السؤال
السلام عليكم، حالياً أنا أتدبّر في سورة الحجرات ولا زلت أبحث في أول آياتها، إذ إن التفاسير التقليدية تقول عن معنى الآية: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2] من الأدب ألا يكون الصوت عالياً أمام النبي، ولكن لم أقتنع به لأن القرآن لكل زمان ومكان والنبي قد مات فكيف نطبّق هذه الآية عملياً في حياتنا؟ ماذا لو الصوت في هذه الآية لديه معنى آخر؟
وإذا أكملنا الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: 2] التفاسير تقول كأن المعنى نفس الشيء أن لا ترفعوا أصواتكم. ولكن الله لا يعيد كلامه، لا بدّ أن هناك معنى آخر للجهر، لم أجد الإجابة بعد. إذا عندكم علم في هذا المجال أرجو الرد وشكراً سلفاً.
الجواب:
بداية نتوجه بالشكر الجزيل للسائلة الكريمة على هذا السؤال الذي ينم عن عقل متدبر وقلب متصل بآيات الله تعالى؛ فالبحث في مقاصد القرآن هو السبيل لإحياء أثره في نفوسنا وعلى سلوكنا.
فتبدأ سورة الحجرات بنداء رباني مهيب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ…﴾ [الحجرات: 1] وهذا النداء هو الأصل الذي تفرعت عنه بقية الآداب؛ فالتقديم بين يدي الله ورسوله هو تجاوز المنهج الإلهي بالرأي أو الهوى.
وتكرر النداء بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الآيات التالية ليس مجرد لفت انتباه، بل هو تذكير بمقتضيات الإيمان؛ فكأن الحق سبحانه يقول: إن كنتم مؤمنين حقاً، فلا بد أن تظهر ثمرة هذا الإيمان في انقيادكم وأدبكم مع كتابه ومع رسوله الكريم.
مفهوم “الجهر” بخلاف ما تعارف عليه الناس
من المهم أن ندرك أن “الجهر” في القرآن الكريم جاء بمعانٍ أعمق وأشمل مما تعارف عليه الناس من مجرد رفع نبرة الصوت، بدليل أن الله عز وجل ذكرهما في آية واحدة كفعلين مختلفين: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ و ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾؛ فلو كان الجهر هو الرفع لكان في الكلام تكرار، وكما أشارت السائلة الكريمة فإن القرآن منزه عن ذلك.
ولفهم الجهر في حقيقته ينبغي العودة إلى الكتاب والنظر في سياقاته لندرك أنه يدور حول معنى الإظهار والمكاشفة أو التجمهر لفرض الرأي أمام الآخرين، وقد جاء في القرآن الكريم بمقابلات توضح هذا المعنى:
- الجهر في مقابل السر كما في قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: 13]
- الجهر في مقابل الكتمان: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء: 110]
- الجهر في مقابل الخفاء: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110]
- الجهر كوسيلة دعوة أمام جماهير الناس كما في قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا. ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: 8-9]
- الجهر كإظهار للمنكر أو السوء وكشفه كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: 148]
التطبيق التدبري للجهر:
بناءً على هذه الآيات، فإن النهي في قوله: (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) يعني النهي عن فرض الرأي الشخصي أمام الجمهور، فالأمر لا يقف عند حدود رفع “نبرة الصوت” وإنما تحويل مجلس النبي ﷺ إلى ساحة للمنافسة الكلامية والجدل العلني الذي يهدف لانتزاع اعتراف بالرأي الشخصي، والذي يؤدي إلى حالة من الاستعراض لإظهار الآراء الشخصية المتصادمة. وهو ما يسمى في عصرنا “المزايدة الكلامية”، فالمقصود هو الكف عن محاولة فرض الرأي أمام جمهور من الناس بنوع من الندية، كأنما يجاهر الشخص بفكره ليكون هو الغالب.
وهذا يقتضي بالضرورة عدم مخاطبته _عليه السلام_ بنِدّية كما يخاطب الناس بعضهم بعضاً، أي لا تخاطبوه كأنه واحد منكم، بل خاطبوه كـ (رسول) مخاطبة ملؤها التوقير والاستسلام.
دلالة غض الصوت: كفّ الإرادة قبل خفض الصوت
ويتأكد هذا المعنى بالنظر في الآية التالية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ…﴾ [الحجرات: 3] فلم يقل “يخفضون”؛ وهذا اختيار بياني دقيق:
- معنى الغض: فقد ارتبط الغض في القرآن بالبصر: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] وغض البصر ليس إغلاقه، بل هو كفه وحبسه عن الحرام مع بقاء القدرة على الرؤية؛ وكما في غض البصر فهناك غض الصوت، الذي هو كفّ الإرادة الكامنة خلفه؛ أي حبس الرأي والاندفاع النفسي عن الاعتراض أو التقدم بين يدي النبي ﷺ.
فالمطلوب ليس مجرد خفض حدة الصوت، بل هو كفّ “الأنا” وحبس الرأي الشخصي عن الظهور والبروز أمام قول الله تعالى ورسوله الكريم.
- الالتزام والوقوف: فالغض يوحي بوجود طاقة أو رغبة في الكلام والاعتراض، ولكن المؤمن “يغضها” ويحبسها التزاماً بحدود الله تعالى واحتراماً لرسوله، فلا يدلي أحد برأي بعد قوله تعالى الذي يبلغه رسوله ﷺ.
- علاقة الصمت بالهيبة: إن الآية لم تطلب فقط خفض الصوت، بل أوحت بأن الصمت في مقام الوحي هو أعلى درجات البيان؛ ذلك لأن صوت الرسول هو الحقيقة المطلقة، وأي صوت بشري بجانبه هو ضجيج لا يضيف للحقيقة شيئاً بل قد يحجبها، ومن هنا تأتي هيبة السكوت تعظيماً للمصدر.
فلسفة “صوت النبي” واستمراريته عبر الزمان
بما أن القرآن كتاب يتلى إلى يوم القيامة، فإن مفعول هذه الآية باقٍ بالضرورة، وصوت النبي ﷺ اليوم هو سيرته ومقامه، ويتمثل تطبيق ذلك في:
- عدم التقول والخوض: يتمثل تطبيق الآية اليوم في عدم الخوض في سيرته ﷺ أو في أهل بيته رضي الله عنهم إلا بما جاء في كتاب الله تعالى وبما يليق بمقامهم، وعدم اتخاذ سيرتهم مادة للجدل العقيم أو الانتقاص والتقول عليه، كما نراه في الروايات المكذوبة التي خاضت في سيرته وأهل بيته وفراشه مما ينأى عنه ذو قلب سليم.
- احترام المرجعية: إن “الصوت” الذي يجب ألا نعلو فوقه هو قراره وأمره ومسيرته التي خلّدها القرآن ووثقها لتكون الأسوة الحسنة لنا، كأخلاقه العظيمة ورحمته ورأفته بالمؤمنين ومشاورته لهم، واحتماله وصبره وتواضعه مع أهل بيته والمؤمنين؛ وصموده أمام العدو. فمن جعل رأيه أو هوى نفسه أعلى من توجيهه، فقد وقع في رفع الصوت المعنوي المحظور.
لماذا حبوط العمل في قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: 2]؟
هذا التحذير يؤكد أن المسألة ليست مسألة أدب فقط، بل هي مسألة إيمان؛ فالذي يرفع صوته (منهجه / رأيه) فوق صوت النبي ﷺ، هو في الحقيقة يقدس عقله أو هواه أكثر من الوحي؛ وهذا الخلل في الأخلاق والاتباع هو ما يؤدي لحبوط العمل، لأن العمل الصالح لا يُبنى إلا على ركيزة التسليم والاتباع، لا على المغالبة والجهر بالرأي نِدّاً لنِد.
وإن فَقْد الأدب مع مقام النبوة وفَقْد التسليم لأمره يهدم الركيزة التي يُبنى عليها قبول العمل؛ لأن رفع الصوت والجهر بالقول في حضرة النبوة (شخصاً أو منهجاً) هو استعلاء أمام وحي الله تعالى ومنهجه الذي أنزله على رسوله الكريم.
الأثر التربوي والاجتماعي والتطبيق الحياتي المستمر في الواقع المعاصر
إن هذه الآيات ترسم منهجاً للتعامل مع جميع المرجعيات الكبرى في حياتنا، فمن يقوم مقام النبي كالعالم أو القائد أو الوالدين له حق التوقير المنبثق من هذه الآية:
- عدم التقديم بالرأي قبل استشارتهم أو تجاوز مكانتهم.
- التواضع في مجلس العلم وأمام الوالدين وكبار الأهل وأولي الأمر، مما يؤلف القلوب ويجمع الرأي.
- عدم الجهر بالخلاف أمام الناس بقصد الإحراج أو إظهار الذات، بل الالتزام بأدب الخطاب.
- مخاطبتهم بتوقير يليق بمقامهم، وهو ما يضمن استقرار النظم الاجتماعية والتربوية.
ختامًا:
تأمرنا الآيات الكريمة في سورة الحجرات في الواقع المعاصر بوضع كلام الأنبياء والمرسلين في مرتبة عليا لا يزاحمها صوت آخر، وبأن نتناول سيرتهم بأدب يختلف عن تناولنا لسير البشر العاديين. فآيات سورة الحجرات تضع قواعد تربوية (أسوة حسنة) في التعامل مع المرجعيات في حياتنا، سواء كانوا والدين، أو علماء، أو قادة؛ حيث يكون رفع الصوت المعنوي (بالتمرد أو سوء الأدب) والجهر بالمزايدة الكلامية و التجمهر لفرض الغلبة ما هو إلا صياح يعطل المنهجية في ضبط النفس والأدب الجماعي الذي يترتب عليه حبوط وفشل العمل التربوي أو الاجتماعي مصداقًا لقوله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]
الباحثة: شيماء أبو زيد


أضف تعليقا