حبل الله
هل كل ما يقوله النبي عليه السلام وحي؟

هل كل ما يقوله النبي عليه السلام وحي؟

مقدمة:

يعتقد كثير من الناس بأن جميع أقوال النبي ﷺ وأفعاله وحي إلهي، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم 53: 3–4). ويهدف هذا البحث إلى مناقشة مدى صحة هذا الفهم، وذلك بالاعتماد على منهج قرآني[1] يقوم على جمع الآيات ذات الصلة وقراءتها في سياقها العام[2]، ومقارنتها بنظائرها، واستعراض مواقف الصحابة، وأقوال المفسرين، للوصول إلى فهم متزن منضبط بالنص القرآني.

أولًا: المنهج القرآني في الفهم

إن الحكم على أي قضية عقدية أو تشريعية لا يكون بالوقوف عند آية واحدة معزولة عن سياقها، وإنما لا بد من جمع الآيات المتعلقة بالموضوع الواحد وقراءتها قراءة تكاملية. فالقرآن يفسر بعضه بعضًا، وقد أمر الله بذلك ضمنًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف 7: 52).

ثانيًا: سياق آيات سورة النجم

جاءت آيات سورة النجم في سياق الرد على اتهامات المشركين للنبي ﷺ بأنه ضال أو شاعر أو كاهن. فقال تعالى:

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ. وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾.

والمقصود بالكلام هنا هو ما كان النبي ﷺ يبلغه للناس بوصفه رسولًا، أي القرآن الكريم، لأنه الرسالة التي كانت مثار الجدل عند المشركين.

ويؤكد هذا الفهم قوله تعالى في موضع آخر:

﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ … تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الحاقة 69: 40–43)،

حيث نفى الله أن يكون القرآن شعرًا أو كهانة، وأثبت أنه تنزيل منه سبحانه.

ثالثًا: الوحي المقصود في الآيات

يتضح من مقارنة الآيات أن الوحي المذكور في سورة النجم هو القرآن الكريم، لا مطلق أقوال النبي ﷺ. ويؤكد ذلك قوله تعالى:

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ﴾ (النجم 53: 5)

أي أن جبريل عليه السلام علّم النبي ﷺ هذا الوحي.

كما ختمت السورة بقوله:

﴿أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ (النجم 53: 59)،

والمقصود بالحديث هنا القرآن، كما في الآية التالية:

﴿اللَّهُ نَزَّلَ ‌أَحْسَنَ ‌الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ (الزمر: 23)

رابعًا: الاجتهاد النبوي والتصويب الإلهي

لو كان كل ما قاله النبي ﷺ وحيًا، لما وُجد مجال للاجتهاد أو الشورى أو الخطأ. غير أن القرآن سجل عددًا من المواقف التي اجتهد فيها النبي ﷺ ولم يُصب ثم نزل الوحي بتصويب أو عتاب، كما في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (التحريم 66: 1)،

﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ (التوبة 9: 43).

﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ‌لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 67-68]

وهذا يدل على أن هناك فرقًا بين مقام التبليغ عن الله، وهو وحي معصوم، وبين التصرفات والاجتهادات البشرية.

خامسًا: موقف الصحابة

كان الصحابة يميّزون بين الوحي والرأي، فكانوا يسألون النبي ﷺ: أهذا وحي أم اجتهاد؟ كما وقع في غزوة بدر حين سأل الحباب بن المنذر عن موضع النزول، فلما علم أنه رأي بشري اقترح غيره فقبله النبي ﷺ.

كما قال النبي ﷺ صراحة في مسألة تأبير النخل: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وبيّن أن رأيه في هذه القضايا ليس وحيًا.

سادسًا: أقوال المفسرين

ذهب جمهور المفسرين إلى أن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ خاص بالقرآن. فقد نقل القرطبي عن قتادة قوله: “أي لا ينطق بالقرآن عن هوى”[3]، أي إن الوحي المنزل ليس نابعًا من رأي شخصي.

الخاتمة

يظهر مما سبق أن آيات سورة النجم نزلت في سياق الدفاع عن مصدر القرآن ونفي التهم الموجهة إلى النبي ﷺ، وأن الوحي المقصود فيها هو القرآن الكريم وحده. أما القول بأن كل ما صدر عن النبي ﷺ وحي، فهو قول لا يدل عليه السياق القرآني، ويؤدي إلى الغلو ومجاوزة الحد الذي رسمه القرآن لمقام النبوة.

الباحث: آيدن ملايم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  الأعراف 7: 52.

[2]  الإسراء 17: 106؛ القيامة 75: 17–18.

[3]  القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة النجم، ج 17.

تعليق واحد

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.