أ.د عبد العزيز بايندر
مقدمة
يشهد العالم الإسلامي في واقعنا المعاصر حالة من التفرق والضعف، وشاهده الحرب التي تشنها إسرائيل وأمريكا على غزة ولبنان وإيران، حيث أظهرت أن المسلمين متفرقون دينيا وسياسيا فأصبحوا بسبب ذلك على شفا حفرة من النار، ولو نظرنا في حال علماء المسلمين لوجدنا أنهم اتخذوا القرآن مهجورا، حتى غدت الأمة بعيدة عن مصدر قوتها الحقيقي، وهو كتاب الله تعالى، الذي أنزله هداية للناس ومنهجًا للحياة. وقد أشار القرآن إلى خطورة هذا البُعد حين ربط بين الافتراق عن الكتاب والهلاك، مذكرًا الأمة بحالها قبل الإسلام وبعده، فقال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]
أولًا: وجوب الاعتصام بحبل الله ونبذ التفرق
يؤكد القرآن هذا المعنى تأكيدًا متتابعًا، فيأمر بالوحدة، وينهى عن التفرق، ويحذر من عواقبه، كما في قوله تعالى:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 104-105]
كما يبيّن خطورة الانقسام في الدين ذاته بقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [الأنعام: 159]
فالوحدة هنا ليست مجرد وحدة شكلية، بل هي وحدة قائمة على الحق، وعلى التمسك بكتاب الله، أما التفرق القائم على الأهواء والبدع فإنه يخرج بالأمة عن منهجها ويعرضها للوعيد.
ثانيًا: إقامة فريضة الدعوة والإصلاح
إن من لوازم الاعتصام بحبل الله أن تقوم في الأمة فئة صالحة تضطلع بمهمة الإصلاح، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 104-105]
فوجود هذه الفئة ضرورة لحفظ توازن المجتمع والأمة، وهي التي تقوم بتذكير الناس بالحق وردّهم إليه عند الانحراف. ولا يكون ذلك إلا بعلم صحيح وفهم راسخ ومنهج قائم على الكتاب والحكمة، ولا ريب أن هذه وظيفة علماء المسلمين بالدرجة الأولى.
ثالثًا: حقيقة الدين وضرورة فهمه على وجهه الصحيح
إن أول واجب على الأمة هو أن تعي حقيقة الدين كما بيّنه الله، لا كما تصوغه الأهواء البشرية. الدين الحق هو الذي ينطق به كتاب الله ولا يتعارض مع الفطرة، وبالتالي لا يقبل أن ينقسم المسلمون إلى طوائف وشيع متباينة. وقد عبّر القرآن عن ذلك بقوله:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30-32]
كما يقرر القرآن أصل التوحيد والولاء لله وحده بقوله:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: 14]
ويؤكد شمول الإسلام وعموميته في الكون كله بقوله:
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: 83]
فهذه الآيات ترسم حقيقة الدين بأنه الاستسلام لله وحده، وهو الأصل الذي يجمع البشرية كلها تحت ربوبية واحدة، وهكذا لا يكون لمن يؤمنون بهذا الكتاب من عذر في بقائهم متفرقين مختلفين.
رابعًا: التكامل بين آيات الله الكونية والمنزلة
يبين القرآن أن الهداية لا تقتصر على النصوص المنزلة، بل تشمل أيضًا النظر في الكون، حيث تتكامل الآيات الكونية مع الآيات المنزلة، فيشهد كل منهما للآخر. قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]
فالتأمل في الكون يقود إلى الإيمان، والقرآن يوجه هذا التأمل ويضبطه، وبذلك يترسخ اليقين في القلوب، وتزول الشبهات.
خامسًا: وحدة الأصل الإنساني ومعيار التفاضل
يؤسس القرآن لوحدة إنسانية شاملة، تقضي على أسباب التعصب والتفرقة، وذلك بقوله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13]
فالأصل واحد، والغاية واحدة، والمعيار الحقيقي للتفاضل هو التقوى، لا النسب ولا اللون ولا الانتماء.
سادسًا: مآلات الالتزام بمنهج الله تعالى
إذا التزمت الأمة بهذا المنهج الرباني، تحقق لها وعد الله بالنصر والتمكين، كما قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]
كما يتحقق وعده بوراثة الأرض لعباده الصالحين، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 105-106]
والآيات التالية تورد وصفا دقيقا للحال التي يجب أن يكون عليها المؤمنون الصادقون الذين يستحقون العون من الله تعالى:
{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الفتح: 29]
وهذا يدل على أن التمكين ليس أمرًا عشوائيًا، بل هو نتيجة للإيمان بالكتاب كله والتمسك الجمعي به والعمل بما فيه.
الخاتمة
يتبين مما سبق أن الواجب على العالم الإسلامي يتمثل في الرجوع الصادق إلى كتاب الله، والاعتصام به، ونبذ التفرق، وفهم الدين على وجهه الصحيح، مع إقامة فريضة الإصلاح في المجتمع. فبهذا وحده تتحقق الهداية، وتستعيد الأمة قوتها، وتقوم بدورها في هداية البشرية، فيكون منها من يستجيب للحق فيسعد في الدارين، ومن يعرض عنه فيتحمل تبعة اختياره. قال الله تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا. وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: 9-10]
نسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين للعمل بكتابه الكريم فيجمع به شتاتهم ويوحد كلمتهم.


أضف تعليقا