السؤال:
أعمل في وظيفة بالتسويق لعملاء مختلفين، وعملي في غالبه يشمل مهام مباحة، ولكن قد يأتي شيء عارض كل حين وآخر يكون فيه شبهة كحال الكثير من الوظائف في الشركات وقد لا يحدث ذلك أيضا، مثلا يأتي عميل جديد للشركة ويكون مختصا بالسياحة، ومن خدماته مطعم فيه خمور ولكنه لا يسوق الخمر نفسه، أو محل ملابس وفيه ملابس غير محتشمة وغير ذلك، ولكن هذا شيء نادر جدا، فهل عليه ذنب في الاستمرار في هذه الوظيفة مع محاولتي تجنب هذه المهام قدر الاستطاعة؟
الجواب:
الأصل أن الكسب يكون حلالًا إذا كان العمل في نفسه مباحًا ولم يكن متضمنًا إعانة مباشرة على معصية. قال الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]
فهذه الآية هي القاعدة الجامعة في هذا الباب، إذ تدل على تحريم الإعانة على الإثم إذا كانت إعانة حقيقية مقصودة، لا بعيدة ولا تابعة.
وبناءً على ذلك، فإن الوظيفة التي ذكرتها، ما دام أغلبها أو جلّها مباح، وليست قائمة أصلًا على محرّم، فهي من حيث الأصل وظيفة جائزة. ووجود حالات عارضة نادرة قد يداخلها شبهة لا يغيّر الحكم العام للعمل، لأن الشريعة تعتبر الغالب لا النادر، والمقصود لا التابع. وقد تقرر عند الفقهاء أن “الحكم يدور مع الغالب لا مع النادر”وأن “التابع تابع ولا يُفرد بالحكم” انطلاقا من قوله تعالى في تحريم الخمر والميسر:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ، وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ [البقرة: 219]
أما مسألة التعامل مع عميل له نشاط مختلط، كأن يكون في مجال السياحة، أو مطعم يقدّم الخمر ضمن خدمات أخرى، أو متجر يبيع لباسًا فيه محتشم وغير محتشم، فهنا لا بد من التفصيل. إذا كان الموظف لا يروّج للمحرّم ذاته، ولا يَقصده بالتسويق، ولا يُبرز الخمر أو التبرج أو المحرمات، وإنما يباشر عملًا عامًا مباحًا لا يتصل بالمحرّم اتصالًا مباشرًا، فإن هذا لا يُعد إعانة صريحة على الإثم، بل هو من باب التعامل مع جهةٍ ذات نشاطٍ مختلط، وهو مما قال بجوازه كثير من أهل العلم عند الحاجة وعموم البلوى.
والحق أن الإعانة المحرّمة هي الإعانة المباشرة المقصودة، لا ما كان بعيدًا أو غير مقصود بذاته. يقول ابن تيمية رحمه الله:
“إذا اجتمع في العمل الواحد مصلحة ومفسدة، غُلّبت المصلحة الراجحة، ودُفعت المفسدة ما أمكن”[1]
ومن المهم هنا التفريق بين من يسوّق للخمر نفسها أو يدعو إليها أو يُجمّلها للناس، فهذا لا خلاف في تحريمه؛ وبين من يعمل في إطار عام مباح، وقد يقع له تعامل غير مباشر مع جهة فيها محرّم من ضمن نشاطها، دون أن يكون عمله منصبًّا على ذلك المحرّم. الفرق بين الحالتين جوهري في الحكم الشرعي.
وأما من جهة الإثم، فإن المسلم إذا حرص على تجنب هذه المهام قدر استطاعته، واعتذر عنها متى أمكن، ولم يسعَ إليها، ولم يرضَ بها قلبًا، فإنه غير آثم إن شاء الله؛ لأن الله تعالى يقول:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
ويقول أيضًا:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]
فالواجب هو التقوى بقدر الاستطاعة، لا طلب الكمال الذي قد يعجز عنه الإنسان في واقع العمل المعاصر.
وينبغي التنويه أن التحرز من الحرام وتحري الرزق الحلال مدعا لأن يفتح الله تعالى أبوابا واسعة للرزق. قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 2-3]
الخلاصة:
الاستمرار في هذه الوظيفة جائز شرعًا إذا كان أصل العمل مباحًا، والمخالفات نادرة غير مقصودة، وكان العامل حريصًا على تجنبها وعدم المشاركة فيها، وغير راضٍ بها، مع السعي — متى تيسر — إلى عمل أنقى منها. ولا إثم عليه في ذلك، بل هو مأجور على حرصه وورعه بقدر استطاعته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مجموع الفتاوى (11/ 623)


أضف تعليقا