مفهوم الآية في القرآن الكريم

مفهوم الآية في القرآن الكريم

أ.د عبد العزيز بايندر

الآية هي العلامة الظّاهرة[1]. وتطلق الآية في القرآن الكريم على الجمل التي تدلُّ على كلام الله تعالى، كما تطلق على ما يدلُّ على قدرته في عالم الوجود. وعلى هذا تنقسم آيات الله إلى قسمين؛ الأوَّل: آيات الله المنزلة. والثَّاني: آيات الله المخلوقة. قال الله تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (فصلت، 41 / 52-53).

الآيات المخلوقة هي تصديقٌ للآيات المنزلة. وكلاهما يتحدّث عن الفطرة؛ لذا جاء في القرآن الكريم التَّعبير عن الدِّين بالفطرة؛ حيث قال تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (سورة الروم، 30 / 30).

وهناك من لم يُلق السَّمع لآيات الله المنزلة، ولكنَّه وصل إلى حقائق علميِّة كثيرة في ظلِّ ما درس من الآيات المخلوقة. وبالفعل فإن طريقة الوصول إلى العلوم التطبيقيِّة والتقنيِّة والفلسفيِّة هي الدِّراسة والبحث في الآيات المخلوقة، أي الظَّواهر الكونيِّة.

وفي عرفنا التَّقليدي فإنَّ القرآن الكريم يعدُّ كتابا دينيَّا يأتي بالأحكام المتعلِّقة بالعبادات والعقائد والأخلاق والشَّريعة فقط. ولكنَّ الحقيقة أنَّ الآيات القرآنيَّة المتعلِّقة بتلك الأحكام قليلة العدد؛ كما أنَّها ليست منحصرة بتلك الموضوعات بل تتحدَّث في نفس الوقت عن موضوعات أُخرى.

ما من شيء إلا وقد بيَّن القرآن الكريم ما يتعلق به من الأحكام. كما قال تعالى: «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ» (الأنعام، 6 / 38). وللوصول إلى بيانه؛ أي الحكم فيه، فلا بد من معرفة المناسبات والعلاقات الثنائيِّة بين الآيات والمحكم والمتشابه والتأويل. وهو ما يشبه العلاقات بين الأرقام. كما نعلم فإن الأرقام محصورة من الصفر إلى التسعة، ومجموعها عشرة، ولكنَّه يتمُّ كلُّ الحسابات بها. فقدرةُ الشَّخص على الحساب مرتبطٌ بمعرفته العلاقات بين الأرقام. حيث يستطيع البعض أن يستعملها في الحسابات اليوميِّة في الشِّراء والبيع. والبعض الآخر يستعملها في الحسابات الفلكيَّة المعقَّدة والأشكال الهندسيَّة والحلول الفيزيائيَّة وغير ذلك من الحسابات الدَّقيقة. وكلُّ واحد يستفيد منها بحسب معرفته. وكذلك الاستفادة من الآيات القرآنيَّة. فالبعض لا يعرف العلاقات بين الآيات، ولكنّه يستفيد منها حسب معرفته. والبعض متعمِّقون في معرفة العلاقات بين الآيات وبين العلوم الأخرى التي تجعله يصل إلى المعاني الدَّقيقة والعميقة. وعلى سبيل المثال: الذي عنده علم من الكتاب في عهد سليمان عليه السلام، استطاع أن يأتي بعرش بلقيس بطرفة عين من سبأ إلى مملكة سليمان.

 وقد فهمت ملكة سبأ بلقيس أنَّه لا حول لها في مواجهة سليمان عليه السلام، فغادرت سبأ إلى مملكة سليمان مسلمة معه ؛ وكان لها عرشٌ عظيم. وحين سمع سليمان عليه السلام بخبرها جمع الملأ و «قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» (سورة النمل، 27 / 38-40).

والذي جاء بعرشها في لحظة قد حصل على العلم الذي مكّنه من ذلك من التّوراة؛ لأنّ الكتاب المشار إليه في قوله تعالى “قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ” هو التّوراة لا غيره.

وقد وصف القرآن ذلك الشّخص بـ «الذي عنده علم من الكتاب» ولم يقل الذي يعلم الكتاب كلَّه. وهذا مهم للغاية. حيث يدلُّ على عدم وجوب علم الكتاب بأكمله، بل يكفي معرفة ما يخصُّه من الآيات التي تعينه في الوصول إلى علم إحضار الأشياء البعيدة. واليوم تجرى الدراسات حول إرسال الأشياء إلى الأماكن البعيدة بواسطة الإشعاع، ولكن ما زال ذلك مستبعدا وهو في إطار الخيال العلمي فقط.

وحين اعتُبر القرآن أنَّه كتاب دينيٌّ فقط لم يكن بالإمكان فهم الآيات السابقة على شكل صحيح. وقد زعم البعض أن الإتيان بالعرش هو من معجزات سليمان عليه السلام. والمعجزة هي ما يُظهره الله تعالى على يد مدَّعي النبوة تأييدا له وتصديقا لنبوته. أما الكرامة فهي من إكرام الله تعالى لعبد صالح. ولا يمكن قبول هذا الإدعاء؛ لأن المعجزة لا تتحققُّ للنَّبي بناء على طلبه، وكذلك الكرامة بالنَّسبة للعبد الصالح. كما قال الله تعالى: « وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» (سورة الرعد، 13 / 38).

وفي إحضار العرش إدعاء. فقد قال الذي عنده علم من الكتاب لسليمان عليه السلام «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ». إذن فهذا الحدث ليس بمعجزة ولا بكرامة. إنما تحققَّ نتيجة للعلم الذي كان مصدره كتاب الله. وهذا العلم لا بد من أن يكون موجودا في القرآن الكريم أيضا. ولو تتبَّعنا الآيات وفق الأساليب التي بينها الله تعالى في كتابه سنصل إلى ذاك العلم. والمصطلحات الأساسية لتلك الأساليب هي المتشابه والمثاني والتأويل.

وآيات القرآن تأتي في مجموعتين: الأولى مجموعة الآيات المرئيَّة. والثانية مجموعة الآيات غير المرئيَّة.

الأولى: آيات مرئيَّة

وهي مجموعة آيات يراها كلُّ من قرأ القرآن الكريم. وتشمل آيات القرآن وغيرها من الكتب المنزلة على الأنبياء عبر التّاريخ البشري. قال الله تعالى: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ . وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ» (الشورى، 42 / 13-14).

وكلُّ مجموعة من الآيات المنتظمة في سورة من سور القرآن الكريم يطلق عليها اسم القرآن كذلك؛ فكل سورة بمفردها هي قرآن. كما قال الله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» (الحجر، 15 / 87). وقوله تعالى: « وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» عطف تفسير. كما دلَّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ.[2]

فسورة الفاتحة هي القرآن العظيم وعلى هذا فإن كل سورة من سور القرآن يجوز أن يقال عنها قرآن. كما توجد في نفس السورة مجموعة آيات تتحدَّث عن موضوع معيَّن مثل قصة من القصص أو مَثَلٍ من الأمثال، وهذه المجموعة ذات الموضوع الواحد من السُّورة يقال عنها قرآن أيضا. لذا قيل على الآيات التي نزلت في بداية الوحي قرآن. قال الله تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» (البقرة، 2 / 185).

الثانية: مجموعة الآيات غير المرئيِّة

وهي آيات لا نستطيع أن نراها مجتمعة في مكان واحد ولكن يمكن أن نجمعها مع متشابهها بحسب مبدأ المثاني؛ أي العلاقات الثنائية بين الآيات، فيتكون بذلك قرآن؛ أي مجموعة آيات تحوي موضوعا معينا. قال الله تعالى: «وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا» (الاسراء، 17 / 106).

وكلمة “قرآنا” في قوله تعالى: “قرآنا فرقناه” حال من الضمير المفعول لـ”فرقناه” المحذوف؛ والتقدير: فَرَقْنَاهُ  قُرْآنًا فَرَقْنَاه. والعائد فيه هو نفس العائد في “وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ” يراد به القرآن أو الكتاب.

وكلمة “المكث” تدل على توقف وانتظار. وعلى مكث تعني الانتظار.[3] وهذا يدلُّ على أنه إذا نزلت الآية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر نزول آية أخرى تشرحها؛ وهو ممَّا يدلُّ أيضا أن الآيات التي يتكون منها (القرآن) أي مجموعة الآيات التي تتحدَّث عن موضوع معين لم تكن تنزل في وقت واحد. وكذلك اليوم يجب الانتظار حتى تنكشف الآيات التي تتحدث عن موضوع معين للوصول إلى الحكمة، أي الحكم السليم فيه. وبعبارة أوضح نقول إنَّ الآيات التي يتكون منها القرآن ليست مجتمعة في مكان واحد.

 والآيات التَّالية تشرح معنى كلمة “مكث”. قال الله تعالى: «وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا» (سورة طه، 20 / 113-114). فقد أمر الله تعالى نبيَّه بأن لا يعجل بالقرآن، والمقصود أن لا يصدر الحكم بناء على الآيات النازلة حتى يتنزل عليه متشابهاتها، وهذا يحتاج الـ “مكث”

وهذه آية أخرى تشرح كلمة (مكث) بطريقة مختلفة قال الله تعالى: «لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ[4] إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ» (سورة القيامة، 75 / 16-19). والمقصود جمع الآيات المتعلِّقة بالموضوع الواحد واتِّباع الحكمة المستقاة من هذا الضم وعدم تحريك اللسان بالحكم قبل ذلك.

وهذه آية ثالثة في نفس الصَّدد. قال الله تعالى: «كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (سورة فصلت، 41 / 3). الآية تشير إلى التفصيل، والتفصيل ليس بالضَّرورة أن يأتي دفعة واحدة، وفي هذا إشارة أخرى لقوله تعالى (على مكث).

وكثيرا ما تكون الآيات التي تتحدَّث عن موضوع واحد متفرِّقة في أماكن مختلفة من القرآن الكريم، وسنقف على هذا الموضوع تحت عنوان: نماذج من الحكمة إن شاء الله تعالى.

لمزيد من المعلومات حول الموضوع ينصح بقراءة مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (مصطلحات القرآن والتأويل والحكمة في القرآن الكريم) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=2300

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com



[1]  المفردات، مادة: أي.

[2]  البخاري، كتاب التفسير. النسائي، الافتتاح 26.

[3]  معجم مقاييس اللغة، مادة: مكث.

[4]  ثم الثاء والميم أصلٌ واحد، هو اجتماعٌ في لِينٍ. يقال ثَمَمْتُ الشيءَ ثمّاً، إذا جمعتَه. وأكثرُ ما يُستعمل في الحشيش. ويقال ثَمَمْتُ الشيءَ أثُمُّه ثَمّاً، إذا جمعتَه ورمَمْتَه (أنظر: معجم مقاييس اللغة، مادة: ثم) .

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 1.025 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع