﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة 2/21)
يا أيها الناس، اعبدوا ربكم الذي خلقكم وخلق الأمم التي سبقتكم، لتتقوا بذلك أسباب الضلال والخطأ، وتحفظوا أنفسكم من مخالفة أمره ونهيه[1].
إن النظر في أحوال الأمم السابقة هو إحدى وسائل الهداية، ذلك أن سلطانهم وقوتهم التي حالت دون اهتدائهم قد اندثرت وأصبحت أثرا بعد عين، وما بقي لهم من أثر سوى شهادة القرآن على ضلالهم وكفرهم الذي سيوردهم العذاب، ولهذا كثر لفت النظر إلى الأمم السابقة في القرآن الكريم للاتعاظ بحالهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ﴾ [الروم: 9][2] .
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة 2/22)
هو الذي جعل الأرض لكم مهيأة مستقرة، مذلَّلة للعيش والانتفاع، وجعل السماء فوقكم كالبناء المحكم المشيَّد[3]. وهو الذي ينزل من السماء ماءً، فيُخرج به من ثمرات الأرض وأنواع نباتها ما يكون لكم رزقًا ومنفعة[4]. فكيف، مع علمكم بأنه الخالق الرازق المدبِّر، تجعلون لله نظراء وشركاء تنسبون إليهم من الصفات أو الاستحقاق ما هو من خصائص الله؟
لا يشك أحد في وجود الله ووحدانيته، وقد أُخذ الإقرار بذلك من بني آدم، كما تشير إليه آيات الأعراف 172-174. أما الذين يُجعلون آلهةً من دون الله، فليس المقصود أن يُعتقد أنهم خالقون مستقلون، وإنما يُتخذون وسطاء بين الله والإنسان. وكل إنسان يعلم أن التمثال المصنوع لا يمكن أن يكون إلهًا، كما يتضح من قصة إبراهيم عليه السلام في سورة العنكبوت 16-25.
وعلى هذا، فإن قوله تعالى: «فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون» يدل على أن الشرك الذي يقع من الإنسان عن غير علم أو جهلٍ بالحقيقة يكون معفوًّا عنه، ويُستشهد لذلك بالأنفال 8/27.
ومثال ذلك: إبراهيم عليه السلام؛ فقد أدرك منذ بلوغه أن الأصنام لا يمكن أن تكون آلهة. لكنه، كما ورد في الأنعام 75-79، كان قبل أن يصل إلى اليقين النهائي، ومن خلال ملاحظاته وتأملاته، يعتقد أن الكوكب والقمر والشمس قد يكون أحدها ربَّه. فلما قادته ملاحظاته إلى اليقين بأنها لا يمكن أن تكون ربًّا، أعلن موقفه الحاسم منها، كما يتضح من سورة الأنبياء 51-64.
ولأن إبراهيم عليه السلام لم يرتكب في هذا الأمر خطأً عن علمٍ وتعمد، فإن الله لم يعدّه قط من المشركين، بل وصفه بالاستقامة على التوحيد، كما في الآيات التالية: (البقرة 2/135، وآل عمران 3/18 و67 و95، والأنعام 6/161، والنحل 16/123).
والمسلمون كذلك قد لا يدركون أنهم جعلوا من محمد عليه الصلاة والسلام ومن بعض أهل العلم آلهةً من حيث منحهم سلطةً دينيةً في بيان كلام الله وتفسيره. ذلك أن الله تعالى بيّن أن القرآن إنما تولّى هو بيانه، وأن هذا البيان قائم على العلم، كما في الأعراف 52، وأن الوصول إلى هذه البيانات يكون من خلال جماعةٍ من أهل المعرفة بالموضوع، كما في فصلت 3. وأن قبول تفسيرٍ يقدمه غير الله، على نحو يجعله مرجعًا حاكمًا على كلام الله، يعني اتخاذ ذلك المفسِّر إلهًا، كما جاء في سورة هود 1.
لكن البنية الدينية التقليدية، أخفت كثيرًا من الآيات عن الفهم، وأعطت عددًا آخر منها معاني غير صحيحة، ثم أقنعت المسلمين بأن لمحمد عليه الصلاة والسلام سلطةً في تفسير الآيات وبيانها. وبعد ذلك مُنحت هذه السلطة للعلماء أيضًا، فنشأت المذاهب، وتكوّن «هرم من الآلهة» أو مراتب من السلطات الدينية. وهذا أمر لا يمكن قبوله، بدليل الآيات التالية: (البقرة 103-105 و213، والأنعام 159، والشورى 13-14).
أما الذين قبلوا هذه البنية من غير علمٍ أو إدراكٍ لحقيقتها، فلا تكون عليهم مسؤولية بسبب قبولهم لها، استنادًا إلى البقرة 22 و286. أما الذين يفعلون ذلك عن علمٍ وتعمد، ثم يتسببون في إبقاء المسلمين على هذه الحال، فإنهم يستحقون أشد العقوبة، بدليل الآيات التالية: البقرة 159-162 و174-176، والأعراف 44-45.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (البقرة: 23)
إذا كنتم في شكٍّ مما أنزلناه على عبدنا ـ أي القرآن ـ فأتوا بسورةٍ واحدة تماثل إحدى سوره، واستعينوا كذلك بأهل العلم والمعرفة الذين جعلتموهم بينكم وبين الله، إن كنتم صادقين في دعواكم.
لفظ «دون» الوارد في الآية يدل، بحسب ما يذكره معجم تاج العروس، على معاني القرب والتقريب، وما كان في منزلة أدنى، وهو ضد ما كان أعلى. وقد كان المشركون يضعون المخلوقات التي يقدسونها في منزلة وسطى بين الله والإنسان؛ فيشبهونها بالله من وجه، وبالإنسان من وجه آخر، ويعتقدون أنهم يستطيعون الوصول إلى الله من خلال وساطتها. وعلى هذا، فإن تعبير «مِنْ دُونِ اللَّهِ» الوارد في القرآن يدل في كثير من المواضع على هذا المعنى.
فالنصارى ـ مثلًا ـ يعتقدون أن عيسى ابن الله، ومشركو مكة كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، وكذلك الذين يتخذون كبارهم وسطاء، فيعدّونهم من أولياء الله ويضعونهم بينهم وبين الله.
وهذا الاعتقاد يؤدي إلى وضع الله تعالى ـ مع أنه قريب من الإنسان قربًا شديدًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق 50/16) ـ في المرتبة الثانية من حيث التوجّه والطلب، وأن هذا الاعتقاد يجعل صاحبه من المشركين.
وكلمة «الشهداء» الواردة في الآية هي جمع «شهيد»، ويرى الكاتب أن «شهيدًا» هنا بمعنى «شاهد». والشاهد هو من يكون حاضرًا في مكان، أو يعلم الأمر، ثم يشهد به ويُخبر عنه، كما يدل عليه أصل الكلمة في معجم مقاييس اللغة.
وكل من يقرأ القرآن قراءةً واعية قائمة على الفهم والتدبر يدرك إدراكًا يقينيًا أنه كلام الله، ويستشهد على ذلك بآل عمران 3/18، والمائدة 5/83-84، ويوسف 12/26.
وعلى هذا الأساس، فإن هذه الآية تمثل تحديًا لمن لا يقبل أن القرآن كلام الله؛ إذ تدعوهم إلى الإتيان بسورة تماثل سوره، والاستعانة بمن لديهم من أهل العلم والمعرفة لإثبات دعواهم. وقد ورد مثل هذا التحدي أيضًا في يونس 10/37-38، وهود 11/13، والإسراء 17/88، والقصص 28/49، والطور 52/34.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة 2/24)
فإن لم تفعلوا ذلك، ولن تستطيعوا أن تفعلوه[5] فاتقوا تلك النار ـ أي جهنم ـ التي يكون الناس والحجارة فيها من عناصر إيقادها وإشعالها، وقد أُعدّت هذه النار للكافرين.
جهنم قد خُلقت، لكنها لم تُشعل بعد، وإنما تُوقد في الآخرة، ثم يُلقى فيها أهلها، كما في التكوير 12. وبعد إيقادها، تحرق النار جلود أهلها، فتُجدَّد جلودهم باستمرار ليذوقوا العذاب، كما في النساء 56. ومع ذلك، فإن أهل النار لا يموتون فيها، بل يتحدثون فيما بينهم، كما في الأعراف 38-39، ويتحدثون كذلك مع الملائكة الموكَّلين بها، كما في غافر 49-50، ويتحاورون أيضًا مع أهل الجنة، كما في الأعراف 48-51 والمدثر 40-47.
وكلمة الوقود في قوله تعالى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ لا تُحمل على المعنى الحرفي، لأن الإنسان والحجارة لو كانا وقودًا بالمعنى المعتاد، للزم أن تحترق أجزاؤهما كلها، ولما أمكن لأهل النار أن يتحدثوا أو يبقوا مدة طويلة فيها، بل لفَنُوا سريعًا.
وبالنظر إلى مجموع الآيات التي تتحدث عن جهنم، يُفهم لفظ «وَقُود» هنا على سبيل المجاز بمعنى «المُشعِل أو المُوقِد»، أي ما تتأجج به النار وتشتدّ، بدل حمله على معنى الوقود بالمعنى المادي المباشر.
يُفهم من هذا السياق أن الآية تنتقل من إقامة الحجة على المكذبين بالقرآن إلى تحذيرهم من عاقبة الإصرار على التكذيب بعد قيام الحجة عليهم. أي أن هذه النار قد أُعدّت للكافرين، كما صرحت الآية، في سياق التحذير من عاقبة رفض الحق بعد ظهوره.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ، كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ، وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ، وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ، وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة 2/25)
وبشِّر الذين آمنوا بالله وصدّقوا به، وعملوا الأعمال الصالحة بأن لهم جناتٍ وبساتين تجري من تحتها الأنهار. وكلما قُدِّم لهم فيها شيء من ثمارها رزقًا، قالوا: «لقد رُزقنا بمثل هذا من قبل»؛ إذ تُقدَّم لهم ثمار متشابهة في الهيئة أو الصفات، مع أن كل ما يُعطَونه متجدد ومتعدد. ولهم فيها كذلك أزواج طاهرة من كل ما يشوب العلاقة بين الزوجين من أذى أو نقص. وهم باقون فيها بقاءً دائمًا لا ينقطع.
المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات: الذين صدّقوا بالله وأتبعوا الإيمان بالعمل الصالح، فلا يقتصر الإيمان هنا على مجرد الاعتقاد، بل يقترن بالسلوك والعمل المستقيم، فالعبرة باجتماع الإيمان والعمل، لأن نقص أحدمها يمنع القبول عند الله تعالى.
ويدل قوله تعالى ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ على أن ما يُرزق به أهل الجنة يأتيهم في صورة متشابهة، بحيث يذكّرهم بما سبق أن أُعطوه، مع كونه في حقيقته متجددًا. وفي ذلك إشارة إلى تنوع نعيم الجنة مع بقاء الألفة والمتعة في صورتها، وهذا من تمام النعمة، لأن الجديد غير المألوف لا يكون ممتعا كالجديد المألوف.
والمقصود بـ «أزواج مطهرة» أزواج منزّهة عن كل ما يعكّر صفو الحياة الزوجية من أذى أو نقص، فهي علاقة يسودها الطهر والسلام والطمأنينة. فالأزواج الذين يدخلون الجنة يكونون قد طُهِّروا من عيوبهم وأخلاقهم السيئة، فلا يجد أحد الزوجين في الآخر نقصًا أو ما ينغّص عليه حياته، كما تشير إلى ذلك آيات آل عمران 3/15، والنساء 4/57، والأعراف 7/43.
أما الوِلدان والحور المذكورون في وصف نعيم الجنة، فليسوا بأزواج بالمعنى المعروف، بل هم مَن يقومون بالخدمة، كما في الدخان 44/54، والواقعة 56/17-24، والإنسان 76/19.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الآيات التالية تؤكد هذا المعنى وتضفي مزيدا من التفاصيل: يس 36/60-61، والأنعام 6/102، والذاريات 51/56.
[2] كذلك ينظر في الآيات: [يوسف: 109 وفاطر: 44 وغافر: 21 و 82 ومحمد: 10]
[3] يُنظر: [غافر 64، والذاريات 48]
[4] يُنظر: [الأنعام 99، وطه 53، والنمل 60، ولقمان 10، وق 9]
[5] يُنظر: [هود 11-14]


أضف تعليقا