السؤال:
في الآية 34 من سورة النساء ، فُسِّرت كلمة (قانتات) إلى : (النساء المطيعات لأزواجهن). فهل هذا تفسير صحيح؟ وهل يجب على النساء طاعة أزواجهن؟ وهل يمكن اعتبار طاعة الزوجة لزوجها سبيل لدخول الجنة؟ إلا يعطي هذا التفسير قدسية للزوج؟.
الجواب:
الآية موضع التساؤل هي قوله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ [النساء: 34]
ولفهم معنى كلمة “قانتات”، ينبغي الرجوع إلى استعمالها القرآني. ففي سورة الأحزاب يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ…﴾ [الأحزاب: 35]
أي: “والرجال القانتين والنساء القانتات”
فلو كان معنى “قانتات” هو “النساء المطيعات لأزواجهن”، للزم أن يكون معنى “قانتين” هو “الرجال المطيعين لزوجاتهم”، وهذا يوقع في إشكال واضح لأن الوعد المذكور في الآية للطائعين لا يمكن إلا أن يكون لطاعة الله والتزام أوامره واجتناب نواهيه، لا لطاعة الزوج أو غيره من البشر. لنتدبر الآية كاملة:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]
بناء على الآية فإن “القانتين والقانتات” لا يمكن أن يُفهما إلا بمعنى: الرجال والنساء المطيعين لله.
وبما أن آيات القرآن يفسر بعضها بعضًا، فإن المقصود بـ “النساء القانتات” في الآية (34) من سورة النساء هو: النساء المطيعات لله. فكلمة “قانت” في جميع مواضعها في القرآن تدل على الطاعة والخضوع لله تعالى، لا على طاعة شخصٍ لآخر. ومن هنا، لا يصح فهم عبارة ﴿قَانِتَاتٌ﴾ في الآية على أنها تعني طاعة النساء لأزواجهن، لأن المطاوعة بين البشر بالمعروف هي حاجة حياتية لا قربة دينية.
وعندما يلتزم كلا الزوجين بأحكام الله، يتحقق نظام أسري واضح ومتوازن. فالرجل والمرأة مأموران بالخضوع لله وحده، لا بخضوع أحدهما للآخر. وعليه، فإن القواعد الموضوعية التي شرعها الله تعالى هي التي ينبغي اتباعها داخل الأسرة، لا أهواء الزوج ولا الزوجة.
وقد جاء في نفس الآية:
﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34]
ومعناه: “فالنساء الصالحات مطيعاتٌ (لله)، حافظاتٌ لأنفسهن في الغيب، بما حفظهنّ الله ووفقهنّ له”.
إنّ هؤلاء النساء الصالحات مطيعات؛ يُطِعنَ الله. كما أنهنّ يحفظن أنفسهنّ من الأفعال غير الأخلاقية حتى في حال الغيب، أي عندما لا يوجد من يشهد عليهنّ. وهنّ يفعلن ذلك مقابل حماية الله لهنّ.
وفيما يلي بيان سبب تفسيرنا لعبارة “في الغيب” على أنها: “في غياب الشهود”:
وفقًا للقرآن، إذا اتُّهِمَت امرأةٌ بالزنا، فإن الله يأمر من يوجّه هذا الاتهام بأن يُحضر أربعة شهود عيان. ولا يُطلب هذا الشرط بنفس الصيغة في حالة اتهام الرجال بالزنا. فإذا اتهم شخصٌ امرأةً بالزنا ولم يستطع الإتيان بأربعة شهود، حتى لو ادّعى أنه رأى الفعل بعينيه، فإن المُتَّهِم يُعاقَب بجلده ثمانين جلدة، ولا تُقبل شهادته بعد ذلك أبدًا [النور: 4] . وهذه صورة من حماية الله للنساء. فالمرأة، بحسب هذا التصور القرآني، واقعة تحت حماية الله والمجتمع معًا. ولذلك سُمِّيت النساء في القرآن بـ “المُحصَنات” ، أي المحميات. أمّا الرجال فيُقال عنهم “مُحصِنين” [النساء: 24] لأنهم هم الذين يتولّون حماية أنفسهم بل وحماية زوجاتهم. وبما أن الله تعالى يُكرم النساء ويحميهنّ على هذا النحو، فإنه يأمرهنّ بأن يحفظن أنفسهنّ بالطريقة ذاتها التي يحميهنّ الله بها.
ويرتبط باقي الآية ارتباطًا وثيقًا بالقضية نفسها، وذلك في قوله تعالى:
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ [النساء: 34]
أي: “وأما النساء اللاتي تخافون نشوزهنّ”…:
في كثير من كتب التفسير، يُفسر لفظ “نشوز” على أنه تمرد، بحيث يُفهم النص على أنه: “النساء اللاتي يتمردن على أزواجهنّ” . غير أن هذا التفسير يُخلّ بالانسجام الداخلي للقرآن، لأن الله تعالى يستعمل الكلمة نفسها لوصف فعل يصدر عن الرجال أيضا في الآية 128من سورة النساء:
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]
فلو فُسِّر “النشوز” في الآية 34 من سورة النساء على أنه التمرد على الزوج، للزم أن تُفَسَّر الآية السابقة على أنها تمرد الزوج على زوجته، وهو معنى غير سليم ولا يستقيم لغويًا ولا سياقيًا.
وانطلاقًا من هذا التماثل بين الرجال القانتين والنساء القانتات، نستنتج أن الرجال والنساء، وجميع المؤمنين، مُلزَمون بطاعة الله وحده طاعةً مطلقة، دون قيد أو شرط.
وهذا لا يعني أنه لا تطاوع بين الزوجين، لكن تلك الطاعة بينهما مقيدة بالمعروف، فالزوجة تطيع زوجها والزوج يطيع زوجته بالمعروف بموجب قوله تعالى:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228]
وبحسب سياق الآية فإن الدرجة هنا متعلقة في قرار العودة في الطلاق، فالرجل يحق له إرجاع زوجته في الطلاق الرجعي قبل انقضاء العدة، لكن المرأة إن افتدت من زوجها بأن أعادت إليه المهر أو جزءا منه فإنها تبين منه (تصبح بائنة) ولا يحق لها الرجوع عن قرارها.
*وللمزيد حول الموضوع ننصح بالاطلاع على المقالات التالية:
هل يُفهم من الآية 34 من سورة النساء وجوب طاعة الزوجة لزوجها؟
لماذا تستأذن الزوجة من زوجها عند خروجها من البيت؟
تصحيح الأخطاء المتوارثة حول مفهومي القوامة والطاعة
ما صحة حديث: لو كنت آمر أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها


موفقين ما شاء الله