الدِّين والعلم

الدِّين والعلم

أ.د عبدالعزيز بايندر

مقدمة

العلاقة بين الدِّين والعلم من الموضوعات التي تُثار إمَّا بقصد الوصول إلى الحقيقة، وهذا لا غبار عليه، وإمَّا لإثبات قناعة مسبقة عند من يرون الدِّين مجموعة من المفاهيم والأحكام المجرَّدة عن منطق العلم. وبالرغم من أنَّ العلم والدِّين لهما مرجعيَّة واحدة _في الأساس_ إلا أنَّ رجال الدِّين في الأديان المختلفة أخرجوا الدِّين من أن يكون آية منزلة تصدِّقها آيةُ الكون المخلوقة، بل جعلوه قصرا على تصوراتهم وأهوائهم، وبذلك كانوا السبب_بقصد أو بدون قصد_ في صناعة الوهم القائل بأنَّ العلم والدِّين لا يلتقيان، وقد استند مدعو هذا الوهم إلى الكمِّ الهائل من التفسيرات الخاطئة للوحي، والخرافات التي أُلحقت بالدِّين. والحقُّ أنَّ العلم والدِّين أصلان يصدِّق بعضُهما بعضا، ويخدمان هدفا مشتركا يتمثَّل بإسعاد الإنسان في الدُّنيا والآخرة.

أولا: الدِّين

كلمة الدِّين مشتقة من كلمة الدَّين[1]، فبينما تعني الأولى أن يكون الإنسان مدينا لله تعالى، تعني الثانية أن يكون الإنسان مدينا لإنسان مثله. وكلُّ حقٍّ للغير متعلِّقٌ بالذمَّة فهو دين يولِّد المسؤوليَّة. وأكثر النَّاس يظنَّون أنَّه ليس لله تعالى دَينٌ عليهم[2]، لذا فإنهم لا يأبهون بما يجب عليهم في مقابل ذلك الدَّين.

يُعرِّف الله تعالى دِينه بالفطرة بقوله:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (الروم 30/30)

“والفطرة من فطر بمعنى خلق وشق[3]، وهي مصدر نوعي على وزن الفِعْلة ومعناها الخِلْقة وهي الحالة الطبيعيَّة المكيَّفة عند الخلق وعند الشقِّ. والحالة الطبيعيّة للمخلوقات تكيَّفت مشتملة على وحدانيَّة الله في الخلق والملك والرزق والاستحقاق للعبادة، وعلى حُسْن الحَسن وقُبْح القَبيح من الأقوال والأفعال. وقد تكيَّفت كذلك متهيِّئَةً لخدمة الإنسان”[4]

فالفطرة تعني؛ مبادئ وقوانين الخلق والتغيير والتَّطور، وهي التي تُكَوِّن البِنيةَ الأساسية للكائنات.

دين الله تعالى هو مسؤوليَّة العيش وفقا للهيكل الطبيعي، ولأنّ فاعلَ ذلك يكون قد وقى نفسه من الفتن وحماها من المهلكات سمَّاه القرآن بالمتقي. يقول الله تعالى:

ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (البقرة 2/2)

قوانين الفطرة هي قوانين الطبيَّعة، ولا يملك الإنسان سوى الانسياق لمعظم هذه القوانين، أمَّا الدِّين فهو القسم الذي ينبغي على الإنسان أن يقبله طوعا من تلك القوانين، ذلك أنَّ الله تعالى قد خلق الإنسان للامتحان فكان التزامه بقوانين الدِّين واقعا في خياره. فمن اختار الحقَّ فقد فاز في الامتحان وسعد في الدَّارين، ومن رجَّح منافعه فقد خسر. يقول الله تعالى:

الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ. (إبراهيم 14/1-3)

العوج: العطف عن حال الانتصاب، يقال: عجت البعير بزمامه، وفلان ما يعوج عن شيء يهمُّ به، أي: ما يرجع، والعَوَجُ (بفتح العين) يقال فيما يدرك بالبصر سهلا كالخشب المنتصب ونحوه. والعِوَجُ (بكسر العين) يقال فيما يدرك بالفكر والبصيرة كما يكون في أرض بسيط يعرف تفاوته بالبصيرة[5]. الذين يخرجون عن الطريق يتظاهرون باستخدام عقولهم لتضليل الحقائق وتغييبها، لكنه لا يمكن كسب الاختبار دون أن يأذن الله تعالى، لذلك فإنه يمكنهم خداع الناس من خلال تلك التَّشوُّهات التي ينسجونها حول الحقائق، لكن لا يمكنهم خداع الله تعالى.

الذين يفضِّلون الحياة الدنيا على الآخرة هم في الحقيقة قد خرجوا عن الصراط؛ لأنَّهم لا يستخدمون عقولهم. يقول الله تعالى:

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ. (يونس 10/100)

من يكسبون الامتحان يشعرون بالرضى والطمأنينة بينما الذين يخسرونه يكابدون المرارة. يقول الله تعالى:

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا[6]. فَأَلْهَمَهَا[7] فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا[8] (الشمس 91/ 7-10)

والإنسان عندما يكون على المحكِّ مع المعصية يبدو مرتبكا متردِّدا، فإمَّا أن ينجو بنفسه منها وإمَّا أن يواقعَها. وربُّنا ذو الرَّحمة الواسعة يُلقي في قلب العبد تحذيرا بأنَّك توشك على مواقعة المحظور، فاحذر. فإن انصرف عنه وجد الرِّضا في نفسه، وهذا عاجل بشرى المؤمنين، أمَّا إن واقعه فيضيق صدره، ويشعر بالتَّعب، وهذا أيضا من رحمة الله به؛ لتحريضه على التَّوبة والرُّجوع إلى الحقِّ.

ثانيا: العلم

العلم: إدراك الشيء بحقيقته؛ وذلك ضربان: أحدهما: إدراك ذات الشيء. والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه[9]، فالعلم هو حقائق الأشياء التي يتوصل إليها العقل من خلال النظر في قوانين الفطرة النافذة، أي القوانين الطبيعية. وأولُّ متعلِّميها هو آدم عليه السلام، الذي كان الله سبحانه معلِّمُه. يقول الله تعالى:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[10] قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ[11] لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البقرة 2/30)

تعلم الملائكةُ أنَّ المخالفة تفتح الطريق للإفساد وسفك الدماء. ففي عالَم الدَّجاج _مثلاً_ لا يُمكن أن يكون في القنِّ (بيت الدَّجاج) سوى ديكٌ واحدٌ، ولو حصلت المخالفة بين الدَّجاج لما أمكنَ وجودُ أكثر من دجاجةٍ وديكٍ في القنِّ الواحد. ولو كان هذا النَّوعُ من الصِّراع موجوداً بين الدِّيَكة والدَّجاج لما بقي شيءٌ منها في مكانٍ واحدٍ، بل سيكون جنسُه مُعرَّضاً للانقراض حتماً. ونظرا لوجود المخالفة بين الرَّجل والمرأة فما هو حالهما في مكان يعيشان فيه سويا!

والذي لم تعرفْه الملائكة جيدا هو الطَّبيعة الخاصَّة للمخالفة في الإنسان، لذلك قال الله تعالى للملائكة:

إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (البقرة 2/30)

إنَّ طبيعة ردِّ فعل الملائكة على خلق الخليفة الجديد (آدم) يدلُّ على أنَّ المخالفة جزءٌ من تكوينهم أيضا، وهو لازمة كونهم مكلَّفين ممتحَنين. نعلم هذا من خلال الآيات التالية:

لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (النساء 4/ 172-173)

وقد علَّم الله تعالى آدم الأسماء كلَّها:

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (البقرة 2/31)

ومثل هذا التَّحدي (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) يقال للمُخالِف المكلَّف، لأنَّ الملائكة تصرَّفوا كما لو كانوا عالمين جيدا بالمخلوق الجديد.. وفي ما يتعلَّق بمثل هذه المسائل يقول الله تعالى:

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (الإسراء 17/36)

وفي المرَّة الثَّانية استدرك الملائكة ما وقعوا به وقالوا:

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (البقرة 2/32)

قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (البقرة 2/33)

الأسماء، جمع اسم، والاسم يُطلق على كلِّ موجودٍ ومعلومٍ، كما أنَّه يُنبِّئُ عن طبيعة هذا الشَّئ وعن الفائدة المرجوَّة منه. وقد علَّمَ اللهُ تعالى آدمَ أسماء الموجودات كلّها، أي أنه تعلَّم القوانين والقواعد الحاكمة لحركتها وجوهرها والفائدة المرجوة منها.

وقد استعملَ القرآنُ الضَّمير العائدَ على الأسماء (ها) بصيغة غير العاقل؛ لأنها لم تكن معلومة بعد، لكن عندما تحدَّثَ عن عرض الأسماء على الملائكة استعمل الضَّمير بصيغة العاقل (هم)، لأنَّها كانت معلومة عندئذ. ويُقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوَّة “عقلٌ”. وقد استخدم القرآن كما سنرى كلمة الذِّكر للدلالة على ذلك العلم.

وبما أنَّ الآيات التي أنزلها الله تعالى تتضمَّن معلومات يمكن الاستفادة منها باستخدام العقل يستخدم القرآن ضمير العاقل للإشارة إلى آيات الكتاب وإلى الكتب الإلهية الأخرى، ومن ذلك قوله تعالى:

مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ (آل عمران 3/ 7)

الضمير (هنَّ) يستخدم للعقلاء، لأن هذه الآيات تحتوي على الذكر، أي العلوم التي علَّمها الله تعالى لآدم.

وهناك آيتان أخريان ذُكر فيها الضمير العائد على الكتب المنزلة بصيغة العاقل:

قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ . (آل عمران 3/84-85)

والضمير (منهم) في قوله تعالى (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ) يعود على الكتب المنزلة المذكورة المطلوب من الناس الإيمان بها، أمّا من أرجع الضَّمير إلى النبيِّين فقد جانب الصَّواب، لأنَّ الضَّمير لا يعود على القريب إلا إذا انتفت القرينة على عودته إلى البعيد، والقرينةُ هنا تشير إلى عود الضَّمير على الكتب؛ لأنَّها الأصل الذي سيق الكلام من أجله، أما ذكر الأنبياء فكان تبعا لا أصلا.

هذه الآيات تشير إلى التَّوافق بين العلوم التي أودعها الله تعالى في المخلوقات وكذا التي أنزلها في كتابه. والكلمة التي تشير إلى هذا هي الذكر، لأنَّه لا يتحقَّق إلا بإدراك العقل لتلك العلوم، فلو بقيت العلوم دون عقل يدركها أو بقي العقل معطلا عن إدراك تلك العلوم فلا يمكن أن يكون هناك ذكر.

ثالثا: العلم والذِّكر

إدراك الشيء بالتفكر والتدبر لأثره هو المعرفة،  أما قدرته على أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة واستحضاره والتلفظ به عند اللزوم يسمى الذكر[12] .  ولأن الكتب المنزلة تحتوي على المعلومات الصحيحة الضرورية لعمل العقل البشري كان الاسم المشترك لها هو الذكر. يقول الله تعالى:

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ. هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (الأنبياء 21/ 24)

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر 15/ 9)

وعالم الموجودات أيضا يُعدُّ مصدرا للذِّكر، لأنَّه لا يمكن الاستفادة منها بدون التَّعرف عليها والإحاطة بما تحويه من العلم وما تعمل عليه من النِّظام. ومن الآيات المتعلِّقة بهذا الأمر قوله تعالى:

وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا. لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا. وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (الفرقان 25/50)

كلمة (لِيَذَّكَّرُوا) في الآية هي من باب التَّفَعُّل، ويكون الفعل في هذا الباب يحمل معنى التكلف؛ فيفهم من (التذكر) التَّقدم خطوة خطوة للوصول للهدف (وهو الذكر)، ذلك أنَّ الوصول إلى العلوم الكامنة في المخلوقات يحتاج زمنا طويلا من الملاحظة والمتابعة وجمع المعلومات وترتيبها تراكميَّا.

الوصول إلى العلوم التي أودعها الله تعالى في المخلوقات وكذا الوصول إلى الذِّكر الموجود في كتبه المنزلة يؤدي إلى أن يجد الإنسان الأجوبة الشافية لجميع الأسئلة التي تشغل ذهنه، لهذا السبب جاء قوله تعالى:

الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد 13/28)

الإنسان وكذا كل المخلوقات يُعدُّ كلُّ واحد منها آية من آيات الله تعالى. يقول الله تعالى:

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. (فصلت 41/53)

كل إنسان محتاج للعلوم والمهارات التي يمتلكها الآخرون، لذلك لا يوجد إنسان واحد يمكنه العيش منفردا. يقول الله تعالى:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (العلق 96/1-2)

والعلق ما يعلق به أو عليه غيره، كما يأتي بمعنى البويضة التي تعلق بجدار الرحم، والحاجة، والخصومة، وغير ذلك[13]، وقد فُسِّرت الكلمة في هذه الآية بالبويضة الملقَّحة التي تعلق بجدار الرحم، وإن كان الإنسان مخلوق من هذه البويضة العالقة فإنَّه يأتي إلى هذه الدنيا وفيه صفة العلوق، أي التَّعلُّق بغيره. وقد أعطى الله تعالى لكل إنسان قدرات ومهارات مختلفة ليصبح كل إنسان محتاجا لما ينقصه من القدرات والمهارات التي يمتلكها غيره، وهكذا أصبح ارتباطه بغيره شرطا لبقائه على هذه الأرض. يقول الله تعالى:

أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (الزخرف 43/32)

وحتى تستمر الحياة الاجتماعية على خير ما يكون ينبغي على كلِّ واحدٍ أن يسخِّر قدراته على النَّحو الأفضل. يقول الله تعالى:

وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (النساء 4/32)

العلم الذي عُلِّمه آدم عليه السلام

عُلم آدم عليه السلام جميع العلوم المتعلقة بالموجودت، ومن ضمن ذلك العلم الموجود في أقطار السَّماوات. نعلم هذا من خلال الآية التَّالية:

قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. (البقرة 2/33)

وغيب الأرض، هو علم موجوداتها، وغيب السموات هو علم موجوداتها كذلك. ومجيء الأرض مفردة والسماوات جمعا مما يستدعي الوقوف عنده. وما قاله نوح لقومه الذين كانوا من أحفاد آدم عليه السلام يشير بوضوح إلى أنهم حازوا على قسم كبير من علم آدم:

أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا. (نوح 71/ 15-16)

وهذا التعبير ورد بخصوص قوم نوح فقط، ولم يُذكر لأحد من بعدهم. واليوم يوجد معلومات محدودة عن النجوم المتواجدة في السماء الأولى، وغالب هذه المعلومات تدور في دائرة النظريات، وهذا يدفعنا إلى الاستناج بأنَّ تلك العلوم الهائلة التي حازها آدم وأحفاده الأوائل قد اندثرت بالتزامن مع طوفان نوح.

العلم المكتوب الذي تعلمه آدم

وقد علم الله تعالى آدم العلم مكتوبا، كما تخبرنا به الآيات التالية:

اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. (العلق 96/3-5)

والإنسان في الآية هو آدم عليه السلام، ذلك أنَّه نبيٌّ أُنزل إليه الكتاب، ولا معنى لإنزال الكتاب لقوم لا يعلمون الكتابة والقراءة. وقد عدَّد الله تعالى في الآية 83 من سورة الأنعام وما بعدها 18 عشر نبيَّا من نوح إلى عيسى، ثم ذكر أنه اختار من آبائهم وأبنائهم أنبياء آخرين قائلا بعد ذلك:

أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ (الأنعام 6/89)

وهذا يعني أن الأنبياء كلَّهم من آدم حتى خاتم النبيين عليهم الصلاة والسلام قد أَنزل الله تعالى عليهم الكتاب والحكمة.

لما أخرَج الله تعالى آدم وحواء وإبليس من الجنة التي كانوا فيها وجَّه إليهم الخطاب التالي:

قُلْنَا اهْبِطُوا[14] مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة 2/ 38-39)

والهدى المذكور في الآية السابقة هو الوصف الخاصُّ بالكتاب كما جاء في الآية الثانية من سورة البقرة[15]، لذلك فإن الهدى هو الكتاب الذي أُنزِل على آدم. ويعزِّز هذا الفهم لفظا الاصطفاء والاجتباء الواردان في الآيتين التَّاليتين:

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (آل عمران 3/33)

ثُمَّ اجْتَبَاهُ (آدم) رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (طه 20/122)

الخاتمة

عُرِّف دين الله تعالى بأنه الفطرة، والفطرة هي القانون والقواعد النافدة في المخلوقات، فإذا أُخذ دين الله من الكتاب فإنه يمنع أن يقع النَّاس ضحيَّة للخرافات التي كانت السبب لظهور دعوى الفصل بين العلم والدين.

جميعُ الأنبياء من آدم حتى خاتم النبيين قد أوتوا الكتاب. وهذه إحدى الآيات التي تناولت هذا الموضوع:

وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ . فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . (آل عمران 3/ 81-82)

إنَّ الحكمة التي أعطاها الله لكلِّ نبيٍّ من أنبيائه تُعتَبرُ بمثابة الـمُرشد للاستفادة من الكتب الإلهية[16]. وقد أدى ترك تعلم الحكمة الموجودة في القرآن إلى نسيانها تماما، ممَّا منع إمكانية إيجاد الحلول منه[17]، كما أنَّه (ترك تعلم الحكمة) أفسد العلاقة ما بين الدِّين والفطرة، وما بين الدِّين والعلم.

لقد أعطى القرآن لكلِّ النَّاس حريَّة العقيدة وحريَّة اختيار طريقة عيشهم. لذا لا يجوز للمسلمين محاربة غيرهم لمجرد اختلافهم في العقيدة، لكنَّه يحقُّ لهم محاربة من يحاربهم فقط. يقول الله تعالى:

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة 2/ 190)

فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (البقرة 2/ 194)

إذا تمَّ وضع القرآن في مركز الاهتمام العلمي والتشريعي فإنَّ العقلانية ستكون أساسُ الوحدة بين النَّاس من مختلف الأديان. وهذا يفتح الأبواب لفهم الآيات المخلوقة الذي سينتج عنه التَّقدُّم العلميّ، وبالتَّالي تحقيق حياة أفضل للنَّاس جميعا، عندئذ سيكون المسلمون روَّادا في الخير، تلك الرِّيادة تؤهِّلُهم لأنْ يكونوا قدوة لغيرهم.

وألدُّ أعداء هذا التَّوجه هم من يُسخِّرون الدِّين والعلم لمنافعهم الشَّخصيَّة، والآيةُ المتعلَّقة بهذا الموضوع التي لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان هي قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (التوبة9/34)

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

الترجمة إلى العربية: جمال نجم

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  انظر لسان العرب لابن منظور، مادة دين

[2]  ومن ذلك قوله تعالى {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} سبأ 13 {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} يوسف 103

[3]  ومن ذلك قوله تعالى في الآيات التالية: {فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} الأنعام 79 {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} الإسراء 51 {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} الزخرف 27 {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ} الشورى 5 {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} الانفطار 1 {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا} المزمل 18

[4]  أنس عالم أوغلو، مقالة (دين الله هو فطرته) على هذا الرابط http://www.hablullah.com/?p=2981

[5]  مفرادات الراغب، مادة عوج

[6]  الذي جعلها تمتلك نفس الأعضاء التي يملكها الأشخاص الآخرون، فكل الناس متساوون في خلقتهم واستعداداتهم الفطرية، لكن المختلف هو ما تكسبه قلوبهم وأيديهم.

[7]  والإلهام هو إلقاء الله تعالى في قلب عبده شيئا يبصِّرُه الحقيقة.

[8]  دسي عكس التزكية، وَالْمَعْنَى كما جاء في لسان العرب: خَابَ مَنْ دَسَّى نفسَه أَي أَخْمَلها وأَخَسَّ حَظَّها، بترك الطاعات وفعل المنكرات

[9]  مفردات الراغب، مادة علم.

[10]  أصل كلمة خليفة (خليف) وإضافة التاء المربوطة إليها يفيد المبالغة. وتأتي كلمة خليف كأسم فاعل، بمعنى الخالف أي من يخلف غيره ويقوم بعده. كما تأتي كاسم مفعول، بمعنى مخلوف؛ وهو الذي جاء من يخلفه من بعده، وتحمل الكلمة في طياتها معنى المخالفة لاختلاف النائب عن المنوب عنه.

قال الله تعالى {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (هود، 118_119)

[11]  التقديس يعني التنزيه، والمقصود أن الملائكة عدت آدم منزها عن الفساد وسفك الدماء احتراما وطاعة لله تعالى. والمعنى المقدر (نقدسه لك) أي ننزهه لأجلك.

[12]  انظر مفردات الراغب، مادتي عرف وذكر

[13]  انظر مقاييس اللغة، مادة علق

[14]  كلمة اهبطوا جمع، وأقله ثلاثة، وهو ما يشير أن الذين أُمروا بالهبوط ثلاثة وليس اثنين، وهم آدم وحواء وإبليس. وقد كان إبليس قد طرد سابقا من الملائكية كما ورد في الآية 13 من سورة الأعراف.

[15]  الآية هي قوله تعالى {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} البقرة 2

[16]  انظر مقالتنا (الحكمة في القرآن وطريقة الوصول إليها) على هذا الرابط http://www.hablullah.com/?p=2691

[17]  لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع ننصح بقراءة مقالتنا (الإسلام: من دينٍ مركزُه الكتاب إلى دينٍ مركزه البشر) على هذا الرابط http://www.hablullah.com/?p=3092

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع