حبل الله
أذكار القرآن الكريم

أذكار القرآن الكريم

السؤال:

ما هي الأذكار التي من المستحب للمسلم المداومة عليها، و التدبر في معانيها؟
لأن هناك الكثير من النصائح حول الأذكار للدرجة التي تجعل الكثيرين يتشتتون.
من المعتاد معرفة الجميع بأذكار الصباح و المساء، والأذكار عقب كل صلاة، وسمعت أنه مستحب قراءة آية الكرسي.
و لا أعرف ذكرا محددا قبل النوم… غالباً نقرأ المعوذتين، و آية الكرسي كذلك. فهل من نصائح محددة تمنعنا من التشتت.
مثلاً ماذا كان يفعل الرسول عليه الصلاة و السلام بخصوص الأذكار على مدار اليوم؟

الجواب:

يمثل الذكر والدعاء أحد أعظم أبواب العبودية التي يتقرب بها العبد إلى ربه، وقد أولاهما القرآن الكريم عنايةً بالغة، فأمر بالإكثار من ذكر الله، وجعل ذلك من صفات المؤمنين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42].

وقد ورد عن نبينا الكريم آثار وروايات تدل على أنه كان يردد الأذكار القرآنية وما يماثلها ويشبهها في صباحه ومسائه، وفي صلاته وسفره، وعند فرحه وشدته، حتى صار الذكر في الإسلام لا ينفك عن المسلم في يومه وليلته ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

وتأتي كلمة التوحيد في مقدمة الأذكار القرآنية، إذ أمر الله تعالى نبيه بقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، وجعل آية الكرسي مفتتحة بقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]. وقد كان النبي الكريم يكثر من ترديد هذه العبارة ويبين فضلها.

ومن أكثر الأذكار ورودًا في القرآن التسبيح، فقد أمر الله به في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74]، وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17].

وقد روي عن نبينا الكريم أنه قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، كما رغب في الإكثار من قول: «سبحان الله وبحمده» لما فيها من تكفير الخطايا ورفع الدرجات.

وكذلك شأن الحمد، فقد افتتح الله كتابه بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، وكرر الحمد في مواضع كثيرة من القرآن، ليغرس في قلب المؤمن دوام الاعتراف بفضل الله وإنعامه. وقد جاء روي عن نبينا الكريم ما يبين عظم منزلة الحمد، فقال النبي ﷺ: «الحمد لله تملأ الميزان»، وأخبر أن الله يرضى عن عبده إذا حمده على طعامه وشرابه، فصار الحمد في السنة ترجمة عملية لما قرره القرآن من وجوب الثناء على الله في كل حال.

وأما التكبير، فقد أمر الله به في قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: 111]، وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185]. وقد جسد النبي ﷺ هذا الأمر في حياته كلها، فكان يكبر في الصلاة، وعند العيدين، وفي السفر، وعند الصعود إلى المرتفعات، ليظل تعظيم الله حاضرًا في قلب المؤمن ولسانه في مختلف أحواله.

ومن أبرز الأذكار القرآنية الاستغفار، فقد قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: 19]، وقال على لسان نوح عليه السلام: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10]. وقد كان رسول الله ﷺ يكثر من الاستغفار، فيقول: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة». وفي هذا تعليم للأمة أن الاستغفار عبادة دائمة لا تقتصر على حال التقصير، بل هي ملازمة للمؤمن في جميع أوقاته.

ومن الأدعية الجامعة التي علمها القرآن للمؤمنين دعاء الهداية في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. وقد كان النبي ﷺ يقول: «اللهم اهدني وسددني»، ويعلم أصحابه أن يسألوا الله الهدى والتقى والعفاف والغنى، ليبقى طلب الهداية ملازمًا للمؤمن بعد كل صلاة وفي سائر أحواله.

وكذلك دعا القرآن إلى سؤال الله الثبات، فقال: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8]. وكان من أكثر دعاء النبي ﷺ: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». وهذا يبين أن أعظم الخلق إيمانًا كان يكثر من سؤال الله الثبات، تعليمًا لأمته أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

ومن أجمع الأدعية القرآنية قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]. وقد جاء في الصحيحين أن هذا كان أكثر دعاء النبي ﷺ، وفي ذلك دلالة ظاهرة على أن رسول الله ﷺ كان يكثر من الدعاء بألفاظ القرآن نفسها، وأن القرآن هو الأصل الذي يستقي منه النبي كثيرًا من الأدعية.

كما أرشد القرآن إلى سؤال الزيادة في العلم بقوله: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، فكان النبي ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا»، فجمع بين طلب العلم النافع، والعمل به، والزيادة فيه.

وفي شأن أذكار الصباح والمساء، اكتفى القرآن بالأمر العام، فقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 42]، وقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]. وقد ورد عن النبي الكريم نماذج عملية من هذه الأذكار، مثل: «أصبحنا وأصبح الملك لله»، و«اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا»، و«رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا»، و«اللهم إني أسألك العفو والعافية»، فكانت هذه الأذكار تطبيقًا عمليًا للأمر القرآني بذكر الله في أول النهار وآخره.

ومن خلال هذا العرض يتبين أن الأذكار النبوية الصحيحة ليست منفصلة عن القرآن، ولا تمثل منهجًا تعبديًا مستقلًا عنه، بل هي الامتداد العملي له. فالقرآن هو الذي أصل لمعاني التوحيد، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، والاستغفار، والدعاء، والتوكل، والثبات، وسؤال الخير في الدنيا والآخرة، وقد جاء عن نبينا الكريم أفضل صيغ هذه الأذكار، وأوقاتها، وآدابها، وفضائلها، وربطتها بحياة المسلم اليومية.

ولهذا فإن المسلم إذا حافظ على الأدعية الواردة في القرآن، وأضاف إليها الأذكار الثابتة في صحيح السنة، فإنه يكون قد سار على المنهج الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فيكون ذكره لله موافقًا لكتاب الله، ومقتديًا فيه بسنة نبيه، فتجتمع له سلامة المصدر، وصحة العمل، وكمال الاتباع.

*وللمزيد حول الموضوع ننصح بالاطلاع على المقالات التالية:

الصّلاة والذِّكر

الذكر في الحج

المقصود بذكر الله تعالى وتسبيحه واستغفاره

أعظم الدعاء

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.