د. عبدالله القيسي
جاء الإسلام ليبصّر الناسَ بالله حتى لا تحتار عقولهُم معرفته، كما عرفهم على الخطوط العامة لفهم عالم المخلوقات وترك تفصيلات هذا العالم للعقل البشري ليصل فيه إلى أعلى مستوى من الحكمة، كما عرفنا الإسلام كيف تكون العلاقة بين الخالق والمخلوق.
فرسالة الإسلام جاءت لتهدي الإنسانَ إلى حقائق عالمي الغيب والشهادة، عبر ما أوحاه الله سبحانه إلى أنبيائه، ولم يأت الوحيُ ليحلَ محلَّ العقل بل ليسدَ المنطقةَ التي لا يستطيع العقلُ الوصولَ إليها نظرًا لقصوره، فالإنسان لا يدرك الحقيقة كاملة إلا عبر رسل الله إليه. كما أنَّ الوحيَ يجعل من تلك القيم الأخلاقية -التي تجعل حياة الناس أجمل وأسعد- قيمًا ذات بعد أخروي فيكون التزامهم بها أشد، خاصةً وأن العقلَ أحيانًا قد يفلسف قيمًا للباطل يمحق بها قيمَ الحق، وقيمًا للشر يمحق بها قيمَ الخير، وقيمًا للقبح يمحق بها قيمَ الجمال، فكان تأكيد الرسالات لقيم الحق والخير كي لا يعبث بها الإنسان ضد أخيه الإنسان.
والمتأمل في القرآن الكريم يجد أنه يخاطب الإنسانَ ويحدثه عن عالمين، عالمٍ يدركه وهو العالم المشاهد المحسوس، وعالمٍ آخر لا يشاهده ولكنه لا يستطيع إنكاره ولا إنكار تأثيره على عالمه وكونه، إنه عالم الغيب، ولذا جاءت الآيات لتخاطبنا عن العالمين وعلاقتهما ببعضهما. فآيات تحدثنا عن عالم الغيب، وآيات تحدثنا عن عالم الشهادة، وآيات تحدثنا عن علاقة عالم الغيب بالشهادة، ولذا قسم الفقهاء والأصوليون بناء على ذلك أصول الإسلام إلى ثلاثة أصول أو شعب أو اقسام:
الأصل الأول: العقائد وهي التي تختص بعالم الغيب وقضاياه.
الأصل الثاني: الشعائر (العبادات) وهي التي تربط بين عالمي الغيب والشهادة.
الأصل الثالث: الشريعة (المعاملات) وهي التي تختص بعالم الشهادة.
الإسلام: هو دينُ الله الذي أوصى بتعاليمه إلى جميع أنبيائه، قال تعالى:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:19]،
وقد ختم الله دينَه بمحمد عليه الصلاة والسلام، وكلّفه بتبليغه للناس كافة ودعوتهم إليه، قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:3]،
وقد تلقى محمدٌ عليه الصلاة والسلام عن ربه الأصلَ الجامع للإسلام في عقائده وشعائره وشريعته، وهو القرآن الكريم.
والإسلام هو دينُ الأنبياء جميعًا وقد جاء لفظُ الإسلامِ والمسلمين مع أغلب الأنبياء الذين ذكرهم القرآنُ ابتداءً من نوحٍ وحتى خاتم الأنبياء محمد عليهم جميعًا الصلاة والسلام. فقال تعالى عن نوح:
﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس72]
وقال عن إبراهيم:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران67]
وقال عن إبراهيم وإسماعيل:
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة128]،
وقال عن يعقوب:
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة132]،
وقال عن لوط:
﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات36]،
وقال عن يوسف:
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف101]،
وقال عن موسى:
﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس84]
وقال عن سحرة فرعون الذين آمنوا بموسى:
﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف126]،
وقال عن الحواريين الذين آمنوا بعيسى:
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران52]،
وقال عن الجن:
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ [الجن14].
*من كتاب: عودة القرآن، للدكتور عبدالله القيسي


أضف تعليقا