السؤال:
ليس لدي مانع عقلي من أن الكفار سيعذبون عذابا أبديا في جهنم، ولكن المانع هو كيف نتعامل معهم اليوم؟، أي إنني لا أتقبل فكرة أن شخصا مصيره خالد مخلد في النار يتعامل معي ربما بلطف وود وحب وأنا أيضا مجبر على التعامل معه بنفس الطريقة وهو مستحق لأمر مهول من العذاب في الآخرة لا تتصوره الأذهان.
الجواب:
الإيمان بعذاب الكفار في الآخرة حقٌّ دلّ عليه القرآن الكريم، لكن هذا الحق متعلّق بعلم الله وعدله وحكمه يوم القيامة، وليس متعلقًا بتكليفنا في الدنيا. قال الله تعالى:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25-26]
وقال مخاطبا نبيه الخاتم:
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: 40]
فجعل الحساب والعقاب من خصائص ربوبيته، ولم يكِل ذلك إلى البشر، لأن الله وحده يعلم ما في القلوب ويعلم من قامت عليه الحجة ومن لم تقم. قال الله تعالى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]
أما تعامل المسلم مع غير المسلم في الدنيا فمبناه العدل والإحسان وحسن الخلق، لا الحكم على المصير الأخروي. قال الله تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8]
فصرّح سبحانه بجواز البر والإقساط مع غير المسلمين، بل قرن ذلك بمحبة الله، رغم علمه بمصير من يموت على الكفر.
ولم يأمر الله تعالى أن يُعامل الناس في الدنيا على ضوء مصيرهم في الآخرة، بل أمر بالدعوة والرحمة والصبر. ولذلك قال سبحانه لموسى وهارون وهما يواجهان أعتى الكفار (فرعون):
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]
فإذا كان اللين مأمورًا به مع فرعون، فكيف يُستغرب اللطف مع من لم يعاند هذا العناد ولم يظلم هذا الظلم.
كما أن النبي الكريم قرّر قاعدة عامة في التعامل الإنساني فقال:
«في كل كبدٍ رطبةٍ أجر»[1]
ولم يقيّد الأجر بإيمان المخدوم أو المَرحوم، بل جعله متعلقًا بفعل الرحمة ذاته. وكان عليه الصلاة والسلام يحسن إلى غير المسلمين، ويقبل هداياهم، ويعاملهم بالوفاء والعدل، مع أنه أكثر الناس علمًا بمصير من يموت على الكفر، مما يدل على أن العلم بالحكم الأخروي لا يناقض حسن المعاملة الدنيوية.
ثم إننا لا نعلم مآلات الناس ولا كيف يُختم لهم، وقد قال الله تعالى:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]
فكم من شخص عاش كافرًا ثم هداه الله، وكم من شخص ظن نفسه ناجيًا ثم انتكس، فكيف يُبنى التعامل على أمرٍ غيبي لم يُكشف لنا.
وأخيرًا فإن العذاب الأخروي ليس شأنا بشريًا، بل هو عدل إلهي قائم على كفر اختياري بعد قيام الحجة، والله تعالى أعدل وأرحم من أن يُظلم عنده أحد. أما نحن فقد كُلّفنا بأن نكون دعاةً لأخلاق الإسلام لا قضاةً على مصائر الخلق. قال الله تعالى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]
فليس في مكارم الأخلاق مخالفة للعقيدة، بل تجسيدًا لها في الواقع.
وبهذا يُفهم أن الجمع بين الإيمان بعدل الله في الآخرة، وحسن الخلق مع الناس في الدنيا، ليس تناقضًا، بل هو عين الاستقامة على منهج القرآن الكريم.
*وللمزيد حول هذا الموضوع ننصح بالاطلاع على المقالات والفتاوى التالية:
حرية الفكر والاعتقاد والتعبير في القرآن الكريم
التعامل مع المسلم الذي لديه اعتقادات شرك
الشعور بالمودة تجاه غير المسلمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] صحيح مسلم، 4/ 1761 ت عبد الباقي


أضف تعليقا