حبل الله
هل رواية التاريخ تعدُ من الغيبة المحرمة؟

هل رواية التاريخ تعدُ من الغيبة المحرمة؟

السؤال:

أحب قراءة الأحداث التاريخية وقراءة الكتب ومشاهدة مقاطع لمتخصصين يروون القصص التاريخية، وأرغب أحيانًا في مشاركة هذه المقاطع للفائدة العامة أو للنقاش. لكن كثيرًا ما تتضمن هذه المقاطع ذكر بعض الأشخاص بنقدٍ سلبي، كوصفهم بالظلم أو قلة الحكمة ونحو ذلك.  فهل يُعد هذا من الغيبة؟ وهل يحرم عليّ مشاركة هذه المقاطع إذا لم يكن مقصودي من نشرها من هذا النقد ليس الغيبة، وإنما الفائدة العامة وسرد القصة التاريخية بغضّ النظر عما قد يرد فيها من غيبة؟

الجواب:

ذكر الشخصيات التاريخية بالنقد عند سرد الأحداث ليس غيبة محرّمة إذا كان مقصوده بيان أحداث التاريخ للعبرة، لا التشفي ولا الانتقاص، بشرط الالتزام بالضوابط الشرعية في الأسلوب والمقصد.

أولًا: ما هي الغيبة أصلًا؟

الغيبة هي:  “ذكرك أخاك بما يكره”[1]. وهي في الأصل متعلّقة بالأحياء من المسلمين، أما من ماتوا أو من ذُكروا في كتب التاريخ للعبرة والبيان فالأمر مختلف.

قال الإمام النووي رحمه الله:

يجوز ذكر الإنسان بما فيه من نقص إذا كان لغرضٍ صحيحٍ شرعي، لا يمكن الوصول إليه إلا بذكره”[2].

وقد ذكر القرآن الكريم قصص السابقين بما لهم وبما عليهم، ليس للتسلية أو القدح وإنما لأخذ العبرة والتعلم منهم. قال الله تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ ‌عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: 111] 

ثانيًا: ذكر الشخصيات التاريخية

العلماء والمؤرخون منذ القرون الأولى ذكروا الخلفاء والملوك والقادة بما لهم وما عليهم، وذكروا الظلم والخطأ وسوء التقدير أحيانًا، ولم يُعدّ ذلك غيبة، لأنه توثيق للتاريخ وبيان للعِبر وتحذير من الأخطاء وفهم لسُنن الله في الأمم. ولأنه لو كتمنا أخطاء الناس لضاع أكثر التاريخ.

ثالثًا: النية والمقصد

ما دمت تشارك المقاطع للفائدة أو النقاش أو التعلم، ولا تقصد السخرية أو التحريض أو التشفي، ولا تزيد على ما ورد أو تروّج للسباب، فلا إثم عليكِ إن شاء الله.

رابعًا: ضوابط مهمّة عند المشاركة

من الإنصاف تحرّي المصادر الموثوقة، ونقل النقد بأسلوب علمي لا تهكمي، وتجنّب التعميم والتجريح، وعدم الخوض في النيات والسرائر.

فإن غلب على المقطع التهويل أو السخرية أو التشويه بلا فائدة علمية ترجى منه، فتركه أولى.

خامسا: معايير الطرح التاريخي المنضبط والطرح غير المنضبط

يمكن التمييز بين الطرح التاريخي المنضبط والطرح غير المنضبط من خلال جملة من المعايير العامة. فالطرح العلمي الرصين غالبًا ما يعتمد على مصادر معروفة أو مراجع معتبرة، ويعرض الأحداث في سياقها الزمني والسياسي والاجتماعي دون اقتطاع أو تهويل. كما أنه لا يختزل الشخصيات التاريخية في موقف واحد، بل يذكر ما لها وما عليها، ويحرص على استخدام لغة هادئة خالية من السخرية أو التجريح، فيعبّر عن الخطأ بعبارات منضبطة مثل “أخطأ” أو “انتُقد هذا القرار”، دون سبّ أو تشفٍّ أو تعرّض للنيات والسرائر. ويكون الهدف من هذا الطرح عادة الفهم والعبرة واستخلاص الدروس، لا إثارة الجدل أو إذكاء الخصومة.

في المقابل، يُعرف الطرح غير المنضبط بأسلوبه الانفعالي أو التحريضي، وبالتهكم أو إطلاق الأحكام المطلقة التي تصف الشخصيات بأوصاف جارحة دون تفصيل أو توثيق. كما يكثر فيه الاعتماد على روايات غير موثوقة أو سرديات رائجة بلا مصادر، مع إسقاط صراعات العصر الحديث على شخصيات تاريخية دون منهج علمي، وقد يصل أحيانًا إلى إثارة الفتن أو تعميق الانقسام، خاصة في القضايا الحساسة.

وقبل مشاركة أي مادة تاريخية، من الحكمة أن يراجع المرء قصده ويتأمل أثر النشر، فيسأل نفسه هل في المحتوى فائدة علمية أو عبرة حقيقية، وهل أُسلوب الطرح محترم ومتزن، وهل يطمئن القلب إلى مشاركته من الناحية الشرعية. فإن وُجد التردد أو الريبة، كان الترك أولى،

وقد روي عن النبي الكريم أنه قال: «‌دع ‌ما ‌يريبك ‌إلى ‌ما ‌لا ‌يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة»[3]

ومن باب الاحتياط وحسن النية، يمكن عند مشاركة بعض المقاطع إضافة تعليق موجز يوضّح أن النقد الوارد فيها موجّه إلى الأحداث أو القرارات في إطار سرد تاريخي، لا إلى الأشخاص بذواتهم، وأن الغاية من النشر هي الفائدة والعبرة. فبهذا يجتمع المقصد الحسن مع الأمانة العلمية، ويُصان اللسان عن الوقوع في المحظور.

إن التعامل مع التاريخ لا يقوم على التقديس الأعمى ولا على التشهير، بل على العدل والإنصاف، ومن راعى القصد والضوابط سلم دينه ونفع غيره، بإذن الله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  هذا تعريف الغيبة كما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “قال أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ‌ذكرك ‌أخاك ‌بما ‌يكره قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته” مختصر صحيح مسلم للمنذري ت الألباني (2/ 478)

[2]  رياض الصالحين – ت الفحل ص425

[3]  سنن الترمذي، 4/ 668 ت شاكر

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.