها، وعجزوا عن تحويل النص إلى واقع حيّ، وحبسوه في وقائع تاريخية، فصاروا حجاباً بين الناس وبين أنوار الوحي.
2. التظاهر بالتجديد وفخ “الأنا”
على الجانب الآخر، نجد صنفاً ممن يملكون أدوات الإعلام والبريق والبلاغة، أرادوا محاربة الموروث، لكن أكثرهم وقع في فخ “الأنا”؛ فجعل من نفسه أداة وحيدة لفهم القرآن، وفسّره على هواه دون احتكام حقيقي لسياقاته ومحكماته ومتشابهاته، إنهم يملكون فن الخطاب لكنهم يفتقدون “فصل الخطاب”، ويستغلون مهاراتهم اللغوية لصناعة أعذار تبرر ترك المحكمات تحت دعوى التجديد، وقد جاء وصف أشباههم بليغاً في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: 4] إذ انكسرت مرآة عقولهم بفعل الفلسفات والالتفاف على الآيات والتبعية للأهواء، فصاروا يرون المستقيم مائلاً والمبين مبهماً.
وكلا الفريقين ينطبق عليهما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 119]
- التهم الجاهزة وإرث “الاستكبار الفرعوني”
في مقابل ذلك كلما أعملَ مفكرٌ عاقلٌ ذهنه، وأراد فتح مغاليق قلبه تدبراً لكتاب الله تعالى امتثالاً لأمره: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24] ومحاولاً تنقية الدين من شوائب الموروث متحدثًا بآيات الله البينات، واجهه سيل من التهم الجاهزة من حراس التدين المذهبي، فيتهمونه مباشرة بأنه تأثر بالفكر العلماني أو صنيعة المستشرق الغربي، في محاولة بائسة لتسفيه الفكر القائم على حصر الحجية في كتاب الله تعالى.
هذا السلوك المعاصر هو امتداد تاريخي بائس لقصص الطغيان السابقة:
- مع الرسول ﷺ: حين عجزوا عن مواجهة حجة القرآن، اتهموه تلقائياً بالتلقي من الخارج: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ…﴾
- مع موسى ﷺ: حين سخر فرعون من منطقه وقوة حجته بالتقليل من شأنه واحتقار كلامه قائلاً: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: 52].
وفي الختام:
إن القرآن الكريم لا يقبل من الإنسان المعاصر ادعاء عدم الوضوح؛ فالمنهج الإلهي قد فُصِّل وبُيّن بما يقطع كل معذرة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: 149] وإذا كان الإعراض قديماً يتذرع بعجمة اللسان أو البيان، فإن الإعراض حديثاً يتذرع بعجمة الفهم؛ والنتيجة واحدة: البيان قائم، والحجة بالغة، والمشكلة كانت ولا تزال في إرادة التسليم والقبول وتطهير القلوب لتقبل الحق، وصدق الله العظيم الذي فرق بين من تدبر القرآن لغاية الهدى والشفاء والرحمة، وبين من أدبر عنه وتعذر: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82].
الباحثة: شيماء أبو زيد


أضف تعليقا