حبل الله
تفسير الآيات 6-20 من سورة البقرة

تفسير الآيات 6-20 من سورة البقرة

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 6-20]

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6] 

تؤكد الآية على أن الذين أصرّوا على التغطية على آيات الله وتجاهلها عن عمد، سواءٌ أنذرتهم أم لم تنذرهم، فيستوي عندهم الأمر؛ لأنهم لا يؤمنون ولا يسلِّمون بالحق.

أصل كلمة الكفر في اللغة العربية هو الستر والتغطية، ومنه سُمِّي الكافر؛ لأنه يستر الحق ويغطيه (مفردات الراغب). وأول نموذج للكفر في القرآن هو إبليس، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ…﴾ [البقرة: 34]. فقد أمره الله بالسجود لآدم، فأبى واستكبر. ولما سأله سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]، لم يُجب عن حقيقة السؤال، وإنما قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]، فكأنه تعامل مع السؤال على أنه عن سبب تفضيله على آدم، لا عن سبب مخالفته للأمر الإلهي. وبهذا صرف النظر عن الأمر الذي وُجِّه إليه، وغطّى حقيقته، وأصرّ على موقفه.

ومن هنا، فإن أقرب تعبير عن معنى الكفر هو: الإصرار على تجاهل الحق وعدم الاعتراف به. فإذا آمن الإنسان بآيات الله، ثم أصرّ بعد ذلك على تجاهل آية واحدة منها أو إنكارها، فقد ستر الحق الذي تبيّن له، فكان بذلك كافرًا، كما تدل عليه آيات: آل عمران (86-90، 106)، والنمل (14).

وهذا الشخص يكون أيضًا مشركًا؛ لأنه رفع ما حمله على هذا الإصرار إلى منزلة تُزاحم منزلة الله في الطاعة والاتباع، فجعل له من التعظيم ما لا يكون إلا لله. ولذلك فكل كافر مشرك، وكل مشرك كافر، كما يدل عليه قوله تعالى في آل عمران (151).

ومع أن الذين يصرّون على تجاهل آيات الله قد لا يتأثرون بالإنذار، فإن ذلك لا يُسقط عن المسلمين واجب دعوتهم وإنذارهم متى وُجدت البيئة المناسبة للتذكير؛ امتثالًا لأمر الله تعالى، كما في قوله سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: 9-12]. ولهذا يبقى واجب البلاغ والإنذار قائمًا، كما تشهد له أيضًا آيات: الأعراف (163-166)، والحجر (94)، ويس (10).

﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 7] 

هذه الآية تبين الآثار السلبية التي تنتج عن الأعمال السيئة. فإن كثرة المعاصي تأتي على القلب فتفسده، كما يصدأ الحديد ويبلى الخشب، وتتسخ المرآة. فإن الفساد في الإنسان كالفساد في الطبيعة.

صُوِّرت الحالة النفسية للكافرين وما استقر في نفوسهم من عنادٍ وأحكامٍ مسبقةٍ تصويرًا بلاغيًا من خلال الاستعارة التمثيلية، كما بيَّن ذلك الزمخشري في الكشاف. والاستعارة بطبيعتها تحذف أداة التشبيه، فيُصاغ الكلام وكأن المشبَّه هو عين المشبَّه به. فالختم هنا قصد به المجاز وليس الحقيقة.

ومن الأدلة على أن هذا التعبير ليس على حقيقته، وإنما هو من باب التصوير البلاغي، قوله تعالى:

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 66].

فهذه الآية تدل على أن الله سبحانه لم يمنعهم حقيقةً من الإبصار والبصيرة، وإنما يبيّن أنه لو شاء لسلبهم ذلك سلبًا تامًا، مما يؤكد أن قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ هو تصوير لحالهم، وليس إخبارًا عن منعٍ قهريٍّ يحول بينهم وبين الإيمان.

ولو كان الختم على الحقيقة، لأوهم أن الله قد أغلق باب التوبة في وجه الكافرين، وسلبهم حرية الاختيار، وهو معنى يتعارض مع نصوص القرآن. فقد دلّت الآيات على أن باب التوبة يبقى مفتوحًا ما دام الإنسان قد رجع عن ضلاله، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: 160]، وأنه لا يوجد ذنب لا يُغفر إذا تحققت التوبة الصادقة، كما تشهد لذلك آيات: البقرة (159-160)، وآل عمران (86-89)، والزمر (53)، وكذلك قوله تعالى في شأن التوبة عند حضور الموت: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ…﴾ [النساء: 18].

إن الذين يصرّون على تجاهل آيات الله لا يريدون أن يروا الحق أو يسمعوه أو يعقلوه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: 5]. ولذلك فهم يتصرفون وكأن الله قد ختم على قلوبهم وأسماعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة؛ أي إنهم بلغوا من الإعراض والعناد مبلغًا يشبه حال من سُدَّت في وجهه منافذ الإدراك، مع أن هذا الإغلاق ناشئ عن موقفهم واختيارهم، لا عن إكراهٍ إلهي، ويؤكد ذلك أيضًا قوله تعالى في سورة (يس: 66.)

ولهذا شبَّه الله الكافرين في مواضع أخرى بالأنعام؛ أي بالإبل والبقر والغنم والماعز، لأنهم لا ينتفعون بقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم على الوجه الذي يليق بالإنسان، فقال سبحانه: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا، أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: 179].[1]

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8] 

تشير هذه الآية إلى فئةٍ تُظهر الإيمان بألسنتها، وتدّعي الإيمان بالله واليوم الآخر، بينما تخلو قلوبها من الإيمان الحقيقي الذي يقتضي الثقة التامة والالتزام الصادق بمقتضاه. فدعوى الإيمان وحدها لا تكفي، ما لم يوافقها يقين القلب ويصدقها العمل.

وقد بيّن القرآن هذا الصنف من الناس في مواضع أخرى، منها: آل عمران (118-120)، والنور (47-50)، والعنكبوت (10-11)، حيث كشف تناقضهم بين ما يعلنونه بألسنتهم وما يضمرونه في قلوبهم، وأن حقيقة الإيمان إنما تظهر عند الابتلاء والاختبار، لا بمجرد الادعاء.

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9] 

المراد بـالخِداع الوارد في الآية هو: محاولة إيقاع الغير في الوهم والتضليل بطريقة مقصودة ومدبَّرة، كما يذكر الراغب الأصفهاني في مفرداته. ومن أمثلة ذلك ما أظهره بعض اليهود الذين كانوا ينتظرون بعثة النبيّ الخاتم، ثم تعاملوا مع نبينا ﷺ بمواقف تخالف ما كانوا يعرفونه من الحق، كما تشير إلى ذلك آيات: البقرة (75-79، 90).

ويدخل في هذا المعنى كل من يعمد إلى ليِّ آيات الله وتحريف دلالاتها أو صرفها عن مقاصدها إذا لم توافق أهواءه وحساباته، ثم يتظاهر بالالتزام بها. فالمشكلة ليست في عدم الفهم، وإنما في محاولة تغيير معنى الحق بما يخدم الرغبات والمصالح الشخصية.

وقد وصف الله المنافقين بأنهم أولئك الذين يجعلون الكافرين أولياء وأقرب إليهم من المؤمنين، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 139]، وحذّر المؤمنين من سلوك هذا الطريق، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 144].

في الوقت الذي يحاول المنافقون خداع الله والمؤمنين إلا إنهم _في الحقيقة_ يخدعون أنفسهم؛ لأن آثار هذا الخداع لا تعود في الحقيقة إلا عليهم، إذ يحرمون أنفسهم من الهداية والثبات على الحق، ويظنون أنهم يحققون مصالحهم بإظهار غير ما يبطنون، بينما هم يسيرون نحو الخسارة دون أن يدركوا حقيقة حالهم.

وقد بيّن القرآن هذا الوهم الذي يعيشونه في مواضع أخرى، فقال تعالى في وصف المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]، وقال سبحانه: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ، فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 96]، وكذلك في سورة المنافقون (1-3).

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [البقرة: 10] 

المراد بالمرض الذي في قلوبهم هو مرض الكفر والانحراف عن الحق، وما يترتب عليه من فساد التصور واضطراب الموقف من الإيمان. فلما استقر هذا المرض في نفوسهم، أضاف الله إليهم مرضًا آخر، وهو مرض النفاق؛ لأن إصرارهم على الباطل، مع إظهار خلاف ما يبطنون، زادهم بعدًا عن الهداية، وأصبحوا يعيشون حالة من التناقض بين الظاهر والباطن.

فهم ينالون جزاء كفرهم وكذبهم في الدنيا والآخرة؛ إذ يترتب على النفاق والكذب آثار من الذل والاضطراب وسوء العاقبة، إضافة إلى العذاب الأخروي. وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله تعالى عن المنافقين: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ، لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ، ‌سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: 101] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: 124-125].

ومن الآيات التي تناولت صفات أصحاب هذا المرض القلبي وآثار سلوكهم: المائدة (52)، الأنفال (49)، الأحزاب (12، 60-61)، محمد (20-29)، والمدثر (31).

والمقصود بـ المرض القلبي في التعبير القرآني ليس مرضًا حسيًّا يصيب الجسد، وإنما هو وصف لحالة معنوية تصيب الإنسان، كضعف اليقين، والانحراف عن الحق، واتباع الهوى، بحيث يصبح القلب غير قادر على استقبال الهداية والاستجابة لها كما ينبغي.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: 11] 

المراد بـ الإفساد هنا هو إفساد النظام ، أي محاولة تغيير الفطرة وإخراج الأشياء عن السنن والقوانين التي أقامها الله عليها. والفطرة هي مجموعة القوانين والأنظمة التي أودعها الله في الكون وفي تكوين الإنسان، والتي تجري وفقها الحياة. والدين الذي ارتضاه الله للإنسان هو أيضًا منسجم مع هذه الفطرة، كما قال تعالى:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30].

وعليه، فإن الإفساد في الأرض لا يقتصر على التخريب المادي، بل يشمل كل سلوك يسعى إلى تعطيل ميزان الحق والعدل، أو إفساد علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وبالآخرين، أو قلب القيم التي أقام الله عليها صلاح الحياة.

﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 12] 

يزعم المفسدون أنهم مصلحون، لكن الله تعالى يبيّن أن هؤلاء ليسوا مصلحين كما يزعمون، بل هم في الحقيقة أهل إفساد؛ لأن فسادهم قد بلغ درجة أنهم فقدوا القدرة على إدراك حقيقة أفعالهم، فأصبحوا يرون الانحراف إصلاحًا، والباطل حقًّا، والبعد عن هداية الله نوعًا من الصلاح.

وهذا من أخطر صور الانحراف؛ إذ إن الإنسان قد يقع في الفساد، ثم يبرر أفعاله لنفسه ويظن أنه يعمل من أجل الخير، بينما تكون النتيجة مخالفة لما يدّعيه. وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 204-205].

فالميزان القرآني لا يجعل معيار الصلاح مجرد ادعاء الإنسان أو شعاره، وإنما ينظر إلى مدى موافقة العمل للحق والعدل والفطرة التي فطر الله الناس عليها.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 13] 

يضرب الآية مثالًا لحال المنافقين الذين كانوا يُظهرون الإيمان بألسنتهم، بينما لم يكن الإيمان قد استقر في قلوبهم. ومن أمثلة ذلك بعض المنافقين من اليهود الذين لم يؤمنوا بالقرآن، ومع ذلك كانوا يظهرون الإسلام ويقفون للصلاة خلف النبي ﷺ حفاظًا على مصالحهم أو مراعاةً للظروف المحيطة بهم.

وقد كان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة سببًا في انزعاج شديد لدى بعضهم؛ لأن هذا الأمر خالف أهواءهم وتصوراتهم، كما أشارت إلى ذلك آيات سورة البقرة عند الحديث عن تحويل القبلة، قال تعالى:

﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142].

فالآية تكشف انقلاب المعايير عند المنافقين؛ إذ وصفوا أهل الإيمان الحقيقي بالسفه والجهل، مع أن السفه الحقيقي هو الإعراض عن الحق بعد ظهوره، واتباع الهوى مع ادعاء العقل والرشد.

ولذلك جاء الرد الإلهي بحسمٍ واضح: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي إنهم هم الذين فقدوا الرشد الحقيقي، لأنهم لم ينتفعوا بعقولهم في معرفة الحق واتباعه، لكنهم لا يدركون حقيقة حالهم بسبب ما استقر في نفوسهم من غرور وعناد.

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14] 

تصف الآية حال المنافق المتقلب بحسب مَن يلتقيهم من الأشخاص، فيزعم الإيمان عندما يلتقي المؤمنين، لكنه سرعان ما يعود لأصله عند اختلائه بنظرائه من الشياطين. ويبرر زعمه الإيمان أنه يريد الاستهزاء.

المراد بـ الشياطين هنا ليس بالضرورة الشياطين من الجن فقط، بل يشمل أيضًا البشر الذين خرجوا عن طريق الحق، ثم جعلوا همَّهم إضلال غيرهم وصرفهم عن الهداية، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112].

فالشياطين في الاستعمال القرآني يطلقون على كل من تمرّد على الحق، وسعى في إغواء الآخرين وإبعادهم عن الصراط المستقيم، سواء كان من الإنس أو الجن، كما تشير إلى ذلك أيضًا الآيات: الأنعام (71، 112)، الأعراف (30)، الشعراء (221-223)، والناس (1-6).

وكلمة ﴿مُسْتَهْزِئُونَ﴾ مشتقة من الجذر (ه ز أ)، الذي يدل على السخرية الخفية والاستخفاف بالآخرين، كما يذكر الراغب الأصفهاني في مفرداته. ولذلك فإن معناها لا يقتصر على السخرية الظاهرة، بل يشمل – بحسب السياق – معنى المجاملة الكاذبة، أو المداراة، أو إظهار الموافقة مع إخفاء الاحتقار والاستخفاف.

فالمنافقون كانوا يقولون للمؤمنين: نحن معكم، ويُظهرون الإيمان عند لقائهم، ثم إذا رجعوا إلى أتباعهم وأصحاب أفكارهم المنحرفة قالوا: إننا لم نكن جادّين فيما أظهرناه، وإنما كنا نعامل المؤمنين بهذه الطريقة استهزاءً بهم أو تظاهرًا أمامهم.

ويبيّن القرآن في مواضع أخرى هذا التناقض بين ظاهر المنافقين وباطنهم، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ، أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 76].

وقوله تعالى:

﴿هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ، وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: 119].

فالآيات تكشف أن النفاق يقوم على ازدواجية الموقف: إظهار شيء للمؤمنين، وإخفاء حقيقة أخرى عند الخلوة بمن يوافقهم في الانحراف، ولذلك كان خطره عظيمًا؛ لأنه يجمع بين تضليل الآخرين وخداع النفس.

﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] 

الجزاء الإلهي يأتي موافقًا لجنس العمل الذي يصدر عن الإنسان؛ أي إن العقوبة تكون من جنس الفعل وبقدر ما يناسبه، كما قال تعالى:

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40].

فهؤلاء المنافقون كانوا يستخفون بالمؤمنين، ويُظهرون لهم خلاف ما يبطنون، ويعظّمون شأن الكافرين وأهل الباطل، ويدبّرون أمورهم في الخفاء؛ فكان الجزاء أن عاملهم الله بما يناسب فعلهم، فأمهلهم وتركهم يتخبطون في ضلالهم، حتى يزدادوا حيرةً واضطرابًا، ويظنوا أنهم يحققون ما يريدون، بينما هم في طريق الخسران.

وليس معنى قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أن الله يفعل فعل الساخرين على وجه النقص – تعالى الله عن ذلك – وإنما هو من باب المقابلة في الجزاء؛ أي إنه يجازيهم على استهزائهم بالمؤمنين بأن يكشف حقيقتهم ويتركهم في غفلتهم التي اختاروها.

وقد بيّن القرآن حالهم في قوله تعالى:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ، وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾ [النساء: 142-143].

وكذلك فضح القرآن محاولاتهم في التظاهر والسخرية، فقال تعالى:

﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 64].

وقال سبحانه بعد ذلك:

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65].

فالمعنى أن الله يتركهم في ضلالهم الذي اختاروه، ويجري عليهم سنته في أنَّ من أعرض عن الحق واستمر في خداعه، ازداد بعدًا عنه حتى لا يبقى له إلا ما كسبته يداه.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 16] 

شبَّه الله تعالى حال هؤلاء المنافقين بحال التاجر الذي يبادل شيئًا ثمينًا بشيء تافه، فاستعمل القرآن صورة الشراء والبيع للدلالة على اختيارهم الخاطئ؛ فقد تركوا طريق الهداية الذي جاءهم به الوحي، واختاروا بدلًا منه طريق الضلال والانحراف.

فهم لم يفقدوا الهداية بسبب عدم وصول الحق إليهم، وإنما لأنهم استبدلوا بها ما اختاروه من أهواء ومصالح ومواقف باطلة. ولذلك عبّر القرآن عن حالهم بقوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ﴾؛ أي بذلوا الهداية التي كانت سبب نجاتهم، وأخذوا مقابلها الضلال الذي يقودهم إلى الخسران.

ثم بيّن الله نتيجة هذه الصفقة الخاسرة بقوله: ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ﴾؛ أي إن هذا الاختيار لم يحقق لهم أي منفعة حقيقية، بل عاد عليهم بالخسارة في الدنيا والآخرة؛ لأن التجارة الناجحة هي التي تقود إلى رضوان الله، أما اختيار الضلال بدل الهدى فهو أعظم صور الخسران.

ولهذا ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ أي أنهم لم يسلكوا طريق الرشد، لأنهم أعرضوا عن النور الذي أُرسل إليهم، وآثروا عليه ما يوافق أهواءهم.

وقد جاء هذا المعنى في مواضع أخرى من القرآن، منها قوله تعالى:

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 86].

وقوله سبحانه:

﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 177].

فالمعنى الجامع هو أن الإنسان قد يختار بإرادته طريقًا يخالف الحق، فيظن أنه يحقق مكسبًا عاجلًا، بينما تكون عاقبته خسارة الهداية والنجاة.

﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: 17] 

ابتداءً من هذه الآية، وإلى أربع آيات بعدها، يصوّر القرآن حال الكافرين والمنافقين من خلال مثلٍ تمثيلي يقرّب المعنى إلى الأذهان. فبحسب هذا المثل، كانوا في بداية أمرهم كمن أشعل نارًا يستضيء بها؛ أي إنهم أرادوا أن يهتدوا بنور كتاب الله، وأن يسيروا في الطريق الواضح الذي يكشفه لهم الوح، لكن عندما أضاءت لهم الطريق، وظهر لهم الحق، وأصبحوا قادرين على رؤية معالمه، بدأ بعضهم يتعامل معه كالأعمى؛ لأن بعض ما جاء به الوحي لم يوافق أهواءهم أو مصالحهم، فاختاروا الإعراض عنه بعد أن عرفوه.

وهذا المعنى يشير إليه قوله تعالى في وصف بعض الناس الذين يعرفون الحق ثم يعرضون عنه، كما في قوله سبحانه:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: 39]،
وقوله تعالى في وصف حالهم في الظلمات: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ…﴾ [النور: 40].

ومن أمثلة ذلك ما وقع لبعض اليهود الذين كانوا ينتظرون بعثة النبي الخاتم، وكانوا يرجون أن يأتيهم كتابٌ يهديهم ويكشف لهم الطريق. فلما جاء القرآن عرفوا يقينًا أنه كتاب الله، كما قال تعالى:

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [الأنعام: 20].

وقال سبحانه:

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: 114].

لكن موقف كثير منهم تغيّر بعد ذلك، فلم يحملهم العلم بالحق على اتباعه، بل اختاروا الإعراض عنه؛ فكان منهم من كفر بعد قيام الحجة عليه، كما في قوله تعالى:

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89].

وكان منهم من أظهر الإيمان وأبطن غير ذلك، كما تشير إليه آيات: البقرة (75-77).

ومعنى قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ليس أن الله منع عنهم الهداية ابتداءً بغير سبب، وإنما هو بيان لجزاء من أعرض عن النور بعد أن وصل إليه، واختار بإرادته الإعراض والضلال؛ فكان عاقبته أن يُترك في ظلمات الحيرة والبعد عن الحق.

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] 

المراد بوصفهم بـ الصُّمِّ والبُكم والعُمي ليس أنهم فاقدو حواس السمع والكلام والبصر من الناحية الحسية، وإنما هو تصوير لحالهم المعنوية تجاه آيات الله؛ فهم لا يسمعون سماع قبول وانتفاع، ولا ينطقون بالحق بعد معرفته، ولا يبصرون دلائل الهداية رغم وضوحها.

فقد عطّلوا هذه النعم عن وظيفتها التي خُلقت من أجلها؛ إذ إن السمع والبصر والعقل وسائل لمعرفة الحق والاهتداء إليه، فإذا أعرض الإنسان عنها وأصرّ على رفض الهدى، صار كمن فقد هذه الوسائل وإن كانت موجودة لديه.

ولهذا قال تعالى:

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾؛ أي إن إصرارهم على الباطل جعلهم غير قادرين على الرجوع إلى طريق الحق، لأن المشكلة ليست في غياب الدليل، وإنما في رفض الاستجابة له.

وهذا المعنى تؤكده آيات أخرى، منها:

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 171].

وقوله تعالى:

﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ، وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: 25].

وكذلك قوله سبحانه:

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 23].

فالتعبير القرآني يصوّر حالة من اختار الإعراض عن الحق حتى أصبح لا ينتفع بما يسمع ويرى، فيستمر في طريقه بعيدًا عن الهداية، ولا يرجع عنها ما دام متمسكًا بعناده وإعراضه.

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 19] 

كلمة ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ هي جمع صاعقة، والصاعقة في أصل معناها: الصوت الشديد الناتج عن الرعد، الذي قد يقترن به الهلاك أو العذاب بسبب شدته وتأثيره (المفردات). وقد استعمل الله تعالى هذا النوع من العذاب في عقوبة بعض الأمم، كما في قوله تعالى عن قوم موسى:

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: 55].

وكذلك ورد ذكر الصواعق في مواضع أخرى، منها: النساء (153)، الرعد (13)، فصلت (13، 17)، والذاريات (44).

كما يذكر القرآن أن الناس يوم القيامة يخرجون من قبورهم على إثر نفخة عظيمة يصاحبها صوت هائل، كما قال تعالى:

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68].

وفي الآية يضرب الله تعالى مثلًا آخر لحال المنافقين والكافرين؛ فالمنافق هو من يُظهر الإيمان بلسانه مع كونه مكذبًا في داخله، فيجمع بين الكذب وإخفاء الحقيقة. أما من عرف الحق ثم اختار الكفر به، فإن الله والملائكة والناس يبعدونه عن الرحمة والقبول، كما قال تعالى:

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: 86-87].

فعندما اجتمع عندهم الكفر بعد معرفة الحق مع الكذب والنفاق، أصبح حالهم كحال من أصابه مطر شديد في ظلام حالك، لا يكاد يرى طريقه، ولا يعرف كيف يتصرف، كما قال تعالى في وصف المنافقين:

﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾ [النساء: 143].

فالآيات القرآنية بالنسبة إليهم تشبه البرق؛ تضيء لهم الطريق للحظات، فتظهر لهم معالم الحق، لكنهم لا يسيرون فيه. وبعض الآيات تقع عليهم وقع الرعد الشديد؛ لأنها تكشف زيفهم وتفضح ما يخفونه، فيتأذون منها ويحاولون الإعراض عنها، فكأنهم يضعون أصابعهم في آذانهم خوفًا من سماعها.

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يبيّن أنهم لا يستطيعون الفرار من علم الله وسلطانه، وأنهم مهما حاولوا إخفاء حقيقتهم أو الهروب من مواجهة الحق، فإن الله محيط بهم، يعلم سرائرهم وأعمالهم، وسيجازيهم عليها.

﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ، كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ، وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20] 

كان المنافقون يبحثون عن الآيات التي توافق أهواءهم وحساباتهم، ويحاولون أحيانًا اقتطاع بعض النصوص من سياقها واستعمالها لإثارة الشبهات وإضلال المؤمنين، كما تشير إلى ذلك آيات: آل عمران (7، 78-80)، والمائدة (41).

ومن صور هذا الانحراف أن بعضهم بالغ في رفع أقوال النبي ﷺ إلى منزلة آيات الله؛ فغيّروا دلالات بعض المصطلحات المتعلقة بمقام النبي والرسول، وجعلوا ما قاله النبي ﷺ بصفته نبيًّا من اجتهادات وتوجيهات، أو ما نُسب إليه من روايات، في مرتبة الوحي الذي بلّغه الرسول عن الله (القرآن)، مع أن القرآن يفرّق بين مقام الرسالة القائمة على تبليغ الوحي، وبين كلام النبي في غير ذلك من شؤون الحياة.

وقد عرف النبي ﷺ خطر الخلط بين كلامه الشخصي وبين القرآن، فنهى عن كتابة كلامه في بداية الأمر حتى لا يختلط بالوحي القرآني، كما ورد في صحيح مسلم (كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث). واستمر هذا الاحتياط في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم تغيرت الأحوال بعد ذلك[2].

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ: الفعل ﴿شَاءَ﴾ مشتق من مادة (شيء) التي تدل على إيجاد الشيء أو وقوعه. فإسناد هذا الفعل إلى الله يدل على إيجاده وتقديره وفق حكمته، أما إسناده إلى الإنسان فيدل على قيامه بالفعل وبذله السبب المؤدي إلى وقوعه، كما يذكر الراغب الأصفهاني في مفرداته.

فالله سبحانه يخلق كل شيء وفق مقدار وتقدير محدد، كما قال تعالى:

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: 8].

وقد جعل الله أمور الاختبار في الحياة قائمة على وجود الاختيار بين الخير والشر، كما قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35].

فالله يريد للناس الهداية، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 27]،

لكنه لا يجعل الإنسان مهتديًا إلا إذا اختار طريق الحق وسلكه، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النور: 46].

وقد ألهم الله الإنسان معرفة الخير والشر، وجعل في نفسه قدرة على التمييز بينهما، كما قال تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10].

ولهذا فإن من يسلك طريق الصواب يجد في نفسه طمأنينة، ومن يختار الخطأ يجد اضطرابًا وضيقًا بسبب مخالفة الفطرة السليمة.

وعليه، فإن معنى كلمة ﴿شَاءَ﴾ يختلف بحسب الفاعل: فإذا أسندت إلى الله كان معناها: أوجد أو قدّر وقوع الشيء بحكمته، وإذا أسندت إلى الإنسان كان معناها: فعل واختار وسعى إلى تحقيق الفعل.

ولو أن الله سلب الإنسان حرية الاختيار، لما أمكن أن يقع منه خطأ، ولما كان هناك معنى للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [النحل: 93].

إن ذهاب السمع والبصر في الآية جاء في سياق الجزاء على تعطيلهم هذه النعم عن وظيفتها؛ فقد أغلقوا أسماعهم وأبصارهم عن قبول الحق، فجاء التعبير عن إمكان زوالها جزاءً مناسبًا لفعلهم. ومع ذلك فإن الله لا يعاجل الناس بالعقوبة فورًا، بل يؤخرها لحكمة ورحمة، كما قال تعالى:

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [النحل: 61].

إن لفظ ﴿قَدِيرٌ﴾ في الآية يحمل معنى مرتبطًا بالـ تقدير ووضع المقادير، وليس مجرد معنى القدرة المطلقة فقط؛ فالقَدْر هو وضع الشيء بمقدار وحكمة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49].

ولا شك أن من يضع المقادير هو صاحب القدرة، لكن الاقتصار على معنى “القادر” قد يُضعف الصلة بين اللفظ وبين معنى التقدير الذي يناسب سياق الآية.

فخاتمة الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تؤكد أن الله سبحانه يملك القدرة الكاملة، وأن كل ما يجري في الكون إنما يقع ضمن علمه وتقديره وحكمته، وليس خارجًا عن سننه التي أقامها.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] وللمزيد من الشواهد على هذا المعنى، يُراجع كذلك: النساء (155)، المائدة (13)، الأنعام (46)، الأعراف (100-101)، التوبة (87، 93)، يونس (74)، النحل (106-108)، الروم (58-59)، غافر (35)، الجاثية (23)، محمد (16)، الصف (5)، المنافقون (3)، والمطففين (14). الفرقان (43-44).

[2] انظر في هذا السياق: (الشورى 42/52-53، والأنعام 6/122-123).

 

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.