حبل الله
طريقة العزاء الصحيحة حسب ما ورد في القرآن الكريم

طريقة العزاء الصحيحة حسب ما ورد في القرآن الكريم

السؤال:

ما هي طريقة العزاء الصحيحة حسب ما ورد في القرآن الكريم؟ وما مدى صحة العزاء لمدة ثلاث أيام والطعام وقت العزاء؟

الجواب:

يقرر القرآن المنهج الصحيح للتعامل مع المصائب، وهو الصبر والاحتساب والرجوع إلى الله والتسليم لقضائه. قال تعالى:

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155–156].

فهذه الآية أصلٌ جامعٌ في تسلية المصاب، وبيان ما ينبغي أن يقال عند وقوع الفقد، واعلم أن صلاة الجنازة وتشييع الميت تُعدّان من أبلغ صور العزاء الشرعي، بل هما في حقيقتِهما العزاء العملي الأعظم، لأنهما يجمعان بين نفع الميت ومواساة أهله، وهذا هو المقصد الحقيقي من العزاء في الإسلام.

فصلاة الجنازة هي في جوهرها دعاء خالص للميت، كما أنها مواساة لأهله. وقد روي عنه نبينا الكريم أنه قال:

“إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ”[1]

وهذا الدعاء رحمة للميت، وسكينة لأهله، وإشعار لهم بأن الميت لم يُنسَ، وأن جماعة المسلمين قامت بحقه، وهو من أعظم ما يُخفف مصابهم.

أما تشييع الميت والمشي مع جنازته، فهو كذلك صورة واضحة من صور العزاء؛ لما فيه من مشاركة وجدانية وحضور عملي مع أهل الميت في لحظة الفقد. وقد رغب النبي عليه الصلاة والسلام في اتباع الجنائز ترغيبًا عظيمًا، فقال:

“مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ.
قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟ قال: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ”[2]

وهذا الأجر العظيم يدل على عِظَم هذه الشعيرة ومكانتها، ويدل ضمناً على أنها أعظم من مجرد التعزية اللفظية.

ويؤكد هذا المعنى أن النبي ﷺ كان إذا مات مسلم، بادر إلى الصلاة عليه واتباع جنازته.

إن صلاة الجنازة، والمشي مع الميت، وحضور دفنه، كلها تدخل دخولًا أوليًا في معنى العزاء، بل هي أرفع درجاته، لأن فيها نفعًا حقيقيًا للميت، وتسلية عملية لأهله، وتذكيرًا عمليًا بالآخرة، وهو أعظم ما يُحتاج إليه عند المصيبة.

وبهذا يتضح أن العزاء في الإسلام ليس محصورًا في الكلمات، بل يشمل كل ما يحقق مقصد المواساة والرحمة والوفاء بحق المسلم بعد موته، قولًا وعملًا.

بيوت العزاء

لم يُنقل عن نبينا الكريم أنه جلس للتعزية في مجلس مخصوص (بيت عزاء) ولم يُنقل ذلك عن أصحابه الكرام، مما يدلُّ على أن الأصل في العزاء هو الفعل الصالح والدعاء والمشاركة، لا المجالس المنظمة ولا الالتزامات الشكلية.

وما سبق لا يعني أنه لا عزاء في الكلمة الطيبة، بل إن تخفيف المصاب عن أهل الميت بالكلام الطيب له أثر كبير في التعزية،  وقد روي أن النبي ﷺ كان يُعزّي بالكلمة الطيبة التي تجمع بين التسليم لقضاء الله والدعوة إلى الصبر واحتساب الأجر. ومن ذلك ما روي عنه معزيا أحدهم:

“إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ”[3]

وهذا الحديث يبيّن أن العزاء المشروع هو التذكير بحقيقة الدنيا، وحثّ المصاب على الصبر، والدعاء له، دون اشتراط صيغة محددة أو مجلس خاص.

وأما ما اشتهر بين الناس من أن العزاء يكون ثلاثة أيام، فليس له أصل ملزم في القرآن ولا في السنة، وإنما هو عُرف جرى عليه الناس لأن إطالة التعزية قد تُجدّد الحزن وتشقّ على أهل الميت. فالتعزية مشروعة قبل الدفن وبعده، وأنه لا حرج فيها بعد ثلاثة أيام إذا وُجد سبب أو غاب المعزّي، مما يدل على أن تحديد الثلاثة أيام تنظيم اجتماعي لا تعبّد شرعي.

أما جلوس أهل الميت في مكان مخصوص لاستقبال المعزين (فيما بات يعرف ببيوت العزاء)، فلا دليل على حرمته، فهو داخل في عادات الناس لا في عباداتهم، والعادة التي لا تُحل حراما أو تحرِّم حلالا، ولا يترتب عليها مضرة ظاهرة فلا يحق لأحد القول بحرمتها، لأنه لا تحريم بدون دليل ظاهر.

الطعام لأهل الميت

وفيما يتعلق بالطعام وقت العزاء، فقد جاءت السنة النبوية ببيانٍ واضح في هذه المسألة. فعندما استُشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، روي أن نبينا الكريم قال:

“اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ”[4]

ويفهم من الحديث أن الأصل أن يصنع الناسُ الطعام لأهل الميت وليس العكس، لأن المصاب يشغله الحزن عن شؤون نفسه فضلا عن شؤون غيره، فليس من السنة أن يُكلّف أهل الميت بإطعام الناس. ولهذا فإن ما اعتاده بعض الناس من اجتماعهم للأكل عند أهل الميت، هو خلاف السنة والمعروف.

الخلاصة:

إن العزاء في الإسلام مبني على المقاصد لا المظاهر؛ فمقصده مواساة أهل الميت والدعاء لهم وتخفيف مصابهم، ومشاركتهم في الصلاة على الميت وتشييعه ودفنه، ثم تخفيف مصابهم بالكلام الطيب الذي يذكرهم بالله ونفاذ أمره وحسن العاقبة للصابرين المتقين، ويكون ذلك دون التزام بزمنٍ أو هيئةٍ أو تكليفٍ مالي

ويمكن تلخيص المعلومات السابقة كما يلي:

  • العزاء: مواساة ودعاء بلا تكلف
  • أعظم صور العزاء هو المشاركة في الصلاة على الميت وتشييعه
  • لا تحديد شرعي لثلاثة أيام، لكنها عادة مباحة
  • السنة: إطعام أهل الميت لا إطعام الناس
  • كل ما يؤدي إلى المشقة أو الرياء أو تثقيل الحزن فهو غير محمود شرعًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سنن أبي داود رقم 3199.

[2]  صحيح البخاري رقم 1325 ومسلم رقم 945

[3]  صحيح البخاري رقم 1284، ومسلم رقم 923

[4]  سنن أبي داود رقم 3132، والترمذي رقم 998 وقال حديث حسن

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.