السؤال:
السلام عليكم، أجد دائمًا في موقعكم ما يدحض الأعراف السائدة والمفاهيم الخاطئة التي تشوه ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل، وأريد أن أسألكم:
العرف الشائع مُستهلك للمرأة؛ فهي تطبخ، وتنظف، وتغسل الحمامات، وتغسل الصحون والملابس وتكويها، وتهتم بالأولاد وتطعمهم، ويجب أن تهتم بنفسها أيضًا، وهي تحمل وتلد وترضع وتمتع زوجها إذا أرادا ذلك، وعليها العبادة والصلاة من غير إجازة أو راحة، أما الزوج فعندما يرجع إلى المنزل من وظيفته فانه يقضي باقي يومه في الاسترخاء، حتى أن لديه في أغلب الأحيان يومين إجازة في كل أسبوع، ألا يجب أن يساعد الزوج في أعمال المنزل والتربية أيضًا؟ أليس مسؤولًا عن حاجاته الشخصية؟ هذا حمل كبير جداً على النساء، وليس عدلًا أن يساهم الرجل ماديًا فقط.
ألم يقل الله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، لن تكون هناك متعة بهذه الطريقة، أم أنني فهمت الآية بشكل خاطئ؟ أرجو أن يُفتيني أحدٌ من موقعكم المحترم في أمري؛ فإني أحس أن حياة النساء كالعبودية، تُشترى لتشتغل كالخادمة، لم أقل إنني لا أريد فعل أي شيء وأنني لا أريد مساعدة زوجي في المستقبل، فكل منا يقوم بدوره، هو يصرف على الأسرة ويحميها وأنا أنجب الأطفال وأرعاهم ونلبي حاجات بعضنا الجسدية أيضًا، ما أقصدُهُ المهام الأخرى للحفاظ على المنزل نظيفًا، وطبخ الطعام، وغسل الصحون، والاهتمام بالأطفال؛ ألا يمكن أن يساهم فيها أيضًا؟ لأنني جربت في منزلي: الرجال لا يفعلون شيئًا، بل يساهمون في توسيخ المنزل أكثر، فيجعل هذا الصعب أصعب.
الجواب:
وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، نرحب بكِ أيتها السائلة الكريمة، ونحيي فيكِ هذا الفكر الواعي والحرص على فهم مراد الله تعالى في العلاقات الأسرية.
وإن ما طرحتِه من تساؤلات يلامس واقعاً معاشاً تعاني منه الكثير من النساء، ويعكس إشكاليات حقيقية تسببت فيها ثقافة الأعراف السائدة التي قد تبتعد أحياناً عن الروح الحقيقية والجوهر العدلي الذي أرساه رب العالمين في كتابه العظيم وما قصه علينا من سيرة نبينا ﷺ مع أهل بيته الكرام.
﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ في الإمساك والتسريح:
وقبل ذلك نوضح أن استشهادكِ بقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وتساؤلكِ عما إذا كنتِ قد فهمتِ الآية بشكل خاطئ، فالحق أنه حتى وإن وردت هذه العبارة في كتاب الله تعالى في معرض الحديث عن أحكام الطلاق وإعطاء المرأة حقوقها عند الفراق، فإن استشهادكِ بها في جوهره استشهاد صحيح وصائب؛ إذ إن هذا الأمر بالمتعة عند الفراق إنما جاء تقديراً واعترافاً بما قدمته المرأة من متعة وسكن، وتأكيداً على أن الأصل في الحياة الزوجية قائم على الاستمتاع المتبادل والبهجة، كما يتجلى في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24] فسُمي أجرًا للالتزام والوفاء به وتقديرًا لجهود المرأة وأنها تستحق في الحقيقة أجرًا على قيامها بهذه المتعة.
فالمتعة حق أصلِيّ ومكفول في هذا الإطار الأسري الذي أُسس على السكن والمودة، كما قال عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]، ولا يمكن أن تتحقق هذه المتعة أو السكينة حين تتحول حياة المرأة إلى استنزاف وعبودية واحتكار للأدوار.
وعند التأمل في الأبعاد القيمية التي أرسى دعائمها القرآن الكريم، نجد أن الخطاب الإلهي قد جاوز مفهوم ‘المساعدة الإحسانية’ أو التفضل العابر، ليرسخ مفهوم ‘الشراكة الحقيقية’ والولاية المتبادلة بين الزوجين. فعون الرجل لزوجه في أعباء البيت ليس مِنةً يَمُنُّ بها أو تفضلاً عابراً، بل هو تطبيق واقعي لمفهوم الشراكة والتكامل؛ إذ يتولى كلا الطرفين مسؤولية بناء هذا الكيان وإدارته بروح التعاون، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] فالولاية هنا هي ولاية نصرة وتآزر وتكامل في شؤون الحياة كلها، وليست تراتباً هرمياً يفرِّغ طرفاً من كينوبته أو يحمِّله وحده ما لا يطاق.
وإن تحميل المرأة أعباءً مضاعفة ومستمرة دون مشاركة الرجل هو إرهاق ينافي قوله تعالى في معرض الحديث عن الرضاع: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233]، فالبيت المؤمن قائم على حمل المسؤولية المشتركة برحمة وطيب خاطر، ليكون سكناً حقيقياً يجد فيه كل طرف راحته وكرامته.
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِـنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهدي النبوة:
وما يؤكد هذه الشراكة العادلة في كتاب الله تعالى، أنه أقر مبدأ التكافؤ والمثالية في الحقوق والواجبات، حيث يقول عز وجل: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228] فإن هذه ‘الدرجة’ التي يظنها البعض تفضيلاً أو استعلاءً، هي في حقيقتها عبء إضافي وتكليف بالرعاية والتحمل والصبر والإنفاق، وليست تشريفاً يبيح للرجل التخلي عن مسؤولياته داخل البيت.
ويبين لنا القرآن الكريم أسمى صور الحرص على رضا الزوجات وإسعادهن في الحديث عن النبي في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1] فإذا كان النبي الكريم قد بلغ به المدى في رعاية خاطر أزواجه وابتغاء مرضاتهن إلى حد تحريم الحلال على نفسه – على الرغم من عظم الرسالة وثقلها حيث كان يحمل على كاهله أعباء أمة بأكملها حرص على إسعادهن- فمن باب أَوْلَى وأوجب أن يقوم الرجل الذي ليس نبيًا أو رسولًا بما هو حلال ومشروع ومندوب إليه من مساندة زوجه والتخفيف عنها، ابتغاء المودة والرحمة وإسعاد أهل بيته، والتخلي عن العادات الباطلة والتقاليد البائدة التي حولت البيت المؤمن إلى بيت عبودية واسترقاق.
وإحقاقاً للحق وحتى لا يكون الكلام صادراً من باب التعميم الظالم فــ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ فإننا وإن كنا نتحدث عن عرف شائع، إلا أن هناك طائفة من الرجال قد تخلّوْا عن هذه العادات البائدة الظالمة وشاركوا أزواجهم أعباء الحياة بوعي ونُبل، غير أن هذه الفئة القليلة لم تنل حظها من الظهور أو الشهرة، بل إنهم قد يصطدمون بقسوة المجتمع ونظرته القاصرة الظالمة، ويخشون مواجهة الضغوط المجتمعية وضغوط أمهاتهم اللاتي لم يُربّين أبناءهن على القوامة بمفهومها القرآني الصحيح القائم على تحمل المسؤولية والإيثار، بل أنشأنهم على حب الأثرة، مما يجعل ممارسة هذا المبدأ القرآني الشريف ومخالفة هذا الموروث الذي يظلم الطرفين شجاعةً وأمراً يحتاج إلى ثباتٍ ومروءة.
أمثلة على التعاون بين الزوجين في البيت:
ولكي تتجسد هذه الشراكة في أرض الواقع، فإنها تتطلب توزيعاً متكافئاً ومستمراً للمهام اليومية داخل البيت بروح من المرونة والتكامل السلس، دون حصر التعاون في ظروف طارئة أو أوقات محددة؛
فمثلا: بينما تقوم هي بإعداد وجبة الطعام، يتكامل هو معها برعاية الأطفال أو غسل الصحون، وحين تتكفل هي بالغسيل، يتولى هو الكيّ، وحين تطعم هي الأطفال يقوم هو بتدريس الأبناء وتوصيلهم لقضاء احتياجاتهم دون إلقاء الحمل كاملاً عليها، بل إن هذا العدل يقتضي أيضاً إتاحة المساحة لكل طرف ليأخذ قسطاً من الراحة؛ فكما يحق للرجل الاسترخاء، يحق للمرأة كذلك أن تستريح أو تخرج للترويح عن نفسها مع صديقاتها وجاراتها بعيداً عن ضغوط البيت ورعاية الصغار، ليتولى الزوج إدارة شؤون أبنائه وبيته في تلك الأثناء برحمة وطيب خاطر، فتكون الحياة بينهما قائمة على التناوب والمساندة الدائمة، لا على الاستنزاف الفردي.
كما أن الحد الأدنى من هذه المسؤولية – وكما أشارت السائلة الكريمة – يقتضي كف الأذى وتحمل الرجل لشؤونه الشخصية وعدم زيادة العبء والإرهاق على أهل البيت.
التربية والاستثمار في الأبناء مسؤولية الآباء أولاً:
وعلى صعيد تربية الأبناء، فإن القرآن الكريم يعيد تصحيح المفاهيم السائدة التي تحصر التربية في الأم وتجعل دور الأب مجرد ممول أو ماكينة دفع؛ فالخطاب الإلهي يوجّه المسؤولية الأولى في التوجيه والتربية إلى الأب نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132] فهذه الآية الكريمة تنبه الأب إلى عدم الاستغراق التام في العمل بذريعة جلب الرزق والتنصل من واجب التربية والمتابعة؛ إذ إن تقوى الله ورعاية الأبناء هي استثمار حقيقي ‘في الأبناء’ بذواتهم وأخلاقهم، وليس مجرد استثمار مادي ‘لهم’، وهو ما يطالبنا به كتاب الله بوضوح وجلاء.
ملاحظة هامة:
وهنا يجدر بنا وضع استدراكٍ أساسي؛ إن كل ما ذكرناه سابقاً من صور التشاركية والتكامل ينطبق في الحالة الطبيعية التي تكون فيها المرأة متفرغة لبيتها؛ إذ إن إدارة شؤون المنزل وحدها تُعدّ عبئاً كبيراً يستوجب المشاركة، هذا بخلاف تربية الأبناء التي يقع العبء الأكبر فيها أصالة على الرجل كما بينّا. أما إذا كانت المرأة تعمل خارج البيت، سواء باختيارها أو بسبب ظروف الحياة القاسية ومتطلباتها، فإنها في هذه الحالة تكون قد أخذت جزءاً من ‘القوامة’ وشاركت فيها، وهي القوامة التي خصّ الله بها الرجال دون النساء في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34] وحين تتحمل المرأة ما لم يفرضه الله عليها أصالة وتشارك في أعباء القوامة، فإن الرجل يصبح مكلّفاً ومطالباً بأضعاف ما كان يقدمه من قبل؛ فيلزم عليه مضاعفة العطاء، وحمل المسؤولية داخل البيت كزوجته، تقديراً لمشاركتها فيما هو خارج عن مسؤوليتها الأصلية.
القدوة العملية أبلغ أثراً بآلاف المرات من التوجيه اللفظي المجرد:
إن تنشئة الأجيال على العدالة يكون بضرب النموذج الحي؛ فحين يرى الأبناءُ أباهم يساند أمهم ويشاركها تفاصيل البيت دون استنكاف، فإنهم يتشربون وعياً عميقاً بالاحترام المتبادل، وينشأ الجيل الجديد على نبذ التقسيم الظالم للأدوار، وتجاوز القوالب الجامدة التي تُحمّل طرفاً فوق طاقته، مادام كلا الطرفين لا يستغل الآخر.
فالتعاون يذيب الكثير من الخلافات اليومية الصغيرة التي تنشأ عادة بسبب شعور أحد الطرفين بالاستنزاف أو الإرهاق الفردي، ليتحول البيت إلى واحة راحة وسكن حقيقي للطرفين معا، وعون الرجل لزوجه في بيته هو مرآة لشهامته ونبل خلقه، ودليل حيّ على وعيه بأن قوة العلاقة الزوجية تقاس بمدى التكافؤ، والتراحم، والقدرة على حمل الأعباء معاً بروح طيبة وقلب منفتح.
وختامًا:
إن ما ذكرتِه في ختام رسالتكِ من أنكِ لا ترغبين في التخلي عن دوركِ، بل تطالبين بالتوازن والعدالة والمشاركة الحقيقية، هو عين العقل والإنصاف.
فالزواج الناجح يقوم على الحوار المفتوح والتفاهم المبكر والمستمر؛ إذ إن الرجل في كثير من الأحيان لا يدرك حجم المعاناة اليومية والتفاصيل الدقيقة للأعمال المنزلية ورعاية الصغار إلا إذا عاش التجربة بنفسه وشعر بعبئها، وهنا يأتي دور المرأة بذكائها وحكمتها التي منحها الله تعالى إياها، بأن تُعَبِّر بوضوح ورفق عن حاجتها للراحة، أو تُشرك الزوج في التجربة المباشرة؛ كأن تتركه يتحمل مسؤولية الأبناء وإدارة البيت لبعض الوقت أثناء غيابها لزيارة أهلها أو قضاء شؤونها، ليشعر بنفسه بحجم الثقل والمسؤولية الملقاة على كاهلها؛ فهذه المحاولات الواعية تُسهم في بناء ثقافة أسرية جديدة تقوم على التشاركية الواقعية ونبذ الاتكالية.
والحل يكمن في إرساء ثقافة الحوار، والتذكير بالأسوة النبوية، وتأكيد أن البيت السعيد يُبنى بالتعاون والرحمة لا بالاستنزاف والإلغاء.
وأن تحقيق هذه القيم داخل البيت المؤمن يجعل منه نموذجاً حياً يُحتذى به للأجيال الحالية والقادمة، مصداقاً لدعوة الصالحين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. وحين تتحقق هذه “الإمامة بالتقوى” من خلال مراعاة الله وتقواه في رعاية البيت من داخله، وتأسيسه على التماسك، والمودة، والرحمة، والتشارك العادل، فإن أثر هذا العدل والسلام الداخلي لا يقف عند جدران البيت فحسب، بل يمتد نوره وخيره ليشمل المجتمع بأسره، لتسود فيه قيم الإنصاف والمحبة التي أرساها رب العالمين في كتابه العظيم.
الباحثة: شيماء أبو زيد


أضف تعليقا