حبل الله
تُرجي من تشاء منهنّ وتؤوي إليك من تشاء: الأحزاب 51

تُرجي من تشاء منهنّ وتؤوي إليك من تشاء: الأحزاب 51

السؤال:

ما هو تفسير الآية: ﴿‌تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 51]  

كيف يكون هذا الأمر رخصة للنبي وفي آخر الآية ذكر الله تعالى أن الحكمة من هذا الموضوع هو أن تقرّ أعينهنّ ولا يحزنّ… فكيف ستقرّ أعينهنّ ولا يحزنّ إذا عزل منهنّ ولم يعدل بينهنّ، أشعر بحلقه مفقودة بفهمي للآية أرجو أن تساعدوني وخصوصا بأن أغلب التفاسير متشابهة، ولم أفهم الرابط بين رخصة النبي وبين أن زوجاته ستقر أعينهنّ.

الجواب:

في الحقيقة، إن تساؤلكِ بالفعل يضع اليد على حلقة مفقودة في غاية الأهمية، فكثير من الشروحات التقليدية تمر على هذه الآية مرورًا سريعًا دون الربط بين الرخصة الممنوحة للنبي ﷺ وبين الحالة الشعورية لزوجاته، مما قد يوحي بوجود تناقض بين الخيار الشخصي وبين قرة عين المرأة. لكن عند التدبر في السياق الكلي لبيت النبوة، نكتشف أن هذا التشريع جاء تحديداً ليرفع الحرج النفسي عن الجميع؛ فالتوسع للنبي لم يكن على حساب مشاعرهنّ، بل كان ضمانة لاستقرار قلوبهنّ ونزع فتيل الحزن والقلق من نفوسهنّ، كما بينته الآيات الكريمة.

ميزان العدل والرضا في بيت النبوة

إن الله تعالى عندما شرع التعدد، جعل العدل شرطًا أساسيًا وقيمًا حاكمًا لهذا الجمع، فقال سبحانه: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: 3] ، وكان النبي ﷺ هو أول الناس امتثالاً لهذا الأمر الرباني، فجسّد في حياته أرقى نماذج الإنصاف والمساواة، بل بلغ من شدة حرصه على إرضاء أزواجه درجة أنه كان يضيق ويحرم على نفسه ما هو حلال له طلباً لمرضاتهنّ، حتى نزل العتاب الإلهي الرفيق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1].

ومن هذا المنطلق، نتدبر قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾؛ لنكتشف أنها رخصة إلهية جاءت لتوازن بين أعباء الرسالة وبين استقرار مشاعر نساء بيت النبوة، فالله تعالى قد أزاح بهذا الحكم العبء النفسي عن كاهل النبي ﷺ، الذي كان يشتد على نفسه في الالتزام بالعدل المطلق رغم ما يتحمله من أعباء الرسالة والجهاد والدعوة وإيذاء المشركين.

هذا التفويض الإلهي أخبر أزواجه أن الإرجاء أو الإيواء لم يعد خاضعًا للميل البشري؛ فلو أن النبي من تلقاء نفسه ترك المبيت عند زوجة وذهب لأخرى، لربما تسلل لقلبها شعور الحزن متسائلة: هل ملّ مني أو كرهني؟ لماذا فضلها عليّ؟ لكن عندما نزل الوحي ليقول: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ أصبح الأمر قرارًا تشريعيًا عامًا؛ فإذا لم يبت النبي عند إحداهن، فهي تعلم أن هذا “قدر الله تعالى” ورخصة من السماء استعملها النبي لحكمة أو لراحة يقتضيها ظرف الرسالة، وليس تقليلاً من شأنها أو تفضيلاً لغيرها.

بل إن قوله تعالى: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ جاء ليحسم باب الظنون تمامًا؛ فلو صرّح النبي لإحداهن بالرغبة في الذهاب إليها ثم منعه مانع أو اقتضى ظرف الرسالة غير ذلك، فلا تظنّ أنه أخلف وعده أو تغير قلبه، بل هو تحركٌ في مساحة “لا جناح” التي شرعها الله تعالى له بغير ظلم لها.

إن الغاية من هذا كله هي: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾؛ لأنهن يدركن أن النبي الآن يتصرف وفق “التوسعة الإلهية” التي تشملهن جميعاً، ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾؛ لأن استخدامه للرخصة مع أي واحدة منهن لا يُعد إدانة لجمالها أو مكانتها، بل هو ترتيب نبوي أقره الخالق.

ولأجل ذلك ختم تعالى الآية بقوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ فالله تعالى لم يقل “ويصبرن” أو “ويستسلمن” بل قال: ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾، والرضا مرتبة شعورية أعلى بكثير من مجرد الصمت على الضرر، هو رضا نابع من يقينهنّ بقداسة المهمة، ومن شعورهن بأن العطاء الإلهي في هذه الرخصة شمل البيت كله، فأصبحن جميعًا شريكات في تخفيف أعباء الرسالة، وبذلك تحول بيت النبوة من التنافس على الحقوق الشخصية إلى التراضي على المصلحة والمهمة الكبرى للرسالة، فاستقرت النفوس وذهبت الغصّة، ليحل الرضا محل الحزن في أسمى ميثاق عرفته البشرية.

أزواج النبي لسن كأحدٍ من النساء

نساء النبي ﷺ لسنَ كآحاد النساء في ميزان التشريع أو التكليف؛ فبقدر علوّ قدرهنّ عند الله تعالى، تعاظمت المسؤوليات والقيود المفروضة على هذا البيت الطاهر، وقد أرسى القرآن قاعدة الاستثناء لهنَّ بقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: 32] وهذا التفرد لم يكن تشريفاً بلا كلفة، بل كان عقداً ربانياً يقوم على الرضا التام بمقتضيات النبوة.

لقد وضع الله تعالى أمهات المؤمنين أمام اختبارٍ وجودي ومفصلي، حين أنزل آيات التخيير ليُعلمهن أن البقاء في بيت النبوة هو “قرارٌ واعٍ” بالزهد في الدنيا واختيار الله ورسوله حيث قال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا. وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29].

وبناءً عليه، فإن القواعد التشريعية الخاصة ببيت النبوة – ومنها رخصة “الإرجاء والإيواء” كانت من صلب هذا الميثاق الذي قبلت به الزوجات طواعيةً؛ فمن تتحمل تبعات هذه المكانة وتقنت لله ورسوله وتصبر على أعباء الرسالة، فقد وعدها الله تعالى بالجزاء المضاعف: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: 31] أما من أرادت التسريح والتمتع بزينة الدنيا، فقد فتح الله لها باب الفراق بإحسان وكرامة دون لومٍ أو غضاضة: (فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا)

إن هذا التخيير الرباني والاختيار الحر هو الذي حوّل الرخصة للنبي إلى مصدر رضا وقرة عين؛ لأنهنّ اخترن هذا الطريق بوعي، ورضين بظروفه التي قد تضيق فيها مساحة الحقوق الشخصية لتتسع مساحة الصبر والمجاهدة، فاستحققن بذلك أن يكنَّ أمهات للمؤمنين ونبراساً لكل امرأة تبتغي وجه الله والدار الآخرة: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وكما أقرت أعينهنّ بحكم الله تعالى في الدنيا ورضين عنه، سيكون جزاء الإحسان قرة أعين ونعيمًا أبديًا مصداقًا لوعده سبحانه:

﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]

الباحثة: شيماء أبو زيد

التعليقات

  • قرأت في أحد التفاسير أن المقصود بعزلت تعني العزل عن الإنجاب الذي نعرفه الآن كي لا ينجب الزوج من زوجته. للأسف الدين الموازي متوغل وبشده
    تحيااااااتي أستاذة شيماء على المقال الرائع

  • نعم صحيح مئة بالمئة . والعيب على التراث الذي جعل بيت النبوة بيت غيرة وتفضيل أمنا عائشة لصغرها وتحالف بعضهن على بعض وصور النبي وكأنه رجل شهواني يطوف على نسائه بقوة كذا وكذا وكأن عنده متسعا من الفراغ فعاش حياته الجنسية مغ نسائه على أكمل وجه وقصر في تسليم كتاب الله مكتوبا بين دفتين حاشاه.
    فاساؤوا إلى شخصه الكريم ليرضوا أهواءهم.

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.