السؤال:
قابلني فيديو لأحد الُدعاة المشاهير الذين أثق بهم على تيك توك ، مضمون الفيديو أن الحياة السهلة لا تعني أن الله راضٍ عنك، وأن الحياة الصعبة تعني أنه غير راضٍ عنك، وأن النجاح وسهولة الحياة وغيرها من الرفاهيات قد تكون امتحان من الله تعالى، واستدل بالآية ٤٤ من سورة الأنعام.
سؤالي هل هذا الكلام صحيح؟ فأنا أعاني من بعض المشكلات في حياتي اليومية وأسعى لجعل حياتي أسهل وأدعو الله بهذا. فهل يجب أن أصبر على الحياة الصعبة؟ أم أسعى للتغيير؟.
الجواب:
المعنى الذي ذكره الداعية في الفيديو صحيح من حيث الأصل، فسهولة الحياة أو صعوبتها ليست مقياسًا قطعيًا على رضا الله أو سخطه. فقد يبتلي الله عباده بالنعمة كما يبتليهم بالمشقة، وكلٌّ منهما اختبار. قال الله تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]
وفي الآية التالية خطاب مباشر للمؤمنين:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]
وفي الآية التالية _التي وردت في السؤال_ بيان أن الله تعالى قد يستدرج العصاة بالنعمة:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44]
وهي آية تدل على أن كثرة النعم قد تكون استدراجًا لبعض الناس إذا اقترنت بالغفلة والإعراض، لا علامة على رضا الله تعالى.
لكن فهم هذه الحقيقة لا يعني أن الحياة الصعبة مطلوبة لذاتها، ولا أن المسلم مأمور بالرضا بالمعاناة أو بترك السعي نحو الأفضل. فالإسلام لا يدعو إلى تعذيب النفس ولا إلى تقديس المشقة، بل هناك نهي عن ذلك بقوله تعالى:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]
وقد شرع الله تعالى الدعاء بطلب العافية والنعمة. وقد كان نبينا الكريم يسأل ربه العفو والعافية في الدين والدنيا، ويدعو بصلاح الدنيا، امتثالا لما علمه ربه من الدعاء[1]، مما يدل على أن السعي إلى حياة أيسر وطلب الفرج أمر مشروع بل محمود.
والجمع الصحيح بين الصبر وطلب التيسير يكون بأن يصبر الإنسان على ما لا يملك تغييره في اللحظة الراهنة، مع الاستمرار في السعي والدعاء لتغيير ما يمكن تغييره. فالصبر لا يعني الاستسلام ولا الرضا بالأذى، كما أن الدعاء برفع المشقة لا يُعد اعتراضًا على قضاء الله، بل هو من تمام التوكل عليه. وقد أخبر الله تعالى أنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر [البقرة: 185] ، وهذه قاعدة عظيمة في فهم الابتلاءات.
ولا يصح أن يُفهم وجود المشكلات أو الضيق في الحياة على أنه دليل على عدم رضا الله عن العبد، فأنبياء الله وأولياءه مرّوا بأشد أنواع البلاء، ومع ذلك كانوا في أعلى درجات القرب منه. قال الله تعالى لنبيا الكريم:
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 35]
وقال في حق الأنبياء وأتباعهم الصادقين:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]
فالرضا الحقيقي يُقاس بحال القلب مع الله تعالى وباللجوء إليه، وبمحاولة الإصلاح والثبات، لا بدرجة الرفاه أو سهولة الظروف.
ولهذا، من حقك أن تدعو الله أن يجعل حياتك أسهل، وأن يرفع عنك ما يثقل على قلبك، وهذا في ذاته عبادة لا نقص فيها ولا حرج. وفي الوقت نفسه، فإن صبرك على ما لم يُرفع بعدُ مأجور عليه عند الله تعالى. فلا تشعر بالذنب لأنك تتمنى الراحة، ولا تجعل الشقاء معيارًا للإيمان، فالله رحيم بعباده، قريب ممن دعاه، ويعلم ضعفهم وحاجتهم إلى اللطف والفرج. يقول الله تعالى لنبيه الخاتم:
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا، وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأنعام: 34]
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر مقالة أعظم الدعاء من موقعنا: حبل الله


أضف تعليقا